الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

نسـاء الحرب.. مسلسل الامتحانات الوجودية والرسائل السياسية

نساء الحرب
نساء الحرب

«نساء فى الحرب» كما فى العنوان المُصاغ بلغة الضاد فى منصة نتفليكس أو «نساء الحرب» أو «المحاربات» تماشيًا مع أصل التسمية الفرنسية «Les combattantes»، هو عنوان مسلسل فرنسى مكون من ثمانى حلقات، تقع كل واحدة فى حدود حوالى 45 دقيقة، متخذًا سمة «القصص القصيرة»، أو لون «الأفلام الطويلة»، أو بشكل آخر مظهر المنتصف الذى يرفض صيغ التصنيف السهلة حتى فى شكله ونوعيته، استمرارًا لمعانيه ودلالاته المميزة والأصيلة، فالحرب هى «مأساة النساء» وليست دومًا «أعطاب الرجال»، أو بالأحرى «الحرب للرجال والمعاناة للجميع»، وهى الصيغة التى ينشأ عنها ما بعدها من ثيمات إبداعية ورسائل فنية، تستحق أن توضع فى خانات تأويلية دالة، ربما تحتمل تأطيرها فى ثلاث زوايا نظر أساسية مبنية على رسائل العمل وانفتاحاته الوجودية والفنية والسياسية:

مآسى الحرب مابعد سؤال الجندر

«القتال للرجال ومآسى الحرب للنساء»، بهذه الصيغة أُريد لهذا العمل الإبداعى أن يطرق أبوابًا جديدة ليست دومًا مفتوحة أمام الإنتاجات والأعمال الأدبية والسينمائية والدرامية، فى قالب يُعيد تصوير جزء من معاناة الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا فى لحظاتها التمهيدية مجسدة فى عام ١٩١٤ تاريخ بداية الحرب، تنبيهًا إلى أصل الشرارة والشر، أو اختصارًا لما سيأتى، وكأن تأليف وكتابة «سيسيل لورين» وإخراج «ألكسندر لوران»، هو نقل لمشهد مأساوية الحرب فى مهدها، قبل ترك المجال أمام المُشاهد لإتمام باقى صور الدمار بكل تفصيلاته تأسيسًا على لحظة جزئية، فالحرب ما هى إلا إعادة دائمة ومستمرة لنفس صور القسوة والعذاب، تمامًا كتجربة «خفة الراقص» فى دلالاتها النيتشوية لكن بمعانى معكوسة تمامًا، تستحضر فعل «إعادة الألم» لا «تكرار السعادة».

رذائل الحرب قد تصل إلى مستوى الحالة الأوديبية الموضوعة على رأس أقصى حالة تراجيدية محتملة فى التجربة الإنسانية

هذه بالذات الفكرة المركزية لمسلسل «المحاربات»، حيث الحرص الشديد على تقديم تجربة الحرب فى صورتها الدالة على كل سمات القسوة المحتملة فى الوجود الإنسانى، فهى مشتل جميعها بلا منازع، مجسدة فى عدة شخصيات منها «شاغل» باعتباره عمًا وأخًا وابنًا، أو شخصية مالك «البورديل» وشقيقته وغيرهما، حيث التقاء «الجشع» و«الكراهية» و«الحقد» و«الانتقام» و«الكسل» و«الجبن» و«العنف» و«الفشل» و«الضعف» و«السادية» و«النرجسية» و«الاحتكار» و«التحايل»... بوصفها سمات تختصر شكل الحرب وصورها المقيتة، وكأنها إفصاح عجيب وأصيل عن الإنسان فى حالته «الحيوانية» إذا ما أُحجبت عنه جدران الأخلاق وسلطة القوانين، وهى أيضًا حالة «امتحان» جدى للإنسانية، كما فى صرخة الطبيب الفرنسى الذى أصر على معالجة جندى ألمانى/ عدو، بِتَعلّة أن عمله كطبيب خاضع لقَسَم إنسانى أكبر وأعظم هو «قسَم بقراط»، منظورًا إليه كأفق يتجاوز خصامات الأفراد والشعوب وصراعاتهم، نحو مناجاة الحق فى الحياة كمشترك إنسانى.

امتحانات الفضائل هذه التى تقابلها صورة الانكسار والانهزام أمام الرذائل فى تجربة الحرب، تكاد تتحول إلى ثيمة هذا العمل الإبداعى، لكن فى سياق التعرية عن تقرحات الوجود وهزاته ومساراته الوعرة. فالموت ينتصر على حب العائلة وعلى تعلق الابن بأمه وزوجته وابنته، والموسيقى تنهزم أمام رصاصات الجنود وسلطة منطق الحرب، كما فى صورة «العقيد» ابن «الجنرال» العاشق للموسيقى والفن والذى لقى حتفه وهو يداعب قيثارته، قبل أن يرفض أبوه الجنرال وصية وأمنية دفن آلته المعشوقة بقربه لأسباب تتعلق فى ظاهرها بصورته كقائد عسكرى، وفى حقيقتها باعتبارات شخصية تتولد من الرغبة فى الإبقاء على ذكرى تربطه بمأساة فقدان ابنه المحبوب، وكانت الصورة الأكثر تعبيرًا عن هذه التناقضات هى المتعلقة بتصوير حالة الدمار والخراب فى بلدة «سان بولان» البهية والجميلة، حيث الخضرة والأنهار وبدائع الخلق وجمالية المنظر وروح الحياة، تتحول تحت تأثير هزات ورذائل الحرب وضربات المدافع إلى ساحة قاحلة منزوعة المشاعر، مليئة بالجروح الجسدية والنفسية.

وضمن كل هذه الصور والتناقضات تحضر المرأة كمركز لا كهامش، وكأن الحرب ليست حرب الجنود الرجال وإنما حرب النساء أيضًا، لدفعهن ضرائب ما يحدث فى ساحة المعركة، ممثلة فى صورة بطلات المسلسل الأربع، حيث تتحمل كل واحدة منهن أعباء وتبعات ما يحدث فى قلب ميدان المعركة بشكل درامى فيه الكثير من القسوة، حرص مخرج العمل على إبداعه وإبدائه فى كل تجربة على حدة من وجهة نظر «نسوية»، فهو مثلًا لم يعرض لحظات مقتل زوج إحدى بطلات القصة الذى ترك إدارة مصنعه ومصالحه والتحق بساحات المعركة استجابة لنداء الوطن، لكنه حرص فى المقابل على تصوير تفاصيل تبعات الخبر على زوجته وابنته وأمه، وارتدادات هذا الموت المدمرة على الأسرة، تأكيدًا على فكرة أن تجربة القسوة والمعاناة فى الحرب هى تجربة إنسانية مشتركة لا ارتباط بينها وبين «الجندر» أو نوعية الأشخاص أو مقاماتهم، من خلال توجيه الكاميرا صوب المعارك الحقيقية التى تبدأ بعد معارك الجنود، ومن وجهة نظر نسوية، حريصة على فتح جروح أخرى أكثر مرارة من تلك الموجودة فى ساحات الوغى.

 الحرب هى التى سمحت باكتشاف كل المدنسات والمحرمات وتعرية كل أشكال البؤس والعار

أوديبية الحرب

فتح مسلسل «نساء فى الحرب/ المحاربات» سؤالى الخير والشر على جميع مستوياته، من خلال الذهاب بصور التراجيديا الوجودية إلى أقصى مداها، مُجسدًا فى اقتحام حرمة «المقدس» وانتهاك كل الحدود الموجودة، وصولًا إلى «الحالة الأوديبية» ممثلة فى «قُبلة» الابن لأمه بحمولات جنسية واقترابه فى لحظات أخرى من انتهاك جسدها، تأكيدًا على أن رذائل الحرب قد تصل إلى مستوى الحالة الأوديبية الموضوعة على رأس أقصى حالة تراجيدية محتملة فى التجربة الإنسانية، للدلالة على بشاعة التجربة وقسوتها، حيث كابدت إحدى بطلات المسلسل شقاء هذا التمرين الوجودى بكل فظاعاته، حينما اضطرت للعمل فى «بورديل» مخصص للجنود تقربًا من ولدها الذى فقدته فى صغره لظروف قاهرة، لتحمله الصدف إلى مكان «عملها»، وهو جاهل لما تعلمه هى عن نوع علاقتهما، ورغم عدم بلوغ الأمر حد إقامة علاقة جنسية بينهما، إلا أن مشاعر الأمومة التى حملتها هى خفية منه، قد قابلها الشاب «العقيد» الذى كان يجهل قصتهما الأمومية إلى نوع من الانجذاب والميل «الإيروسى» الذى انتهى بقُبلة حملت هذه المدلولات الجنسية، والتى استنكرتها الأم فى مشهد ربما يحمل وحده كل صور القسوة الممكنة، قبل أن يتحول الفعل ذاته إلى نوع من الاستنكار الشديد والغضب لدى الابن «العقيد» بعد معرفته بهوية «عاملة البورديل/ الأم»، على شكل إحساس مقيت وبغيض شبيه بالذى صوره «سوفوكليس»، قبل محاولات «فرويد» تلطيف الدلالة بردها إلى حالة نفسية طبيعية جُبلنا عليها.

وليست الأوديبية وحدها من هزت أركان الحرمات والمُنَزَّهات الطاهرة، بل إن العمل كله مبنى على إعادة طرح تصدعات «المقدس» و«المدنس» فى صيغته الثورية، كنوع من إعادة طرح الأسئلة التمهيدية التى أفضت إلى تجربة «الإصلاح الدينى»، كالكشف عن تجاوزات رجال الدين مثلًا، من خلال تقديم الصورة الأخرى لـ«الأب فوتران» الذى يجسد دور المسئول الأول عن الكنيسة، باعتباره ليس كما فى مخيال الجميع عنه رجل دين ورعًا ووقورًا، وإنما كمغتصب للراهبات الجدد، بعد إقناعهن بأنه «عمل إلهى مبارك»، وكيف تنتهى مواجهته من قِبل «أم الدير» باعتبارها إحدى بطلات المسلسل الأربع، إلى صدمة أكبر، أقر ضمنها بأفعاله بهدوء وراحة ضمير، معلقًا على الأمر بكلمة قال فيها إنه «فى مملكة الخطايا الجميع مذنبون»، لتسوء الأوضاع أكثر بالنسبة لها حين استدعت «المطران» للقيام بإجراء فى حقه، قبل أن تدرك بأنه هو أيضًا لا حساسية له مما حدث، وأنه أمر عادى ما بقى الأمر سرًا وفى طى الكتمان، يقول: «الانحراف أمر لا مفر منه، ما دام لا يمس صورة الكنيسة»، تأكيدًا على العودة إلى ما يشبه وضع الكنيسة فى القرون الوسطى. 

وتكريسًا لما سبق يصور العمل بعضًا مما هو مسكوت عنه وراء الجدران المغلقة للكنيسة، والتى تتحول فى كثير من المشاهد إلى ما يُشبه مكان تجرى فى داخله بصمت العلاقات الجنسية والحميمية المفعمة بالروح الإيروسية، بكل ما تشمله من صور الشهوة والرغبة فى شكلهما البشرى، دون أن يكون لرمزية وقدسية المكان أى اعتبار، حتى إن إحدى الراهبات ينتهى بها المطاف بالانتحار من خلال استخدام الحبل المستخدم لطرق أجراس الكنيسة إيذانًا بموعد الصلاة، بعد أن عرفت بحملها من «الأب فوتران» وإنكاره لها مع مطالبتها وبهدوء بضرورة إجهاض جنينها، دون أى اعتبارات دينية أو أخلاقية، بما يعنيه هذا النداء من طهارة وتقديس. وهى على العموم مشاهد من ضمن أخرى توضح مدى افتضاض وهتك الأعراض فى حضرة قدسية الأماكن والأشخاص، بما فيها تحول المكان المخصص للاعتراف من فضاء للتعبد والزهد والمناجاة والصفاء والاعتراف بالخطايا للخالق، إلى ما يشبه فضاءً يُمارس فيه الجنس، وكيف أن الحرب هى التى سمحت باكتشاف كل المدنسات والمحرمات وتعرية كل أشكال البؤس والعار.

الامتحان السياسى والأخلاقى لـ«وحدة أوروبا»

إلى جانب المدلولات الفنية والوجودية، وإضافة إلى كل الأسئلة الكثيرة المطروحة حول الشرط الإنسانى، يحتفظ المسلسل أيضًا لنفسه برسائل سياسية فى غاية الأهمية، فهو يعاود النظر فى سؤال «الالتزام السياسى» و«الانتماء الوطنى» من خلال طرح تقابلات شبيهة بالتى اعترضت «جون بول سارتر» حين كانت تصله أسئلة شباب طالبين للمشورة فى أمر ما إذا كانت المشاركة فى الحرب من أجل الوطن، ينبغى أن تكون سابقة على البقاء من أجل خدمة الأسرة فى حال كانت تحتاج إلى العناية ولها حاجة وعوز، أو العكس، بحيث يكون الالتزام الأسرى سابقًا على قضايا الوطن، أو كما فى صيغة «ألبير كامو» التى جاء فيها بأنه «لو خُيرت بين أمى وبين العدالة لاخترت أمى»، ما يعنى أن العمل هو إعادة استحضار لأسئلة ومقولات «الانتماء» و«الوطن» و«الأسرة» و«الموت» و«الحياة». وهى بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مجرد مقولات وأسئلة تطرح فى الزمن الراهن، بل إنها أكثر اقترانًا بالسؤال المركزى فى الفكر المعاصر، ممثلًا فى «سؤال المعنى»، الطارح لقضية: هل نحيا من أجل قيم البطولة والوفاء للوطن ولرمزياته الثقافية والتاريخية ولامتداداته الحضارية المنغرسة فى دواخلنا تأكيدًا لروح الدولة بمعانيها الهيجيلية ولو بصيغة تقريبية؟ أم على العكس نحيا من أجل ذوانتا الأصيلة ومن أجل وجودنا المتفرد المرتبط بالأسرة والأبناء والعمل والإنتاج وتحقيق الرفاهية الذاتية، مختصرة ربما فى صيغة «الحياة العادية vie ordinaire» وأن الوطن وُجد من أجل سعادة أفراده وخدمتهم لا النقيض؟، ما يعنى أن المسلسل هو انخراط فى جوهر الأسئلة المطروحة فى الزمن المعاصر، ممثلة فى سؤال «المعنى» لكن بدلالات سياسية تلتصق بمقولات «الوطن» و«الدولة» و«الولاء».

العمل هو إعادة استحضار لأسئلة ومقولات «الانتماء» و«الوطن» و«الأسرة» و«الموت» و«الحياة»

إلى جانب أن ظرفية العمل والسياق، تعيد طرح سؤال دلالات إعادة فتح هذه «الجروح التاريخية»، فالمسلسل يحكى أحداثًا عن الحرب الفرنسية - الألمانية، بما يعنيه الأمر من إعادة فتح هذا الخزان الضخم من الجروح الجمعية التى تصور فظاعة الألمان فى تعاملاتهم مع الفرنسيين، والتى ربما تقابلها أعمال ألمانية تقول بالعكس، مع ما يعنيه هذا الأمر من استذكار لهذه الطعنات التى تُهَشِّم ذاكرة الفرنسيين، وقابلية خلقها لحالة عدائية بين أطراف الحرب فى المخيال الفردى والجمعى آنيًا، رغم مسارات استشفائها ومحطات تضميدها التى جرت فى العقود الأخيرة، تحت لواء «وحدة الاتحاد الأوروبى»، ما يفتح باب المصداقية للتأويلات الجارية التى تُشير بعضها لفكرة انحطاط وبداية تقهقر الحضارة الغربية - ميشيل أونفرى نموذجًا- وإلى بداية حدوث حالة من التصدع فى بنيان هذه الوحدة وهذا الاتحاد، وإلا ما كان لمسلسل من هذا القبيل أن يحرص كل ذلك الحرص على استعادة ذكرى «استمتاع» الألمان بأذية الفرنسيين، كما فى خطف بنت صغيرة من أجل استفزاز أبيها الطيار لخيانة بلده فرنسا، ومده الألمان بمعلومات حساسة من شأنها تغيير مجرى الحرب، ومشاهد العذاب والقسوة التى حملتها هذه القصة، وغيرها من المشاهد المُثقلة بهذه الجروح والندوب المأساوية.

«المحاربات» باختصار هو تحفة فنية وتاريخية ونفسية وسياسية ووجودية، إذ ما تَرك المسلسل ثيمة مركزية إلا وتطرق لها بروح منفتحة على الطبائع البشرية فى كل امتحاناتها الوجودية، دون تزييف أو مساحيق تجميل، وكأنه عمل إبداعى هاجسه إعادة تعريف الإنسان كما هو على وضعه وطبيعته المجبولة، فى حال كُسرت عتباته الأخلاقية وأزيلت نواميسه وقوانينه وقواعده المُلجمة والصارمة. ولهذه الاعتبارات وغيرها يمكن النظر إليه كتحفة إبداعية تستحق أن تُقرأ وتُؤول، أما أمر أن تُشاهد فيكاد يكون الأمر تحصيل حاصل لا حاجة للمطالبة أو النصح به.