العلمانية فى فكره
استطاع مراد وهبة الخروج بالفلسفة من أسوار الجامعة ومن الكتب المتخصصة إلى المجال الثقافى العام، وذلك بأسلوبه اليسير على القراءة وباختياره الشكل المقالى فى الكتابة، والذى يركز على فكرة واحدة يعرضها بأسلوب مباشر، وبذلك أتاح الفكر الفلسفى لقاعدة عريضة من القراء والمثقفين. فكثيرًا ما يقال عن الفلسفة إنها صعبة ولا يفهمها سوى المتخصصين، لكن عمل مراد وهبة على فتح الفلسفة على الشأن العام، حتى ارتبطت الفلسفة فى أذهان الكثيرين باسمه، وبأسماء أساتذة الفلسفة الآخرين الذين استطاعوا مخاطبة المجال العام، مثل زكى نجيب محمود وفؤاد زكريا وزكريا إبراهيم.
وقيل عن مراد وهبة إنه يوظف ابن رشد توظيفًا أيديولوجيًا لخدمة التنوير والعلمانية، فى حين أن فكر ابن رشد الأصلى فى نظر هؤلاء النُقّاد ليست له صلة بالتنوير ولا بالعلمانية، وأن التوظيف الحديث لفكر ابن رشد هو قراءتنا نحن له والمحمّلة بالهموم الأيديولوجية والصراعية التى لم يكن هو نفسه مهتمًا بها، بل كان ما يشغله هو الدفاع عن الفلسفة الأرسطية ضد هجوم الغزالى، وضد خروج ابن سينا عن المنظومة الأرسطية إلى تأويلات مثالية ترجع إلى الأفلاطونية المحدثة وليست من روح فلسفة أرسطو الطبيعية والأقرب إلى المادية منها إلى المثالية.

لكن عندما قدم مراد وهبة «ابن رشد» بوصفه رائدًا للتنوير والعلمانية فلم يكن يقرأه قراءة أيديولوجية غريبة عن حقيقة فكره، بل كان مراد وهبة يعرف جيدًا أن فكر ابن رشد قد أنتج فى أوروبا تيارًا فكريًا ضخمًا وقويًا يسمى بالرشدية اللاتينية، والذى ظل حاضرًا ومؤثرًا فى أوروبا المسيحية من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر، وهى أربعة قرون ليست بالقليلة بالنسبة إلى تاريخ الفكر الفلسفى، والحقيقة أنها كانت حاسمة فى التطور اللاحق للفكر الأوروبى.
اتصف تيار الرشدية اللاتينية بالعقلانية والنزعة الطبيعية فى تفسير العالم وفى النظر إلى موقع الإنسان منه، وهو توجه نابع فى الأساس من شروح ابن رشد على أرسطو، وذلك فى مقابل الرؤى الغيبية التى لم تؤدِ إلى أى تطور علمى طوال العصور الوسطى، بل أعاقت هذا التطور كثيرًا. ومن جهة أخرى، فلما كانت الفلسفة هى التفكير الحر غير المقيد بمسلّمات مسبقة، فقد كانت على الدوام هى قاطرة التقدم فى كل حضارة، وقد خدمت فلسفة ابن رشد هذا الهدف جيدًا؛ صحيح أن ابن رشد قد نظر إلى الفلسفة على أنها اكتملت عند أرسطو، واعتقد أن الأجيال اللاحقة ما عليها سوى التعمق فى دراسته لاستخراج الأفكار الكامنة فيها، إلا أن العودة إلى أرسطو وسط الفكر الغيبى ووسط الاختلاط الشديد بين الأفكار اللاهوتية والأفكار العقلانية كان يبدو على أنه توجه ثورى فى ذلك السياق تحديدًا.

ولا يستطيع أى دارس للفلسفة إنكار ما أحدثته فلسفة ابن رشد فى أوروبا فى العصور الوسطى وعصر النهضة من ازدهار فكرى وثورة فى التوجهات العقلانية والطبيعية، وفى الآونة الأخيرة ظهرت دراسات عديدة من متخصصين فى الشرق والغرب تكتشف أثر ابن رشد فى عصر التنوير الأوروبى، ويعد مراد وهبة أحد أهم رواد دراسة هذا الأثر على مستوى العالم ومنذ وقت مبكر يرجع إلى التسعينيات، وذلك قبل أن تزدهر الدراسات الرشدية المركزة على أثره فى عصر التنوير. ولا يمكن لأحد أن يتهم هذه الدراسات بالوقوع فى التوظيف الأيديولوجى لفلسفة ابن رشد، لأنها دراسات أكاديمية فى غاية التخصص، تعمل بتحليل النصوص والمقارنة بينها وبمنهج تاريخ الأفكار.
ولأن العالم العربى لا يزال يعيش فكريًا فى حقبة لم تنقل بعد إلى التفكير العلمى ونبذ الخرافة والغيبيات، فقد كان مراد وهبة على وعى كامل بمناسبة فكر ابن رشد لهذا السياق، فقد كانت فلسفة ابن رشد فى نظره خير سلاح يستطيع به الحفاظ على الفلسفة وحمايتها من هجوم الذين يعتقدون فى امتلاكهم الحقيقة المطلقة، وخير وسيلة للفصل والتمييز بين الخطاب الدينى والخطاب العلمى الفلسفى البرهانى، وذلك لأن ابن رشد هو المؤسس لهذا النوع من الفصل والتمييز، سواء فى كتابه «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، أو فى كتابه «الكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة». فقد رأى مراد وهبة أن خير وسيلة لمناصرة قضية العلم والعقلانية هى البدء بذلك التمييز بين الخطابين، الدينى والعلمى، والذى يعد فى رأيه البداية المعرفية للفصل والتمييز بين العاطفة والعقل على المستويين الاجتماعى والسياسى.