التنوير العلمانى العربى المصرى
ارتبط اسم الراحل مراد وهبة بمفهومين رئيسيين: التنوير والعلمانية. ومن الناحية المبدئية والتاريخية والواقعية يرتبط مفهوم التنوير بالتنوير الفرنسى «فولتير وديدرو ومونتسكيو مثلًا»، والألمانى «كانط، وليسنغ وهيردر مثلًا»، والإسكتلندى «هيوم وسميث وريد مثلًا». ويعلى معظم فلاسفة التنوير من شأن قيم العقل والحرية والتقدم... إلخ، مع وجود بعض الاختلافات فيما بينهم: فالتنوير الفرنسى ركَّز على نقد السلطات المطلقة والاستبداد السياسى، فى حين ركَّز التنوير الألمانى على العقلانية الأخلاقية والتنوير الذاتى للفرد؛ أما التنوير الإسكتلندى فتبنى نزعة إنسانية وعملية واجتماعية. ولعل التعريف الأبرز والأشهر للتنوير هو ذلك الذى قدمه كانط: «تحرّر الإنسان من وصاية الآخرين، وجرأته على استخدام عقله دون توجيه من أحد».
على الرغم من انسحار أو انبهار «التنويريات والتنويريين العرب» بـ«التنوير الغربى»، يبدو أن فهمهم وتنظيرهم وممارستهم للتنوير يختلف جذريًّا، غالبًا، عن ذلك التنوير الغربى. ويمثل مراد وهبة نموذجًا أو النموذج لذلك التنوير العربى/ المصرى. وفى ذلك النموذج، لا نجد، على سبيل المثال، نقدًا للاستبداد، بل تأييدًا وتبعية له أو تحالفًا معه، وبدلًا من السعى إلى تحرر الإنسان «العربى/ المصرى» من وصاية ذلك الاستبداد، والدفاع عن حقه فى استخدام عقله دون توجيه من أحد، ينفى التنوير العربى/ المصرى وجود العقل لدى ذلك الإنسان، «أصلًا»، ويؤيد الوصاية المفروضة عليه، ويدعو إلى استمرارها إلى ما شاء أرباب ذلك التنوير والاستبداد. وبدلًا من شعار التنوير الغربى/ الكانطى «استعمل عقلك»، يتبنى النموذج المذكور للتنوير العربى/ المصرى عمليًّا «ونظريًّا» شعار أو مبدأ «لا تستعمل عقلك القاصر»، وابقَ تحت وصايتنا ونحن من سيفكر بدلًا عنك، وما عليك إلا الخضوع والطاعة. وقد عبر نيتشه عن المفارقة الطريفة والمأساوية المتمثلة فى ذلك التنوير، بقوله، بكل جدية، بما معناه: «لا تكون مثل أحد، كن نفسك، مثلى تمامًا».
مراد وهبة كان «علمانيًّا مفرطًا فى علمانيته». وينطبق على ذلك الإفراط المثل القائل، «كل شىء إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده». والعلمانية عنده تعنى «التفكير فى النسبى بما هو نسبى، وليس بما هو مطلق». فإدراكات العقل وممكناته نسبية بالضرورة، والزعم بأنها مطلقة خطأ، بل خطيئة تفضى إلى الجمود ومنع التطور. وتقع فى تلك الخطيئة الأصولية الدينية التى تمثل نقيض العلمانية المنشودة لديه. لكن ماذا عن الأصولية غير الدينية؟ وماذا عن تقديم التنويرى العربى/ المصرى، مراد وهبة، لإدراكاته النسبية ووجهات نظره المحدودة على أنها مطلقٌ لا مجال للاختلاف فيه وحوله؟ من الواضح خطابية هذين السؤالين، بمعنى أن الإجابة عنهما واضحة أو أحادية لا شريكة لها: هذا التفكير أصولى، على الرغم من علمانيته، وبسبب تلك العلمانية، أيضًا.
وكعادة نموذج «التنوير العربى/ المصرى» العلمانى المذكور، يصبح الدين/ التدين الهدف الأبرز له، فيصب جام نقده أو انتقاده عليه، ويجعله أُس المصائب وأساس الكوارث. وبذلك يتم الانتقال من شعار «الدين/ الإسلام هو الحل» إلى شعار «الدين/ الإسلام هو المشكلة، والعلمانية هى الحل». وبدلًا من إضفاء طابع فلسفىٍّ عقلىٍّ/ عقلانىٍّ على الدين/ التدين، وعلى البحث فيهما، اختار تنويريون كثر، ومنهم مراد وهبة، جعل الفلسفة والعقل والعلمانية دينًا، التنوير هداية، وأفراد المجتمع موضوعات، لا ذوات، والمتفلسف رسولًا، والغرب إلهًا، والاستبداد حليفًا أو سيدًا؛ وانقسم العالم، عندهم أو فى فكرهم، انقسامًا مانويًّا/ أيديولوجيًّا، بين خير وشر، ونور وظلام، وحقيقة وباطل، ونحن وهم... إلخ.
سأقتصر فى هذا السياق على توضيح معنى أن يكون أو يصبح التنوير هداية. فقد سبق لى الإشارة إلى الأسس المعياريّة المشتركة بين خطابى الهداية والتنوير، وإظهار المنطق المتعالى والمؤسس الذى يتحدث من خلاله، وانطلاقًا منه، كلا الخطابين: فالقواسم المشتركة بين التنوير والهداية أكبر «بكثير» ممّا قد يُتصوَّر لوهلة أو أكثر. فكلاهما يملك حقيقة لا تتسامح، غالبًا، مع من يخالفها أو يختلف عنها، ولا تعترف بوجود حقيقة غيرها، ولا بمن يعتقد بتلك الحقيقة المزعومة. وكلاهما يسعى إلى تحرير البشر، أفرادًا وجماعات، من الجهل والتخلف؛ ويتناول وعى الفريق الآخر، بوصفه وعيًا مأزومًا أو مريضًا أو جاهلًا بمصلحته الخاصة، وبما يجب عليه فعله أصلًا؛ ولهذا كان من الضرورى تنوير هذا الوعى أو هدايته إلى الطريق القويم أو الصراط المستقيم. وكلا الخطابين يخلو من التسامح، ناهيك عن الاعتراف، الذى يعنى القبول الإرادى والودى باختلاف الآخر؛ فينظر بنوع من الدونية إلى الآخر المختلف عنه، فهم يعتبرونه كافرًا أو جاهلًا أو كلا الأمرين معًا. وكلاهما يعتقد امتلاكه القدرة على الكشف عن أمراض الوعى عند الآخر، والدواء المناسب لهذه الأمراض؛ ولهذا يفرضان نوعًا من الوصاية عليه، وهى وصاية أشبه بوصاية الطبيب على المريض. وما على المريض، فى هذه الحالة، إلا اتباع وصفات التنويرى أو الشيخ، وفتاويهما، التى ستوصله إلى الشفاء حتمًا.