الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

عودة ابن رشد لا تزال مُمكنة!

حرف

تشتهر الفلسفة الغربية، خاصة الفلسفة التحليلية التى تهتم بالوضوح والصحة المنطقية، بالانغلاق والانطواء على الذات فى تعاملها مع الفلسفات العالمية الأخرى. ومع ذلك، فإن ترجمة أستاذ الفلسفة المصرى- البولندى – الأمريكى، روبرت ك. بشارة Robert K. Beshara لكتاب الفيلسوف الشمال إفريقى مراد وهبة «الأصولية والعلمانية»، تسعى إلى معالجة هذه المشكلة. 

يتألف كتاب «بشارة» من مقابلة بين المؤلف والمترجم، وترجمتين لمقالين إضافيين، وترجمة للنص العربى الأصلى لكتاب «الأصولية والعلمانية»، ويقدم لمحة من النقاش الفلسفى العميق المُقتصر على الناطقين بالعربية، 

فمن خلال منصبه فى جامعة عين شمس بمصر، أمضى الأستاذ المتميز «وهبه» عقودًا فى رصد التحولات العميقة فى المجتمع المصرى، جامعًا بين عناصر من الفلسفة التحليلية، القاريِّة، الإسلامية، والإفريقية، ليقدم لجمهوره الناطق بالعربية مشروعًا فلسفيًّا جديدًا، بأسلوب تفكير نسبى، رافضًا كلًا من الأصولية وما بعد الحداثة. 

ويعلق «وهبة» آماله على استعادة تراث فلسفى إسلامى عقلانى يعود بجذوره إلى ابن رشد، الذى تنازل العرب عن تراثه قصرًا، ودفعوا لذلك ثمنًا باهظًا، وفى العادة، يُحكم على عمل «وهبة» كفيلسوف بناءً على قيمته الفلسفية، لكننى أتناول نصه باهتمام بالغ بصفتى عالم أنثروبولوجيا، وقد لبى الكتاب شغفى. 

يبدأ النص بمقابلة تُعرّفنا بـ«وهبة» كإنسان ضمن سياق فكرى أوسع. نتعرف من خلالها على مصادر إلهامه، تحالفاته، وخلافاته. كما يروى «وهبة» تفاعلاته مع فلاسفة آخرين من شمال إفريقيا، ودوره فى تأسيس مجتمع من الفلاسفة الأكاديميين فى جميع أنحاء إفريقيا. 

يتحدث وهبة أيضًا عن رفضه لأطروحة عالم السياسة الأمريكى «صموئيل ب. هنتنجتون» حول صراع الحضارات. وانفصاله عن الفيلسوف وعالم اللاهوت الأرجنتينى «إنريكو دوسيل» بسبب نزعات «مناهضة التنوير» لديه فى «لاهوت التحرير». 

وأعرب «وهبة» عن طموحه فى أن تحل حجة «ابن رشد» المؤيدة للتفسير الحر للنصوص المقدسة محل التفسير الحرفى النسبى لـ«ابن تيمية» وجماعة الإخوان المسلمين. وكل هذا يُسهم فى جعل كتابه «الأصولية والعلمنة» مصدرًا تعليميًّا بالغ الأهمية.

يشير «بشارة» فى مقابلته إلى كيف أن اهتمام «وهبة» فى أواخر القرن العشرين بأوجه التشابه بين جماعة الإخوان المسلمين واليمين الجديد فى الغرب؛ قد استبق أعمالًا لاحقة، مثل رد المخرج «آدم كورتيس» على عقد الإرهاب فى أوائل الألفية الثانية فى فيلمه «قوة الكوابيس». ويمكن إضافة كتاب طارق على المعاصر «صدام الأصوليات» إلى هذه القائمة. ومع ذلك، فإن أهمية «وهبة» لا تقتصر على الأسبقية الزمنية فحسب، بل هناك شىء من السطحية والاستخفاف فى هذه الأعمال مقارنةً بنص وهبة القيم، «كورتيس» بأسلوبه التحريرى ومبالغته فى السخرية؛ وكتاب «على» الذى زُيّن بصورة وجه بوش مُستبدلة بصورة رأس بن لادن المعمم. 

لا يُخفى «وهبة» كراهيته للأصولية، لكنه التزم بأخذها، من الناحية الفلسفية، على محمل الجد. وفى محاولته لقلب الصورة النمطية المبتذلة والمقلقة للثقافة «الأصولية» الخاملة، التى تنتظر لمسة الاستعمار الرأسمالى الغربى لتبعث فيها الروح.

أحد أكثر جوانب الكتاب إثارةً للاهتمام بالنسبة إلىّ كانت محاولة «وهبة» الجادة لوضع الفكر الإسلامى التقليدى والمعاصر فى حوار مباشر مع الفكر المحافظ الغربى، بدءًا من «إدموند بيرك» ووصولًا إلى جمعية «جون بيرش» و«جيرى فالويل» وجماعة الأغلبية الأخلاقية. 

ومن الأفكار المحورية لوهبة، كانت مجادلته بوجود خلاف معرفى جوهرى يتخلل الخلافات السياسية الظاهرية بين الليبراليين والمحافظين والمتطرفين والأصوليين والعلمانيين. أى أن هناك بعض الأسباب الوجيهة للتشكيك فى أهوائنا وحدسنا. ثم يطرح التساؤل: أين يجد البشر حقائق موثوقة؟ 

لقد أدَّت النصوص المقدسة هذه الوظيفة لزمن طويل. لكن مع مرور الوقت، أصبح الحفاظ على سلطتها فى مواجهة التحولات الاجتماعية والاكتشافات العلمية الحديثة أمرًا بالغ الصعوبة. 

لا يعنى هذا أن الأصولية عند «وهبة» مجرد ظاهرة حديثة، فبينما يُرجع الكثير مما يسميه «الأصولية الجديدة» إلى صراعاتٍ فى صميم ظهور الحداثة، مرورًا بـ«بيرك» وصولًا إلى الثورة الفرنسية، ثم إلى الصراع بين جاليليو وكوبرنيقوس والكنيسة الكاثوليكية حول عقيدتها المتعلقة بوضعية الأرض فى الكون، فإنه يرى أيضًا تيارات أصولية فى الإسلام ما قبل الحداثة. ومن أبرزها شخصيات مثل «الغزالى» و«ابن تيمية»، اللذين روَّجا للتكفير بحجة أن من لا يتعامل حرفيًّا مع النصوص المقدسة وعقائدها كافر. وبالاستناد إلى «كانط»، يرى «وهبة» أن هذا الالتزام الخاطئ بـ«المطلق» وبمُطلقية النصوص محكومٌ عليه بالفشل، لأنه التزام يخلط بين منظور جزئى ومحدود بطبيعته وشىء آخر متعالٍ ومناسب لكل زمان ومكان.