حميمية الروتين.. دروس الكتابة من مقلب رائع
- عندما أواجه صعوبة فى الحبكة أو عندما أبتكر مقلبًا جديدًا.. أفكر فى شكل يوم الشخصية والأشياء التى قد تتسع له
- غالبًا ما أشعر عند قراءة عمل روائى جيد وكأننى وقعت ضحية مقلب ناجح
- المقالب والكتابة هما تدريب على الملاحظة الدقيقة.. كلاهما وسيلة لتوجيه فضولك نحو شىء ما
تعرف المقالب بسمعتها السيئة. فى أسوأ حالاتها، قد تستخدم كعقاب لمن يثقون بك بسذاجة. لكن دعنى أشرح لك: عندما تنفذ المقالب بشكل صحيح، فى أفضل حالاتها، تكون نابعة من الحب. أفضل المقالب هى تلك الشخصية؛ لها هدف واضح، وتسخر منه بطريقة محببة ومحددة.
قبل بضع سنوات كنت أعمل فى هذا الموقع الإلكترونى تحديدًا. قبل الجائحة، كان لدى «ليت هب» مكتب على حدود قرية جرينتش، حيث كنا نجلس فى غرفة صغيرة بشكل مضحك، محاطين بأكوام متكدسة من الكتب.
ولأننا كنا نتواجد شخصيًا خمسة أيام فى الأسبوع، مكتظين فى تلك الغرفة كالسردين، فقد تعرفنا على زملائنا جيدًا، ببطء، خلال فترات زمنية قصيرة لا تتجاوز ثمانى ساعات. منحتنا حياة المكتب ذلك النوع من الألفة التى تنشأ عن التواجد المستمر والوثيق.
ما يحبونه وما يكرهونه، وما يزعجهم وما يثير قلقهم، تعابير وجوههم أثناء التفكير، عباراتهم المفضلة، ميلهم للتأخر، عدد مرات مرض أطفالهم أو كلابهم، ما إذا كانوا ينتظرون طردًا خاصًا فى المنزل واضطروا للمغادرة مبكرًا لاستلام البريد، ما إذا كانوا من النوع الذى ينقر بالقلم أو يهز ساقه عندما يكون متوترًا، عدد فناجين القهوة التى يشربونها فى الصباح، وبالتبعية، عدد مرات الذهاب إلى الحمام خلال يوم العمل.
على سبيل المثال، كنت أعرف أن مديرى «دان» يعشق كرة القدم وزوجته. كنت أعرف أنه أقلع عن التدخين ويشرب قهوته سوداء. كنت أعرف أنه يستيقظ حوالى الساعة الواحدة ظهرًا كل يوم ليذهب إلى مطعم «أوريجينال ساندويتش شوب»، حيث يتناول شطيرة ديك رومى مع جبنة شيدر، وتفاحًا أخضر، وخسًا، وطماطم، ومايونيز الأعشاب الخاص به.
كنت أعرف أيضًا أن ذاكرته ضعيفة نوعًا ما. فى أحد الأيام خطرت لى فكرة طريفة: أحضر شطيرة مماثلة وأضعها على طبق أبيض من المطبخ، كما يفعل كل يوم، كنت سأنتظره حتى ينتهى من غدائه وينهض من مكتبه، ثم أترك الشطيرة الثانية، لأرى ما سيحدث. انخدع مؤقتًا، كان متفهمًا. ضحكنا جميعًا قليلًا.
كانت مزحة بسيطة، لم تكلفنى أكثر من ١٠ دولارات ومنحتنى جرعة صغيرة من البهجة فى يومى. حسنًا، سأضيف واحدة أخرى: عندما أقنعته بأنه سرق عن طريق الخطأ الصفحة الأولى من كتاب «أيام الانضباط الحلوة» لفلور جاجى، رغم أنه لم يقرأه قط؛ لم تتطلب هذه المزحة سوى القليل من الوقت فى الطباعة والتنسيق، وسكين حاد.
إذا أردت أن ترى نظرة الذعر والحيرة على وجه كاتب، فهذه هى المزحة المناسبة. لماذا أروى لكم كل هذا؟ هل كتبت هذه المقالة فقط لأروى لكم المقالب التى دبرتها لـ«دان» فى مكتب «ليت هب» القديم؟
ربما.. لكننى أقول هذا أيضًا لأنى أعتقد أن المقالب الجيدة والكتابة الجيدة تشتركان فى الكثير من الصفات. غالبًا ما أشعر عند قراءة عمل روائى جيد حقًا وكأننى وقعت ضحية مقلب ناجح: السيطرة، والمفاجأة، والبهجة، والضحك، والشعور باللعب.
العلاقة بين المقلب وجمهوره لا تختلف كثيرًا عن علاقة الكاتب بقارئه. لا بد من وجود شعور بأنكما شريكان فى المشهد، وأنك لن تنقلب عليهما وتخدعهما أو تفعل شيئًا قاسيًا بلا معنى، تلك النظرة الخاطفة من الثقة المتبادلة.
لا يعنى هذا أن الآخرين- سواء كانوا هدف المقلب أو شخصيات القصة- مجرد أدوات للتسلية. إن قولك «أمسكت بك!» بعد نجاحك فى تنفيذ مقلب، أشبه بفخ، ولكنه فى الوقت نفسه يعنى: لقد أمسكت بك. إن فهمك وإدراكك أمران أساسيان. فكل من المقالب والكتابة هما تدريب على الملاحظة الدقيقة. كلاهما وسيلة لتوجيه فضولك نحو شىء ما، عادة ما يكون شيئًا يبدو تافهًا.
فى ورش الكتابة غالبًا ما يتحدث المعلمون عن تطوير الشخصيات من منظور الرغبات. علينا أن نعرف ما ترغب به الشخصيات فى كل لحظة، وفى كل مشهد. ماذا لو أرادت الشخصية شطيرة ديك رومى؟ ماذا لو كان من المهم بنفس القدر معرفة ما إذا كانت تدفع نقدًا أم ببطاقة؟، وما إذا كانت كريمة فى البقشيش، وأى شارع تسلك؟، وما إذا كانت تبتسم للكلاب عند مرورها على الرصيف؟
أى إصبع تستخدمه للضغط على زر المصعد عند عودتها؟ أحيانًا تكون التفاصيل التى تبدو زائدة هى ما يجعل الشخصية تبدو حقيقية ونابضة بالحياة.
أتذكر بداية رواية سولفى بالى «حول حساب الحجم» (ترجمة باربرا هافيلاند)، وهى قصة آسرة عن امرأة تُحاصر داخل يوم الثامن عشر من نوفمبر. فى موقف أشبه بفيلم «يوم جرذ الأرض»، تعيش هذا اليوم مرارًا وتكرارًا.. فى الصفحة الأولى، نقرأ:
صوت احتكاك معدن بمعدن عندما يضع الغلاية على الموقد، وطقطقة خافتة جدًا عندما يشعل الغاز. ثم صمت حتى يغلى الماء. أسمع حفيف أوراق الشاى والورق فى البداية، ثم تؤخذ ملعقة أخرى من أوراق الشاى من كيس ورقى وتسكب فى الإبريق، ثم صوت الماء يسكب فوق أوراق الشاى، لكن لا يمكن سماع هذه الأصوات إلا فى المطبخ. أستطيع سماع صوت فتح الثلاجة، لأن بابها يصطدم بزاوية سطح العمل.
هذا زوجها. ولنكن منصفين، فهى تعيش هذا الصباح نفسه منذ ١٢١ يومًا، لكن مع ذلك حميمية الروتين تخبرنا بكل ما نحتاج معرفته. مَن منا لا يستطيع لعب هذه اللعبة مع من يدورون فى فلكه؟ هل يمكنك سرد أصوات اليوم الأول لحبك؟ هل يمكنك فعل الشىء نفسه لشخصيتك الرئيسية؟
كانت هذه أسئلة أطرحها على نفسى عندما ولدت فكرة المشهد الأول فى روايتى. يبدأ المشهد بطقوس ما قبل النوم. يبدأ بملاحظة صغيرة، لحظة انتباه خاطفة، تشير إلى شىء سيقلب حياة الراوى رأسًا على عقب.
عندما أواجه صعوبة فى حبكة الرواية «وهو ما يحدث غالبًا» أو عندما أبتكر مقلبًا جديدًا «وهو ما يحدث أيضًا غالبًا»، أفكر فى الروتين: شكل يوم الشخصية والأشياء التى قد تتسع له.
لطالما وجدت أن الناس يمكن التنبؤ بتصرفاتهم، وهذا ليس بالأمر السيئ! بل إن هذه القدرة على التنبؤ هى ما يجعل المقالب ممكنة، إنها الأساس الذى نبنى عليه إبداعنا.
المقالب، بطريقة ما، هى بمثابة رسالة حب للروتين- دليل على مدى فهمك العميق لشخص ما- وكسر لهذا الروتين فى آنٍ واحد. وما هى حبكة القصة إن لم تكن الشىء نفسه؟ تحليل دقيق لخطوات شخص ما اليومية، وتحديد اللحظة المناسبة لحدوث الأشياء.
أفضل من يجيدون المقالب هم رواة قصص. إنهم يريدون إسعاد الآخرين، يخططون، ويدبرون. لديهم حدس بما قد يحدث، لكن النتائج النهائية عادة ما تكون مفاجأة حتى بالنسبة لهم.
إنهم يبنون هيكل المقلب، لكن الأمر يتطلب مشاركة الجميع- الشخص الذى وقع ضحية المقلب، والجمهور، والشخصيات، والقارئ- لجعل المكان يعج بالضحك، ولإضفاء الحيوية على كل شىء.