نعيم صبرى: غالبية حفلات التوقيع والندوات «مزيفة»
- فى الكتابة يكمن الدواء الناجع لكل مشكلات الوطن
- نجيب محفوظ النموذج الأيقونى والرمز الحى فى واقع مشوش
- الرواية هى الفن الجامع لجميع الفنون عبر المجاز والرمزية والتعبيرية
- أنا ضد كل من يقول: «كفى نجيب محفوظ!».. وأتمنى الاحتفال به سنويًا
- أعمل حاليًا على استكمال روايتى الجديدة.. وستكون بالعامية لأول مرة
أصدرت دار «الشروق» روايته العشرين «الفنار» بالتزامن مع بلوغه سن الثمانين، التى قضى ثلاثين عامًا منها فى الكتابة، منذ أن بدأت يداه تخط إبداعه على الورق بعد أن فارق الخمسين من عمره، لتنتج 5 أعمال مسرحية و3 دواوين شعرية وأكثر من 19 عملًا روائيًا.
عقود مع الإبداع المتنوع عاشها الكاتب الكبير نعيم صبرى، الذى تخرج فى قسم «الهندسة الميكانيكية» بكلية الهندسة جامعة القاهرة، فى عام 1968، وتفرغ للكتابة مع بداية العقد السادس من عمره، وعُرف بأنه صاحب ورفيق لـ«أديب نوبل» فى ندوته الأسبوعية بـ«كازينو قصر النيل».. تاريخ لروائى جدير بالتوقف عند تجربته المثيرة، روائى لم يحصل على جوائز، وفضل العزلة للتفرغ لعالم الكتابة.
عن روايته الأحدث «الفنار»، وما فيها من حُجُب ورموز وجرأة فى الطرح، وعن الخواء وعبث العالم وجدوى العيش والكتابة والشللية، وصداقاته الوثيقة مع رموز مصر الفكرية والثقافية، يحدثنا الكاتب الروائى والمسرحى والشاعر نعيم صبرى، فى الحوار التالى مع «حرف».

■ كيف كانت البدايات؟
- البدايات جاءت مع حلمى الوحيد وهو الكتابة، التى كانت عينى وحلمى الوحيد. ورغم دراستى الهندسة، ونشأتى فى بيئة بعيدة نسبيًا عن الأدب، حيث الميلاد والمولد فى شبرا، كانت قراءاتى بأكثر من لغة، وتحديدًا الإنجليزية.
كنت ألتهم كل صنوف الآداب العالمية، وتأثرت بالكاتب الإنجليزى برنارد شو، ومواطنه تشارلز ديكنز، إلى جانب الفرنسى أونوريه دو بلزاك، والأمريكى إرنست هيمنجواى، والبرتغالى جوزيه ساراماجو، وبالطبع نجيب محفوظ.
تأثرت بمواقف وجودية وحياتية شكلت عوالم ووجدان وثقافة الكبار، مثل الدكتور عبدالقادر القط، والدكتور عبدالعظيم أنيس، والدكتور محمد عبدالمطلب، والدكتور لويس عوض، وغيرهم كثر. استفدت منهم كثيرًا فى مسألة المناطحة مع الثوابت، والوقوف ضد القهر والظلم والثبات والجمود، وضد محاكمة الفكر والكتابة تحت مسميات واهية مثل «العيب» و«المحرم» و«المسكوت عنه».
عشت فى عصر الحريات ما قبل ثورة يوليو، وتفتح وعيى مع عالم الأفكار والكتابة، فى ستينيات القرن الماضى، وتحديدًا مع بزوغ وتفجر عوالم الأدب «الجرىء المضاد للتابوهات»، وهذا ما وجدته متوافرًا فى كتابات نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وشعرية صلاح عبدالصبور وجلده ورؤيته للعالم، فكانت تلك هى المحطة الأولى فى تكوينى، بل واختيارى الأدب فى مساراته المختلفة، وتحديدًا الرواية.

■ بدأت شاعرًا وناثرًا ومسرحيًا.. فكيف كان التحول إلى كتابة الرواية؟
- التحول بدأ مع قراءة الأعمال الفلسفية أو الواقعية الجديدة الاجتماعية، مثل «الطريق» و«الشحاذ» و«السمان والخريف». هنا أدركت أن الشعر والنثر لن يسعفانى فى همى كمواطن ولد فى مجتمع «كوزموبوليتان»، وتحديدًا فى حى شبرا، داخل أسرة متوسطة.
تشبعت فنيًا ونفسيًا وفكريًا بتلك المرحلة «الليبرالية»، والتى كان لها الأثر والتأثير فى كل أبناء جيلى. قرأت لطه حسين عن أبى العلاء فى محبسه، وقرأت فى الشعر الصوفى، والتهمت كتب الله: القرآن والإنجيل والتوراة، بالإضافة إلى روافد أخرى شكلت وعيى وبلورت موقفى تجاه العالم والكتابة، وماهية الصورة والإيقاع البصرى.
كان هذا فى عقدى الستينيات والسبعينيات، مع السينما والمسرح، وتيار «الواقعية الجديدة» فى السينما، أوروبيًا وعربيًا. والأهم تلك الموجات المصرية، بداية من أفلام محمد كريم وصلاح أبوسيف وشاهين، ورواد سينما الثمانينيات: داود عبدالسيد ومحمد خان وعاطف الطيب وخيرى بشارة، وكل ما قدمته عائلة وآل «التلمسانى».

■ لماذا كان الاهتمام بالرواية فى النهاية؟
- الرواية هى الفن الجامع لكل الفنون، حيث المجاز والرمزية والتعبيرية، مع وجود بنية فكرية متينة ارتبطت بالدفاع عن الهوية المصرية والثوابت الدينية الراسخة القائمة على التسامح، بل ومساندة ومساعدة الآخر فى مطالبه، أيًا كان هذا الآخر.
مساحات الحرية التى تربيت وتربينا عليها كجيل، كان لها الفضل فى تحديد وتطوير آليات البناء والاشتباك الفعلى مع مشكلات مجتمعى، عبر الكتابة والفن وليس عبر الشكوى والتذمر، وخلط الأوراق ما بين حرية التفكير والكتابة واللعب على وتر المواطنة.
فى الكتابة يكمن الدواء الناجع لكل مشكلات الوطن، ولنا فى مؤسس الرواية العربية الحديثة الراحل العظيم نجيب محفوظ أسوة حسنة.

■ بذكر نجيب محفوظ.. كيف كانت علاقتك به.. وبماذا استفدت منه؟
- نجيب محفوظ كان الأنموذج الأيقونى والرمز الحى فى واقع مشوش، وتعلمت منه الصمت والسماع، وأن يكون لذلك الغلبة، وأن يكون سلاحى الوحيد القراءة ثم الكتابة. تأثرت بحكمة «الأستاذ» حتى تجاه كارهيه. كان يلتزم الصمت بحكمة منصرفًا- فورًا- إلى «عدته»، المتمثلة فى الكتابة، ومن قبلها القراءة، إلى جانب إعداد خارطة موسعة لأزمات العالم وطلاسم الوجود، وعبثية الواقع الذى كان ولا يزال نحياه. تعلمت وتأثرت بـ«نجيب محفوظ» إنسانيًا ونفسيًا وإبداعيًا وأدبيًا، ومع رحيله افتقدت الكثير، وباتت القاهرة ومصر حزينة برحيله.
لم تعد القاهرة منورة بأهلها مثلما كانت من عقود فى وجود الرموز الرفيعة، مثل الدكتور عبدالقادر القط، والدكتور عبدالعظيم أنيس، والدكتور محمد عبدالمطلب، وصلاح عبدالصبور، وبالأخص الأستاذ نجيب بك محفوظ.
نجيب محفوظ- رحمه الله- متعنا بأعماله التى ستدوم كثيرًا، ومنحنا «صك الحكى» والتحدث، وبنية العمل الروائى، إلى جانب اتسامه ببساطة وتواضع وطيبة، مع استبصار واستشراف لكل ما هو آت، من خلال قراءة واعية وعميقة لواقعه وواقعنا الراهن.
الوسط الأدبى الإبداعى الآنى، فى مصر بل وعربيًا، يفتقد حكمة الأب، مؤسس الرواية العربية الحديثة نجيب محفوظ، والذى نفتقده، ويفتقده الوسط الثقافى والفكرى الإبداعى الحالى فى مصر والوطن العربى ككل.
■ وماذا عن اختياره شخصية العام فى الدورة الجديدة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب؟
- نجيب محفوظ يستحق الكثير، ليس لكونه حصد «نوبل» كأول كاتب عربى ومسلم، بل كأهم كاتب عربى وإفريقى وشرق أوسطى، تم اختياره، فى عام ٢٠١٢، من ضمن أهم ١٠ أدباء حول العالم، مع فضله الكبير فى الاطلاع على جدوى ومكانة ووضعية وطبيعة البيئة والموروث المصرى، بجذوره الفرعونية والقبطية والإسلامية.
وبشكل شخصى، أنا ضد كل من يقول: «كفى نجيب محفوظ!»، لأن «نجيب» مثل قنطرة فكرية ووجودية صادقة، ربطت ما بيننا وبين العالم. سواء من خلال كتاباته، أو حسه الفكرى، واستبصاره لـ«الآتى»، وهذا لم يأت من فراغ. فقد كان يتنبأ بالحدث قبل وقوعه، مثلما تنبأ بالهزيمة فى روايته «ثرثرة فوق النيل».
سيظل وجود اسم وأعمال نجيب محفوظ، ستعيش رواياته وقصصه كثيرًا. وحتى هذه اللحظة، لا يزال الكثير والكثير من عناوين رواياته مؤثرًا وفاعلًا وقادرًا على استيلاد الكثير من العِبر والحكمة والموعظة، دون صراخ أو تعال. هكذا يكون الكاتب ودوره ورأيه، الذى لا يحدده ولا يحجبه رقيب إلا الضمير الأدبى. أنا مع كل تكريم لكتابة وشخص واسم نجيب محفوظ، ولو بشكل سنوى.
■ كيف ترى صدى ومفهوم «الشللية» و«جماعات المصالح» فى الوسط الأدبى؟
- لست ضد الجلسات الثقافية، لكن ينبغى أن تُقام بعيدًا عن المصالح الشخصية، وشعار: «شيلنى وأشيلك!». وبطبعى لا ألتفت كثيرًا لتلك الجماعات النفعية المنتفعة، لذا لا تجدنى فى حفلات التوقيع ولا الندوات، ليس لأنها غير مجدية، بل لأنها تسهم بالكثير من الزيف.
مجالستى فى ندوات الأستاذ نجيب محفوظ، أو جلسة مصر الجديدة مع الدكتور محمد عبدالمطلب والدكتور عبدالقادر القط وغيرهما، كانت لا تخلو من نقاشات فكرية وفلسفية نافعة، أعانت كل كاتب أو مفكر فى القبض على مشروعه وتحديد هويته، وتجديد أفكاره، وتقويم وتقوية علاقته بفنه، سواء كتابة روائية أو أى سرود، أو حتى حالات عميقة من الكشف الفلسفى والعلمى.
ولذلك كله، انتحيت ولازمت بيتى بعد رحيل كل هؤلاء الأعزاء، الذين أثروا فىَّ وشكلوا موقفى، وتركوا الكثير والكثير من المبادئ الإنسانية، قبل معارك وعالم ومسارات الفن والأدب.
■ أهذا سر احتجابك وإعراضك عن المحافل الثقافية والأدبية؟
- كما ذكرت لك من قبل، ليس لى مصلحة فى تلك الفعاليات، لا تروقنى، وبدلًا منها أقضى وقتى بين القراء والكتابة، ودائمًا عندى الجديد، أفكار فى متن الكتابة، والبحث عن أشكال أخرى للمقاومة بالفن والأدب، وعن مسارات فى الشعر والمسرح.
وكيف ولماذا ومتى انخرط أو أتكالب على مثل هذه الفعاليات، وأنا حتى لحظتى هذه لم تدعنى أى جهة أدبية لندوة أو مناقشة ما إلا من خلال ناشرى «دار الشروق»؟!
■ هل أنت حزين لهذا الموقف من قِبل جماعات الأدب الرسمية واللارسمية؟
- لا، على الإطلاق. أنا صرت رجلًا مريضًا، ولى اهتمامات بالرياضة والسباحة والسينما. مر العمر، فكيف أشغل نفسى بإجابة هذا السؤال وقد شارفت على إتمام عامى الثمانين؟ لدى قناعاتى الخاصة، وأريد ألا يشغلنى أى شخص أو مؤسسة، أيًا كان أو كانت، عن قناعاتى تلك. أؤمن بأن الكتابة هى الخلاص والجدوى والنشوة والسلوى والفرح، بل والتسامح مع البشر. ولا تهمنى الجوائز ولا الاحتفالات. تكفينى وتشبعنى فرحتى بمولد فكرة جديدة تصلح للكتابة، كراوية أو شعر أو نثر أو مسرحية.
الكتابة ستظل هى سفينة النجاة والمساءلة، ومحاولة تصحيح مسارات الأفكار والفلسفات فى ضمير كل كاتب. الكتابة فى حد ذاتها «خلاص»، خلاص وقتى نعم، لكنه يتجدد مع كل فكرة جديدة يحاول طارحها تصحيح ثمة خلل سياسى أو ثقافى أو فكرى أو دينى فى وطنه.
لن ينتهى حلم الكاتب بالخلاص، طالما أن هناك سجونًا وأفكارًا تحارب الفن وصناعه. من هنا لن ينتهى الحلم بالخلاص، لأننا لا نحيا ولا نعيش فى جنات النعيم. وكلما زادت أزمات الوجود زاد «غل» الكاتب، وبالتالى يشحذ همته، لأن الإجابات للطارق على الأبواب المغلقة لا تأتى إلا بالحيلة والدهاء والاحتشاد؛ لذلك، لن ينتهى حلم الكاتب ولا الفنان بـ«الخلاص» طالما هناك أناس فقراء ومعدمون وسجناء.
■ بعد عقود مع السرد.. أين الكاتب نعيم صبرى من الجوائز سواء المصرية أو العربية؟
- لم أتعود ولم يحدث أن تقدمت يومًا لجائزة، لا يروق لى ذلك أبدًا، ولم يحدث أن قدم لى أو رشحتنى دور النشر أو أى جهة حكومية لأى جائزة مصرية حكومية أو غيره أو عربية. ما المطلوب من الكاتب؟ كيف لى أن أسوق نفسى ولنفسى أو لأعمالى بعد كل هذا العمر؟
كتبى موجودة فى المكتبات، وأكثر ما يسعدنى هو قراءة أعمال لى من قارئ مجهول لا أعرفه ولا يعرفنى. أنا لا أكترث كثيرًا بمسألة الجوائز ومانحيها أو جهاتها المتعددة، واعتبر هذا استجداءً. أقضى وقتى كله بين القراءة والكتابة والسينما، والاستشفاء من السكر والضغط.
■ كيف ترى حصاد رحلتك مع الأدب ورحلة الحياة نفسها؟
- سعيد جدًا، وأتمنى أن تسمح لى ظروفى وحالتى الصحية والنفسية بالقراءة والكتابة، ولا أطمع ولا أنتظر تكريمًا من مجتمع يكره ويزيح الإبداع الجاد والكتابة والكُتَّاب الحقيقيين عن المشهد، وهذا محزن ومن أشكال «المأساة التراجيدية»
■ بعد ٢٧ عملًا إبداعيًا بين رواية ومسرحية وشعر ونثر.. ما جديدك؟
- أعمل حاليًا على استكمال روايتى الجديدة، التى كتبتها بالعامية فى غالبية حواراتها، وأعتبرها رواية «مفاجأة»، إذ لم يسبق أن قدمت رواية لقارئى وقد غلبت عليها اللغة العامية فى كل الجمل والمقاطع الحوارية. ورغم انتهائى منها، لم أستقر على عنونتها بعد.
■ ما الباقى من أعمال نجيب محفوظ فى ذكرى ميلاده الـ115؟
- سيبقى الكثير من أعماله، وأرى أن نجيب محفوظ لم يُقرأ كما يجب بعد. ولهذا سيبقى كثير جدًا من عناوينه، طالما ارتبطت حيرة البشر باليقين وجدواه ووجوده. روايات مثل «أولاد حارتنا» و«الثلاثية» و«رحلة ابن فطومة» و«الحرافيش» و«السمان والخريف» و«ميرامار» و«الشحاذ» و«الطريق» و«أحلام فترة النقاهة» ستبقى كثيرًا، لأنها كُتبت وسُطرت من أجل الإنسان ولصالحه، وضد خلحلة وتطوحات اليقين ومخاتلة الأقدار







