المحرر العام
محمد الباز

الشعر فى خطر.. عمار على حسن: غالبية أعمال الشعراء الشباب الأكثر شهرة «أغان ركيكة»

عمار على حسن
عمار على حسن

- دور النشر تقول للشعراء: «الدواوين لا تُباع»

- الشعراء الحقيقيون لا يكفون عن الإبداع.. و«يلهثون» وراء نشر أعمالهم 

- الجوائز وراء تسيد «الرواية» وأقول للشعراء: «لا تقنطوا»

- أصدرت 3 دواوين حتى الآن وأجهز لطرح الرابع قريبًا

بعد 16 رواية، و8 مجموعات قصصية، و3 كتب فى النصوص السردية عابرة الأنواع، إلى جانب مسرحية وسيرة ذاتية سردية، علاوة على أكثر من 30 كتابًا فى النقد الثقافى والأدبى والتصوف والاجتماع السياسى، عاد عمار على حسن إلى الشعر بديوان ثالث أصدره مؤخرًا بعنوان «حفرة تصطاد العابرين».

ولا يعرف كثيرون أن عمار على حسن بدأ مساره الأدبى شاعرًا، لكنه احتفظ بقصائده داخل كراسة قديمة «فى الدرج» زمنًا طويلًا، حتى وجدها يومًا فتحولت إلى ديوانه الأول «لا أرى جسدى»، وكان كلما ظن أنه سيكتفى من الشعر، كانت القصيدة تناديه وتضنيه دائمًا وتُلح عليه من جديد، ليصل إلى الديوان الثالث، ويستعد لطرح الرابع.

حول ديوانه الأخير، وتجربته الشعرية، ونظرته إلى أحوال الشعر عامة، كان لـ«حرف» الحوار التالى مع عمار على حسن.

■ هل كان الشعر هو أول طريقك مع الأدب؟

- نعم، بدأت مسارى الأدبى شاعرًا، لكن قصائدى ظلت حبيسة الدرج زمنًا طويلًا، انتقلت فيه إلى القصة والرواية، وكتبت فيهما إلى جانب المسرح والسيرة الذاتية والكتابات النصية عابرة الأنواع نحو ٣٧ عملًا، بين ما نشرته بالفعل وما هو تحت الطبع، لكن هذا لم يجعلنى أنس الشعر أبدًا.

■ لكن اللغة الشعرية لم تفارق أعمالك القصصية والروائية .. أليس كذلك؟

- رغم أن السرد الروائى يبتعد عن التكثيف الذى يتميز به الشعر، والقصة القصيرة لون يحمل قدرًا من الشاعرية، رواياتى الـ١٦، ومجموعاتى القصصية الـ٧، لم تخل من فيض شعرى فى بعض المواضع والمقاطع، لدرجة أن ناقدًا قال إن نهاية رواية «جبل الطير» تبدو قصيدة نثر. انداح الشعر وانساب فى سردى، وكأنى كنت بهذا فى حنين دائم إليه.

■ لماذا نشر أشعارك فى دواوين أتى لاحقًا؟

- لم أتعمد هذا، إنما وجدت نفسى أنحى نشر الشعر جانبًا إلى حين، حتى أتى عام ٢٠٢٠ فالتقطت كراسة قديمة، تآكلت أوراقها، ونقلت ما بها من قصائد على الكمبيوتر، ليظهر ديوانى الأول «لا أرى جسدى»، ويأتى أوان الشعر مرة أخرى.

بينما كان الشعراء يهجرون الشعر إلى الرواية، قمت بهجرة عكسية، فعدت إلى الشعر. بحثت عن الكراسة التى تحوى أشعارًا كتبتها أيام الصبا، ونفضت الغبار عن القصائد، فأنجلت أمامى قابلة للنشر. وأثناء نقلها كنت أنقحها، وأضيف إليها بعض المقاطع الصغيرة، أو أبدل كلمات لم ترق لى بأخرى رأيتها أكثر تعبيرًا، حتى صرت راضيًا عنها بعض الشىء، فدفعتها للنشر.

حوى الديوان، الذى يقع فى نحو ١٠٠ صفحة من القطع الصغير، ١٢ قصيدة، بعضها طويل ينقسم إلى عدة مقاطع، وبعضها دفقات أو ومضات مكثفة، أخذت عناوين هى «لا أرى جسدى»، و«هى .. هى»، و«ريشة»، و«سنبلة»، و«سمكة»، و«طائرة»، و«محاق»، و«على عتبات المساء»، و«لا»، و«موت المسافة»، و«صرخة»، و«دنياى القديمة».

■ هل كنت فى حاجة إلى تمهيد تقدم به شعرك إلى قارئ اعتاد منك الرواية والقصة؟

- نعم، لهذا حرصت على توضيح أسباب وملابسات نشر الديوان فى هذا التوقيت، خلال الكلمة الخلفية له، فقلت: «بدأت مسيرتى الأدبية شاعرًا، فكتبت قصائد عدة فى ميعة الصبا، لم أسع إلى نشرها، وأخذتنى القصة القصيرة ثم الرواية من الشعر، وإن كانت روح القصيدة قد حضرت جليًّة بهيًّة فى ثنايا سطورى السردية، ولم يفارقنى خيال الشاعر وجسارته فى سطورى العلمية. وأجد الآن أنه قد يكون مفيدًا، على الأقل بالنسبة لى، خروج تجربتى الشعرية البعيدة إلى النور».

■ كيف كان تقبل الوسط الأدبى لشعرك؟

- كُتبت عن الديوان بعض مقالات نقدية ودراسات قصيرة، لكن ناشر الديوان، الشاعر فارس خضر، صاحب دار «الأدهم»، راح يقول: «هذا الديوان قد وقع عليه ظلم كبير؛ لأنه صدر بينما كان وباء كورونا يحبس الجميع فى المنازل، ويأخذ بالألباب فلا يفكر الناس إلا فيه ليل نهار، فتراجع الانشغال بالكتب والقراءة بشكل عام». عاد النقاد فيما بعد ليكتبوا عن هذا الديوان، وكذلك الديوانان اللاحقان. وكما أُعُدت ٢٠ أطروحة جامعية داخل مصر وخارجها عن رواياتى وقصصى، أتمنى أن يأتى يوم وتكتب فيه أطروحات حول شعرى.

■ هل فكرت فى التوقف مرة أخرى عن كتابة الشعر، مكتفيًا بديوان يحوى قصائدك القديمة؟

- كنت أحسب أن علاقتى بالشعر قد توقفت عند هذا الحد، لكن وجدت القصيدة تنادينى وتضنينى، محبوسة فى الخيال والذاكرة، وماكرة، كلما طردتها عادت تُلح علىَّ من جديد، فلا أستطيع منها فكاكًا، خاصة أننى من الذين يعتبرون الشعر أكثر ألوان الأدب رسوخًا ورهافة وصعوبة. 

لذلك وجدت نفسى أشرع فى كتابة ديوان آخر، نُشر فى دار «العين»، تحت عنوان «غبار الطريق»، وهو عبارة عن قصيدة واحدة طويلة تتنوع وتتوزع على أكثر من لون شعرى، بما جعل بعض النقاد يرونها حافلة بالتجريب.

قسمت هذه القصيدة الطويلة، التى يحويها ديوان كامل، يشغل ١١٦ صفحة من القطع المتوسط، إلى ٨ مقاطع، كل مقطع منها عبارة عن مشهد أو لوحة شعرية، تُعاد ٣ مرات، وفى كل مرة تأخذ شكلًا أو نوعًا شعريًا مغايرًا، الأول يكون وفق شعر التفعيلة، والثانى على هيئة قصيدة نثر، والثالث سرد شعرى مكثف، وكأنه نوع من القصيدة القصة، أو الشعر المنثور.

يحمل هذا الديوان حكاية واحدة عن قطار الصعيد، البسيط المجهد، حلم السفر الذى كان، ولا يزال يراود كثيرين ممن ضاق بهم العيش، فيكون القطار هو طوق النجاة الذى يلقى إليهم كى ينتشلهم إلى براح يأملون أن يأتى يومًا.

■ وماذا عن ديوانك الثالث «حجرة تصطاد العابرين»، الصادر مؤخرًا عن مؤسسة «بيت الحكمة»؟

- عاد الشعر يلح على مرة أخرى، يريد أن يكتبنى قبل أن أكتبه، فوجدت نفسى أكتب عدة قصائد بين نثرية وتفعيلة، اخترت لها هذا العنوان. ربما يغلبنى شىء ما أن أنتصر للشعر فى زمن هجران بعض الشعراء له زاحفين إلى الرواية، أو أعتذر أنا عن هجرانه نحو ربع قرن أو يزيد.  حسبت، للمرة الثانية، أنها آخر المطاف مع الشعر، لأجد نفسى أكتب قصائد جديدة، ليضمها ديوان رابع، أتمنى أن يصدر لاحقًا، ويحوى تجربة مغايرة عن تلك التى ضمتها دواوينى الثلاثة.

■ تصر على مواصلة الشعر رغم أنه قد صار فى محنة.. أليس كذلك؟

- بعيدًا عن تجربتى، أقول الآن إن الشعر العربى صار فى خطر شديد. فحين يذهب شاعر بديوان فرغ للتو من إبداعه ومراجعته وتنقيحه وتشذيبه إلى دار نشر خاصة، وهو يحدوه بعض أمل فى أن يجد نافذة، ولو ضيقة ليطل منها النور على قصائده، لا يجد أمامه سوى الاعتذار عن عدم النشر. يقول له الناشر بملء فيه: «لا». وحين يسأله عن السبب يجيب فى ثقة تامة: «دواوين الشعر لا تُبَاع، وأصحاب المكتبات المختصة ببيع الكتب ترفضها، لأنها تحتل أماكن أولى بها روايات، أو كتب فى التنمية البشرية أو السياسة أو الدين أو العلم أو المعارف العامة، يقبل عليها القراء».

لا تحتاج إلى بذل أى جهد لتتأكد من غياب الشعر، أو تغييبه، وأنت تطالع أرفف مكتبات بيع الكتب، أو تمرر عينيك على فرشاتها فى الشوارع. ويزداد يقينك بما عرفت حين تضع طرف إصبعه وتمرره على مسرد كتب أعدته أى من دور النشر عما أنتجته طيلة العام. 

بالطبع هناك استثناءات تؤكد القاعدة، لكن عدد الشعراء العرب، ممن هم على قيد الحياة، الذين يطمئن الناشرون إلى توزيع دواوينهم قليل، ويتراجع بمرور الأيام، بشكل يهدد حال ومآل هذا اللون الأدبى الأكثر جمالًا.

قبل ٣٠ عامًا، ظل الكاتب الكبير أنيس منصور ينشر سلسلة مقالات أسبوعية فى «أخبار اليوم»، واسعة الانتشار أيامها، كان يحتل صفحة كاملة تحت عنوان «أنتم الناس أيها الشعراء»، يخصصه كل مرة لشاعر، فيتناول حياته ونماذج من شعره، وكان المقال مقروءًا من مختلف الأوساط. 

قبل هذا بنصف قرن كان يمكن زيادة توزيع صحيفة؛ لأنها تنشر قصيدة جديدة لأحمد شوقى أو حافظ إبراهيم، وكانت مجلدات «كتاب الأغانى» للأصفهانى تُباع بإفراط، ويتسابق على اقتنائها كثيرون، ناهيك عن برامج إذاعية للشعر، ينصت إليها الناس فى كل مكان. 

ذات يوم، كان الكاتب المصرى الكبير مصطفى أمين يمضى بسيارته على جسر فى ريف الدلتا فوجد فلاحًا يجر جاموسته وهو ينشد قصيدة «سلوا قلبى» التى غنتها سيدة الغناء العربى أم كلثوم، وكان كثير من الناس يروق لهم غناؤها ولقصائد، قديمة وجديدة، أكثر من أغان مكتوبة بالعامية المصرية.

■ هل راح هذا الزمن إذن؟

- نعم، راح هذا الزمن لنجد شاعرًا مصريًا مبدعًا هو فتحى عبدالسميع يرثى موقعًا على شبكة الإنترنت أنشأه الشاعر البحرينى الكبير قاسم حداد باسم «جهة الشعر»، بعد أن أضطر إلى إغلاقه لضيق ذات اليد.

صار إبداع الشعر هَما ثقيلًا على نفوس الشعراء، فى ظل تعثر نشره، فها هو الشاعر الكبير عبدالمنعم رمضان يصدر ديوانه «الهائم فى البرية» بعد أن «هرب منه الشعر ١٠ سنوات» ثم يقول: «أتمنى أن يكون هذا الديوان دافعًا إلى أن أعود إلى الشعر، وإن كنت لا أعتقد ذلك»، وذلك بعد أن انهمك فى كتابة المقالات خلال السنوات الأخيرة.

وأخذ بعض كبار الشعراء ينسلون تباعًا من دنيا الشعر العامرة بالصور والمعانى، ويدلفون سريعًا إلى عالم الرواية، مستجيبين لتلك اللافتة التى رفعها الناقد المصرى الكبير الدكتور جابر عصفور وكتب عليها: «زمن الرواية». وبعض هؤلاء انسال شعرهم فى سردهم، عبر الكلمات، أو القدرة على رسم الصور، وإطلاق الأخيلة المجنحة، أو العثور على أفكار مبتكرة لحكاياتهم، وبعضهم كأنه أراد أن يبرهن على أنه قادر على الإتيان بسرد عرم، مخلصًا للحكاية لا للقصيدة، فتخفف من لغة الشعر على قدر استطاعته، وشكل هذا ظاهرة لافتة جعلت هناك من يتحدث عن «مواسم الهروب من الشعر» أو «هجرة الشعراء من ضيق القصيدة إلى براح الرواية».

■ لكن هناك إقبالًا من أبناء الجيل الجديد على الشعر، كيف ترى ذلك؟

- هناك بالفعل ظاهرة عجيبة غريبة نراها فى كل معرض للكتاب نظمته القاهرة، حين نجد زحامًا من شباب صغار على شاعر شاب أصدر ديوانًا للتو، كى يحصلوا على توقيعه الكريم على أول صفحة فى ديوانه، أو بمعنى أدق «ما يسميه ديوان شعر»، أو ما يتراءى للشارين أو المبتاعين أنه كذلك. لكنك حين تلتقط الكتاب الذى يتزاحم هؤلاء عليه وتتصفحه، يصيبك غم شديد، وغضب كبير، لأن المكتوب ليس شعرًا، إنما أغان ركيكة، كُتبت على عجل لقراء لم يشحنوا وجدانهم ويشحذوا أذهانهم بقصائد حقيقية تجعلهم قادرين على التمييز بين أولياء الشعر وأدعيائه. كل مرة يظهر واحد، حاملًا لقب شاعر بكتاب أغانى بسيطة وحيد، ثم لا يلبث أن يختفى مفسحًا الطريق أمام مدع آخر فى عام لاحق.

■ كيف يتصرف الشعراء الحقيقيون حيال هذه الظاهرة؟

- الشعراء الحقيقيون لا يكفون عن الإبداع، لاهثين وراء مجلات ودوريات ثقافية لا يمكنها نشر كل ما يصل إليها، حتى لو كان جيدًا، وإلى دور النشر الحكومية التى باتت تنشر الشعر على سبيل الصدقة، أو الواجب، أو استجابة لإرادة بعض القائمين عليها، ممن يعنيهم حفظ هذا النوع الأدبى، حتى لا يلحق بالمسرحية المكتوبة، التى تكاد تختفى، بعد أن كان هناك من يقبل على قراءتها، ولا يعنيه أن يراها مؤداة على أى من مسارح الدولة أو القطاع الخاص.

تبقى بعض المسابقات الشعرية صانعة طوق نجاة، خاصة إن كان عائدها جيدًا، ولا ضير فى هذا، فالرواية نفسها، التى تتسيد الآن، حازت جزءًا هائلًا من تسيدها هذا بفعل الجوائز السخية التى خُصصت لها، وهى مسألة لا تخصنا نحن العرب فقط، بل فى كل مكان، والمثال على ذلك أنه حين ظهرت دوريات ومجلات غزيرة فى أوروبا تنشر القصص القصيرة، وتدفع للكتاب مكافآت سخية لقاء نشرها، أقبل المبدعون على هذا الفن فراج وماج، واستغلظ على سوقه.

■ ما الذى تنصح به الشعراء كى يبقى إبداعهم الشعرى متواصلًا، ويحظى بإقبال القراء؟

- أطالب الشعراء ألا يقنطوا، ويواصلوا الكتابة، أدعوهم إلى التوقف عند ما كتبه الناقد الكبير تزفيتان تودورف، فى كتابه الأثير «الأدب فى خطر»، محذرًا من انصراف الناس عن الأدب تباعًا إن لم يعبر عن أشواقهم ورغباتهم، وسعيهم إلى المعرفة وفهم الذات والمجتمع والعالم والوجود.

أدعوهم إلى التوقف طويلًا عند صيحة أطلقتها قبل سنوات، فى مقال لى حمل عنوان «الشعر العربى فى خطر»، ولا أعرف إلى من نلقى بتبعة هذا، على شعراء يتهمهم قراء بالغموض الشديد، أم على قراء لم يجدوا نظام تعليم وتثقيف يعلمهم كيف يتعاطون القصائد الناضجة، ويفرقون فى دنيا القصائد بين الغث والسمين.

فى كل الأحوال، وأيًا كانت الأسباب، لا بد للشعراء من أن يغلبوا كل هذه الظروف القاسية، حتى لا نفقد الحضور البهى للشعر فى حياتنا الأدبية.