الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

عزيز عيد.. على قلق كأن الريح تحته

عز يز عيد
عز يز عيد

عزيز يوسف جرجس عيد «1 مارس 1883- 28 أغسطس 1942»، ولد فى لبنان، والتحق بمدرسة الجزويت ببيروت، فنال قسطًا وافرًا من التعليم باللغة الفرنسية ودرس آدابها، ما كان له تأثير كبير على مساره الفنى فيما بعد، وفى وقت لاحق هاجرت أسرته إلى مصر واستقرت فى كفرالشيخ، وابتاع أبوه عدة أفدنة لاستثمارها، وأصيب فى سن مبكرة بمرض عصبى، وبعد شفائه نصحه الأطباء بتجنب الانفعال الحاد. 

مات أبوه وهو ما زال طالبًا بمدرسة الفرير بطنطا، ولأن الوالد ترك إرثًا من الديون انقطع عن الدراسة وانتقل مع أخيه إلى القاهرة للبحث عن عمل، وبعد تنقله فى عدة وظائف التحق ببنك التسليف الزراعى، وهناك التقى رفيق الرحلة الذى كان أيضًا موظفًا فى نفس البنك، الفنان نجيب الريحانى، وفى تلك المرحلة كان يمارس هوايته المسرحية ليلًا ويقضى النهار فى الوظيفة. انضم إلى فرقة إسكندر فرح التى كوّنها بعد انفصاله عن سلامة حجازى ١٩٠٥، وبعد عامين كوّن فرقته مع سليمان الحداد ١٩٠٧ لتمثيل فودفيلات المسرح الفرنسى الذى كان يقوم بترجمته وإخراجه، ليؤسس عزيز عيد منذ ذلك التاريح حقبة سوف تستمر طويلًا من الفودفيل الذى لاقى هوى فى وجدان المصريين. 

أشرك الجمهور فى العرض وكسر الإيهام وحطم الحائط الرابع قبل أن تصبح هذه الأفعال نظريات مسرحية كبرى

عزيز عيد عاش وشعاره بيت الشعر الشهير لأبى الطيب المتنبى «على قلقٍ كأن الريح تحتى/ أوجهها جنوبًا أو شمالًا» وكان يصارع الرياح يوجهها تارة وتعصف به تارة أخرى، يرى معاصروه أنه برع فى التمثيل وتميز فى الأداء الكوميدى، خاصة أنه كان قصير القامة، أحدب أصلع الرأس يتمتع بخفة ظل على المسرح وبأسلوب متميز فى الأداء. ووفقًا لقاموس المسرح المصرى كان هذا الفنان أول من قدم الفودفيل فى المسرح المصرى، وذلك رغم أنه قام بحل فرقته التى قدمت الأعمال الأولى التى تنتمى إلى صيغة الفودفيل أواخر ١٩٠٨ وانضم إلى فرقة شركة التمثيل العربى التى تألفت من فرقة الشيخ سلامة حجازى وإسكندر فرح مخرجًا للفرقة، وتنقل عزيز عيد للعمل مع العديد من الفرق ليعمل مع فرقة جورج أبيض وأيضًا فرقة عبدالله عكاشة والذى أخرج لها مسرحيات منها «القضاء والقدر، طارق بن زياد، بائعة الخبز « وتركها وعاد ليعمل مع فرقة أبيض وحجازى، إلى أن أسس فرقته «الكوميدى العربى» عام ١٩١٥، ولم تحقق الفرقة المنشود منها ولم يقبل عليها الجمهور فضمها إلى فرقة عكاشة لما يئس من الإقبال الجماهيرى، ثم عاد إلى فرقة أبيض وحجازى، وكان قد قدم فى تلك الفترة مجموعة من عروض الفودفيل لم تحقق نجاحًا فى البداية، ويبدو أن هذا النوع كان جديدًا على أو قل كان غريبًا على الذائقة المصرية التى تفاعلت معه فيما بعد، وقدم عروضًا فى تلك الفترة، لاقت رواجًا فيما بعد مثل «خلى بالك من إميلى، يا ست متمشيش كده عريانة، المودموازيل جوزيت مراتى» وكلها تمصير عن فودفيلات فرنسية، ورغم براعة عزيز عيد فى الإخراج، ورغم اختياراته الدقيقة، إلا أن الأعمال لم تنجح، كما ذكرت، والملاحظ تنقل هذا الفنان بين العديد من الفرق فى فترة قصيرة، كان روحًا قلقة لا تستقر فى مكان، كأنه يبحث عن شىء ما، وظنى أنه كان مولعًا بالتجريب، تعاون مع سلامة حجازى وعبدالله عكاشة وإسكندر فرح، وجورج أبيض، وفى عام ١٩١٧ كون مع أمين صدقى فرقة بكازينو الأبيه دى وقدمت الفرقة مجموعة من الأعمال أشهرها من تأليف إبراهيم رمزى «دخول الحمام مش زى خروجه» واعتبرها النقاد أول كوميديا مصرية مؤلفة! وظل عزيز عيد يؤسس الفرق ويحلها ويتجول بين الصيغ المسرحية المختلفة، تعاون مع الريحانى، وأيضًا مع سيد درويش الذى قدم من تلحينه ثلاثة أعمال من كلاسيكيات المسرح الغنائى «شهرزاد، العشرة الطيبة، الباروكة» ورغم قيمة هذه الأعمال لم تحقق نجاحًا، بل خسرت كثيرًا وأثير الجدل حول العشرة الطيبة وهاجمت السلطات نجيب الريحانى منتج هذا العمل، رغم أنه قدم من خلاله أول أوبرا كوميك «العشرة الطيبة» من ألحان سيد درويش، وأغلقتها السلطات لأنها أعتقدت أنه يهاجم الأتراك لصالح الإنجليز، ولكنه فى الحقيقة كان يهاجم، الأتراك ولكن لصالح الفلاح المصرى، ففى أحد المشاهد جعل الوالى التركى «أبو زعيزع» يدوس بأقدامه على ظهور الفلاحين.

نعم كان الحاضر قاسيًا على عزيز عيد وأعماله، ولم يعرف أن المستقبل سيقوم بتخليد هذه المسرحيات ويمنحه صفة المخرج الأول، الذى وصفه فتوح نشاطى بكلمات ظنى أنها عبّرت ولخصت شخصيته ومشواره المسرحى» رجل معذب، مبلل الفكر، مضطرب النفس يعمل ليل نهار، يترجم ويدّرب ويقتبس ويُخرج الروايات المختلفة بين فودفيل فرنسى وجراجينول مصرى «أراجواز» وأوبريتات مقتبسة. وكان كفاحه هذا كثيرًا ما يؤدى إلى الفشل، لكنه سرعان ما يعاود الكرة. لكن الأمل الكبير الذى كان يضىء قلبه كان يدفعه للمثابرة ومغالبة الأعاصير «وأيضًا وصفه معاصره الناقد المسرحى عبدالمجيد حلمى وصفًا يدل على شخصيته وأسلوبه المسرحى وظنى أن أدق توصيف لمخرج العشرة الطيبة حين قال «رجل يأكل تفكيره جسمه فينحف وتتلاشى أماله! بل وتلخص هذه الجملة مشوار حياته.

سافر عزيز عيد إلى إيطاليا عام ١٩٢٢ والتقى هناك يوسف وهبى ودعاه للعودة إلى مصر لتكوين فرقة مسرحية، ولما عاد يوسف بك كوّن فرقته التى أخرج لها عزيز عيد ما يقرب من ٤٠ مسرحية والتى صارت فيما بعد من تراث يوسف وهبى مثل «راسبوتين، كرسى الاعتراف، غادة الكاميليا، الذبائح، فيدرا، القناع الأزرق، كليوباترا، هاملت، لوكاندة الأنس» ولأنه يعيش على قلقٍ كأن الريح تحته ترك فرقة رمسيس وبدأ مرحلة جديدة مع رفيقة حياته فاطمة رشدى التى سارعت بتكوين فرقة تحمل اسمها وأخرج عزيز عروضها على مدى سبع سنوات وكانت مرحلة جديدة فى مسيرته المسرحية ابتعد فيها قليلًا عن الفودفيل والنصوص العالمية وقدم مسرحيات أحمد شوقى الشعرية « مصرع كليوباترا، على بك الكبير، أميرة الأندلس، بالإضافة إلى أعمال أخرى عالمية ومحلية مثل «غادة الكاميليا، النسر الصغير، يوليوس قيصر، أما ليلة من ألف ليلة، سمير أميس، بسلامته بيصطاد» وحققت الفرقة خسائر كبيرة لتصميم عزيز عيد على النصوص العالمية تمصير، وسرعان ما انفصل عن فرقة فاطمة رشدى وفى عام ١٩٣٤ قرر خوض مغامرة جديدة بعيدًا عن الفرق والإخراج المسرحى، وذلك حين افتتح معهدًا لتدريس التمثيل للهواة بدار التمثيل العربى، وأيضًا لم تنجح الفكرة! وحين تم تأسيس الفرقة القومية أنضم إليها مخرجًا وقدم مجموعة من العروض منها الملك لير، هاملت، دليلة، اليتيمة، الخطاب وغيرها، وتم فصله من الفرقة بعد عامين بعد سلسلة من الخلافات مع المسئولين.. ورغم هذه المسيرة الفنية الثرية والصاخبة، اضطر بعد خروجه من الفرقة القومية للتجول فى الأقاليم فى تجربة متواضعة وحين عاد للقاهرة شارك بالتمثيل فى السينما فى أدوار صغيرة، بل وانضم إلى كباريه ببه عز الدين وأخرج عدة اسكتشات متواضعة بسبب حاجته الملحة للمال. 

الإخراج من قبل عزيز عيد كان يتم بطرق ارتجالية أو قل تعاونية أقرب إلى الفوضى، وليس فقط لأنه وضع قواعد علمية لعناصر العرض المسرحى، وابتكر الإضاءة والديكور وأساليب الأداء، وجعل الممثل يتحرك على المسرح بطريقة طبيعية دون تكلف أو مزايدة، وكانت له الكلمة العليا فى المسرح، بل أيضًا لأن عزيز عيد هو أول من أدخل المسرحية النابعة من الواقع، ومن أعماق الحياة المصرية بعد أن تنقل بين العديد من الفرق التى أسسها أو عمل بها مخرجًا وأيضًا اضطلاعه على الاتجاهات المسرحية المعاصرة، حيث جاءت مسرحية «القرية الحمراء» التى كتبها بالمشاركة مع زميله أمين صدقى أولى المسرحيات التى تطرح قضايا ومعاناة الريف المصرى عام ١٩٢٥، وكان هذا الفنان الذى غادر لبنان فى طفولته إلى مصر مبدعًا موهبًا أخرج ما يقرب من ٢٦٥ عرضًا مسرحيًا وهذا الكم الكبير تنوع بين اتجاهات عديدة بين الكوميديا والتراجيديا والعروض الغنائية، بل واستفاد من فن الأراجوز المصرى، فلم يكن عزيز عيد فقط رائد الإخراج المسرحى بمفهومه العلمى، لكنه أيضًا فعل كل شىء فى المسرح، أشرك الجمهور فى العرض وكسر الإيهام وحطم الحائط الرابع قبل أن تصبح هذه الأفعال نظريات مسرحية كبرى، رغم أن البعض اعتبرها فى ذلك الوقت انحرافًا، ففى عرض يوليوس قيصر حمل المشيعون النعش داخل الصالة، ومنع الرقيب المسرحية، كما منع أوبريت «العشرة الطيبة «من قبل فكانت حياة عزيز عيد حياة قلقة وعنيفة، اختلف مع الجميع لصالح المسرح، أو قل لصالح مخيلة عزيز عيد الجامحة، فقد اختلف مع الريحانى رفيقه وزميله فى بنك التسليف الزراعى حول التمصير، فقد رفض عزيز عيد هذه الفكرة وانحاز إلى تقديم النصوص الأجنبية، كما هى، دون تحريف، كما انحاز أيضًا إلى تقديم المؤلف المصرى، واكتشف هذا الفنان الموهوب العديد من النجوم على رأسهم فاطمة رشدى التى تزوجها فيما بعد وانفصلت عنه أيضًا بسبب أفكاره المثالية، ليعيش حياة صاخبة تنقل فيها بين العديد من الفرق وانتهى به الحال للعمل مع فرقة جوالة كونها ليطوف بها القرى والمدن لينهى حياته فقيرًا بائسًا لكن روحه ظلت تحلق فى كل اللحظات ليبدع ويقدم للمسرح المصرى أعمالًا خالدة ستظل شاهدة على عبقريته وإخلاصه للمسرح المصرى. وكما كان توفيق الحكيم أول من صعد بالنص الأدبى المكتوب إلى خشبة المسرح كان عزيز عيد أول من وضع مفردات العرض المسرحى على الخشبة من خلال مفاهيم علمية سواء، الديكور، الإضاءة، أساليب الأداء، أو الاعتماد على الممثل من خلال أساليب إبداعية مبتكرة، بل وسيحسب له أنه جسد الريف المصرى على وقع ألحان سيد درويش، هذا المخرج الذى أطلقوا عليه المدير الفنى، فلم يكن توصيف المخرج قد عرفه المسرحيون واعتادوا عليه، كما كانت المسرحية ما زالت تحمل اسم الرواية. 

صانع الحياة المسرحية مخرج العرض المسرحى الذى أسسه وبلوره فى مصر عزيز عيد، هذا العنصر الذى عرفه العرب فى صورته الغربية حديثًا، والذى استوردناه بكامله من الغرب، ما زال يثير العديد من الأسئلة التى تم طرحها حول المخرج المسرحى المصرى منذ يعقوب صنوع ورفاقه وحتى وقتنا هذا مرورًا بسنوات الازدهار والنهضة التى تعاظم فيها دورالمخرج المسرحى وأعنى حقبة الستينيات ثم الحضور الطاغى والمؤثر لتيار المسرح الشعبى وصولًا إلى حقبة التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة حين أصبحت الكلمة العليا للمخرج وتوارى قليلًا دور النص المسرحى! فى كل هذه المراحل سيظل عزيز عيد صاحب الفضل والمخرج الأول، الذى استطاع أن يغير أسلوب العرض المسرحى بعد أن أصبحت بواسطته، الكلمة العليا للمخرج. 

وأذكر منذ سنوات ليست بعيدة، وحين علم المخرج الكبير سمير العصفورى بأن شخصية رائد الإخراج المسرحى عزيز عيد سوف يتم تجسيدها على الشاشة الصغيرة من خلال مسلسل أهل الهوى من تأليف محفوظ عبدالرحمن وإخراج عمر عبدالعزيز اتصل بمحفوظ عبدالرحمن لأداء هذا الدور، وعلى الرغم من صغر حجمه فى عدد محدود من الحلقات، إلا أنه كان حريصًا وسعيدًا بهذه المغامرة وفاءً وتقديرًا لعزيز عيد، حين سألته لماذا؟ قال العصفورى: إن هذا الحب لرائد الإخراج المسرحى بدأ عام ١٩٦٤ حين كان يخرج عرض «زيارة السيدة العجوز» تأليف السويسرى فريدريش دورينمات ومن بطولة عبدالله غيث وزوزو نبيل التى قالت له- أى للعصفورى- أنت تشبه عزيز عيد فى تكوين الجسم، قصير مثله ومجنون أيضًا، ومن يومها والعصفورى يبحث عن عزيز عيد وأعماله وبالفعل كتب مادة فيلم وثائقى وسلمه للمركز القومى للسينما عن حياة عزيز عيد، وحين سألته عن هذه الشخصية حكى لى عنها كثيرًا، واشترط العصفورى أن يكتب فى تتر المسلسل، يجسد شخصية الرائد المسرحى الكبير عزيز عيد المخرج الفقير إلى الله سمير العصفورى، وتم تكريم هذا الرائد بأن حملت الدورة الخامسة عشرة للمهرجان القومى للمسرح المصرى اسم المخرج عزيز عيد، وقدم المخرج المسرحى عصام السيد عرضًا تناول فيه حياة ودور هذا الرائد المسرحى.