الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

سؤال لا نحبه ولكن ينبغى الإجابة عنه

هل جاملت «البوكر» باسم خندقجى بسبب الأسر والحرب؟

باسم خندقجى 
باسم خندقجى 

فى 7 مايو عام 2001، بعد قرابة 7 أشهر من اندلاع «انتفاضة الأقصى»، كانت السيدة سوزان حجو فى ز يارة لعائلتها فى مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

حينها كانت الأوضاع الميدانية تشهد تصعيدًا من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلى، والذى أطلق قذيفة مدفعية استهدفت المنزل الذى كانت فيه «سوزان»، وطفلتها «إيمان» التى لم يتجاوز عمرها 4 أشهر، لتصيب شظايا القذيفة الإسرائيلية الأم وطفلتها وهى فى حضنها، فتُستشهد الصغيرة، وتدخل الأم العناية المركزة.

فى تلك الأثناء كان هناك شاب يبلغ من العمر 18 عامًا، يستعد للالتحاق بجامعة النجاح الوطنية، فى قسم «العلوم السياسية» تحديدًا، قبل أن يتحول إلى قسم «الصحافة والإعلام»، وكأى فلسطينى تأثر بما حدث، ليشكل مع آخرين مجموعة سُميت باسم «طلائع اليساريين الأحرار».

تسليم الجائزه لشقيقه

استمر عمل المجموعة حتى 2 نوفمبر 2004، حين اُعتقل هذا الشاب البالغ 21 عامًا على يد قوات الاحتلال، بعد عملية «سوق الكرمل»، قبلها بـ24 ساعة فقط، والتى اتُهم بأنه أحد مخططيها، ليُحكم عليه بالسجن لـ3 مؤبدات، قضى منها 19 عامًا حتى الآن.

بطل هذه السيرة الموجزة هو باسم خندقجى، الذى حصد الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، فى دورتها الـ17، الأحد الماضى، بروايته «قناع بلون السماء».. فما قصة هذه الرواية؟ وهل تستحق تلك الجائزة؟ وما حقيقة ما يتردد أنها ظفرت بـ«البوكر» تعاطفًا مع أسر صاحبها، وعدالة قضية شعبه الأبى؟

القدس

نور وأور

«قناع بلون السماء» صدرت عام ٢٠٢٣، عن دار «الآداب» فى بيروت، ولا يعلم كثيرون أن إصدارها الرسمى جاء من القاهرة، تحديدًا فى الخامس من فبراير لهذا العام، خلال فعاليات الدورة ٥٤ من معرض القاهرة الدولى للكتاب، بحضور حشد من الأدباء والكتّاب والمناصرين لفلسطين، على رأسهم الكاتب والناقد شعبان يوسف، والروائية سلوى بكر، وبتنظيم من السفارة الفلسطينية فى العاصمة المصرية.

وبحسب ناجى الناجى، المستشار الثقافى للسفارة الفلسطينية فى القاهرة، فإن الأسير باسم خندقجى طلب «نقل تحيته للشقيقة الكبرى مصر، ومعرض القاهرة الدولى للكتاب، لاحتضان حفل إشهار روايته الأحدث (قناع بلون السماء)، التى يعتز بانطلاقها من أرض الكنانة، منهل العلم والأدب، والتى شكّلت مؤشرًا رئيسًا فى تكوينه الثقافى والفكرى منذ نعومة أظافره».

غلاف رواية خسوف بدر الدين

وتدور رواية «قناع بلون السماء» حول شاب فلسطينى يُدعى «نور مهدى الشهدى»، الباحث المختص فى التاريخ والآثار، والذى يعثر على بطاقة هوية زرقاء لشاب إسرائيلى يدعى «أور شابيرا»، داخل جيب معطف اشتراه من سوق الأغراض المستعملة، ولما كان «نور» أشقر اللون بعينين زرقاوين أخذهما من أمه التى ماتت أثناء ولادته، فإن شكله وطلاقته فى الحديث باللغتين العبرية والإنجليزية، جعلا ادعاءه بأنه «يهودى إشكنازى» يبدو سهلًا ولا يثير الشكوك.

ولدى «نور» فى أحداث الرواية صديق وحيد هو «مراد»، المحكوم عليه بالسجن المؤبد، والذى يظل على امتداد الرواية، البالغة ٢٤٠ صفحة من القطع المتوسط، يُجرى حوارات متخيلة معه، دون أن تصل رسائله إليه، إذ كان يسجلها على هاتفه، وكان يتخيل ردود «مراد» العنيفة على مواقفه، وإن كانت نابعة منه، وفق تقرير عن الرواية على وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».

الأسير الفلسطيني باسم خندقجى 

وبهويته الجديدة «الإسرائيلية»، يسجل «نور» للعمل مع مؤسسة أمريكية ستنقب عن الآثار فى مستوطنة «مشمار هعيمق»، المقامة على أراضى قرية «أبوشوشة» المُهجَر أهلها، والتى حدثت فيها واحدة من أكبر وأشرس المعارك التى جرت أثناء نكبة ١٩٤٨، وكان مبرره الذاتى الذى أقنع نفسه به هو البحث عن صندوق مريم المجدلية، ليثبت بعض الوقائع التاريخية، والتى جرت فى «اللجون/ مستوطنة مجدو»، رغم أن إحدى رسائل «مراد» نصحته بوضوح أن يتجه كخبير آثار لتأكيد ملكية الفلسطينيين لأراضى حى «الشيخ جراح»، بصفتها قضية أهم وأكثر إلحاحًا من البحث فى تاريخ مريم المجدلية.

وتحتوى الرواية على الكثير من الحوارات التخيلية بين «نور» وشخصيته الجديدة «أور»، يمتطى كل منهما خلالها حصان فكرته، ليهدد الآخر، لكن أيًا منهما لا يتنازل عن موقفه إلا فى النهاية، حين يضطر «أور» إلى السكوت، عندما يواجهه «نور» بأن الحركة الصهيونية استثمرت «الهولوكوست» وحولتها إلى منظومة أخلاقية تشرعن التطهير العرقى. ومن أجمل هذه الحوارات، عندما يطلب «نور» من «أور» أن ينظر إليه كإنسان، فيرد «أور»: «أخشى من اختفائى أنا إذا أصبحت أنت إنسانًا!».

غلاف رواية نرجس العزلة

وفى المستوطنة يلتقى «نور» مع «سماء إسماعيل»، الفلسطينية من حيفا، والتى تشارك فى أعمال التنقيب، ودائمًا ما تواجه الإسرائيليين والأمريكيين بموقفها من هويتها، وتصرخ بها بوضوح، مؤكدة أنها فلسطينية عربية، وأن الهوية الإسرائيلية مفروضة عليها، وأنها تتعاطف مع ضحايا «النازية»، ولكن ليس مع «الصهيونية» التى استغلت الضحايا لصنع ضحايا آخرين من الشعب الفلسطينى.

وحين يقرر أن يعترف «نور» لـ«سماء إسماعيل» بأنه فلسطينى لاجئ يسكن مخيمًا فى رام الله، ويسرد لها قصة الهوية، ترد عليه بأسف: «أنتظر عمرًا كاملًا للخلاص من هذه الهوية، أنت خسرت عمرك كله لترتدى هذا القناع!».

ويحلم «نور» بأنه ذهب إلى البئر التى تجاور المستوطنة، وعثر على مريم المجدلية عبر سرداب فى قاع البئر، وفوجئ بأنها تشبه تمامًا «سماء إسماعيل»، بالضوء المنبعث منها ومن مريديها، فيسجل رسالة لصديقه «مراد» مؤمنًا بموقفه المبدئى: «أظلمت آفاق روايتى المجدلية، وحلت محلها تجليات سماء».

تنتهى الرواية بخروج «نور» من المستوطنة، بعد معركة «مسيرة الأعلام» فى القدس، التى أدت إلى إلغاء عملية التنقيب بسبب الأحداث التى جرت لاحقًا، وتقف له «سماء» بسيارتها خارج المستوطنة، وتقلّه إلى رام الله، فيما هو يخرج هاتفه ويعيد برمجته من العبرية إلى العربية.

باسم خندقجى مع والدته

لا أتشبه بمن احتلنى

تتجلى حالة اغتراب بطل رواية «قناع بلون السماء» فى العديد من الأسئلة التى يطرحها مثل: «من أنا؟ من أبى؟ ما الأزقة؟ أين هويتى؟ أين ظلى؟ أين مرآتى؟ ماذا أفعل هنا؟»، إلى جانب أسئلته الكثيرة حول معاملة الأمريكيين معه، إذا كشف لهم عن وجهه الحقيقى، وهويته الفلسطينية، وفق الشاعر وكاتب قصص الأطفال الفلسطينى، خالد جمعة.

ورأى «جمعة» أن باسم خندقجى يقف فى روايته ضد مقولة «تشبّه المحتل بمن احتله»، وهو ما يظهر فى استشهاده بما كتبه الروائى الإسرائيلى أبراهام جبرائيل يشوع، فى روايته «أمام الغابات»، والتى تدور حول الغابات التى زرعتها إسرائيل لإخفاء آثار القرى المدمرة، ثم قطع لسان عربى حتى لا يفصح عن هذه القرى، لكن هذا العربى يحرق الغابة لتظهر القرى المطهرة عرقيًا من تحت الرماد.

وأضاف محرر الشئون الثقافية فى وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»: «الكثير من الرموز والإسقاطات فى رواية باسم خندقجى، لا يترك فيها انتقاداته التى مارسها فى روايات سابقة، مثل انتقاداته للتاريخ والتزوير، وللممارسات بحق المناضلين، وللعنصرية التى تتشكل بناءً على شكل الوجوه، وللحجرات والفروقات بينها، وللسجن الأصغر والسجن الأكبر، وللزيارات والرسائل السرية، وتغيير معالم الجغرافيا لخدمة فكرة مصطنعة».

غلاف رواية مسك الكفاية

واعتبر أن اتساع مدارك «خندقجى» نتيجة ثقافته العميقة التى حصل عليها بعد الحكم عليه بـ٣ مؤبدات، قد عكست نفسها على عالمه الروائى، بكل الإشارات التاريخية للأماكن والوقائع والشخصيات، وبكل التفاصيل التى يسردها عن الأمكنة والحوادث التاريخية، والقادة الذين جابوا التاريخ، من خلال جغرافية فلسطين.

ونبه إلى بعض الأخطاء اللغوية الواردة فى الرواية، وهى قليلة وكان من الممكن تلافيها، مضيفًا: «كما أن هناك تعليقًا، أظنه من وضع دار النشر، يشرح فى أسفل الصفحة عن مفهوم (أزرق أبيض)، فيقول إنه إشارة إلى علم إسرائيل، فيما هو إشارة إلى الحزب السياسى الذى يحمل هذا الاسم».

مما يشار إليه أيضًا وينبغى عدم تجاهله أن باسم خندقجى واجه تحديًا مزدوجًا، الأول يتمثل فى ظروف الاعتقال العصيبة التى لا تخفى على أحد، والثانى هو محاولة خروجه من الإطار النمطى الذى قد تضعه فيه تجربة السجن، ككثير من الأدباء والشعراء الفلسطينيين وراء أسوار سجون الاحتلال.

فلم يكتب «خندقجى» فى «قناع بلون السماء» تجربته الذاتية مع السجن والأسر والظلمة وفراق الأهل، بل تطرق إلى عناصر أساسية فى القضية الفلسطينية بصفة عامة، مثل ازدواج المعايير الغربية فى التعامل مع الفلسطينيين والإسرائيليين، وهوية «عرب ٤٨»، واستغلال الصهيونية ضحايا «الهولوكوست» لصنع ضحايا آخرين من الشعب الفلسطينى، كل هذا ببراعة فى استخدام التقنيات الأسلوبية والسردية.

باسم خندقجى 

هل جاملوه

هل جاملت «البوكر» باسم خندقجى بسبب ظروف الأسر والحرب عامة؟

سؤال لا نحبه لكن ينبغى الإجابة عليه، خاصة أنه طُرح منذ الإعلان عن القائمة الطويلة للروايات المتنافسة على «البوكر»، وزاد طرحه بعد إعلان القائمة القصيرة المكونة من ٦ روايات.

وللإجابة على هذا السؤال نستعين أولًا بما قاله رئيس لجنة تحكيم الجائزة عن الأسباب التى دفعتهم إلى اختيار رواية «قناع بلون السماء»، وأولها أن العمل «رحلة سردية متعددة الطبقات، يميزها بناء الشخصيات، والتجريب، واسترجاع التاريخ وذاكرة الأماكن».

وأضاف رئيس لجنة التحكيم: «(قناع بلون السماء) دمجت الشخصى بالسياسى فى أساليب مبتكرة»، معتبرًا أنها «رواية تغامر فى تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعى الذات، ووعى الآخر، ووعى العالم، حيث يرمح التخييل مفككًا الواقع المعقد المرير، والتشظى الأسرى، والتهجير والإبادة والعنصرية».

وواصل: «كما اشتبكت فيها وازدهت جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنسانى، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفرادًا ومجتمعات»، واصفًا إياها بأنها «رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات».

أما رئيس مجلس أمناء الجائزة، ياسر سليمان، فقال إن رواية «خندقجى» تجول فى عوالم يتقاطع فيها الحاضر مع الماضى، فى محاولات من الكشف الذى ترتطم به الأنا بالآخر. كلاهما من المعذبين فى الأرض، إلّا أنَّ أحدهما هو ضحية الآخر.

وأضاف «سليمان»: «فى هذه العلاقة، تصبح النكبة الفلسطينية نصبًا تذكاريًّا بصفتها أثرًا من آثار كارثة إنسانية لا علاقة لضحية الضحية فيها. فى نهاية المطاف، ينزاح قناع البطل بفعل سماء حيفاوية، لتطل من خلالها مريم المجدلية التى طفق البطل يبحث عنها ليحرّرها من براثن دان براون فى روايته (شيفرة دافنشى)»، معتبرًا أن «رواية خندقجى تحفر فى أعماق الأرض، لتستنطق طبقاتها مفصحة عن سرديتها بلغة عربية صافية تجافى التكلّف، وترفض الإغراق فى اجترار الوجع».

غلاف رواية قناع بلون السماء

والحقيقة أن ما قاله محكمو «البوكر» يجعل الإجابة على سؤالنا الرئيسى عن «المجاملة» بـ«نعم» جائزًا، والإجابة عنه بـ«لا» مُمكنًا، فمن خلال ما قالوه تستشعر بأن ما دفعهم لتتويج الرواية بالجائزة هى نفس المعايير التى تستند إليها الجائزة العالمية للرواية العربية كل عام، من تجريب صيغ سردية جديدة، و«تفضيل» الرواية التاريخية فى الأغلب، وتنحية الانتماءات والهويات الذاتية، وتقديم مفاهيم محددة مثل الصداقة والحب على هذه الانتماءات. لكن فى نفس الوقت يعترف محكمو الرواية بأن السياسة- فى زمن طغيان السياسة على كل شىء- كانت عامل ترجيح، وأن التهجير والإبادة والعنصرية التى يتعرض لها الفلسطينيون أمالت الكفة إلى «قناع بلون السماء».

وبعيدًا عما قاله محكمو «البوكر» أعتقد أن «قناع بلون السماء» عمل أدبى متكامل، توافرت فيه كل ما يميز رواية عن أخرى، من قصة وبناء سردى وشخصيات، والأهم التعبير عن قضية/ قضايا سياسية دون الوقوع فى فخ المباشرة أو اللغة الخطابية أو الحنجورية، أو استجداء التعاطف، بما يُمكننا معه إخراج الرواية تمامًا من دائرة «أدب الأسرى».

ونحن هنا لا نعتبر الكتابة لفلسطين، وإلقاء الضوء على أوجاع أهلها، تُهمة تستلزم النفى، بل هى واجب على كل فلسطينى أو عربى أو أى إنسان على البسيطة، نفحه الله بنفحة الكتابة، والتأثير فى الآخر بالحرف والكلمة. 

وفى كل الأحوال، يظل الروائى باسم خندقجى مواطنًا فلسطينيًا «ربطوا يديه بصخرة الموتى، وقالوا: أنت قاتل!»، لذا فلا كتابته عن فلسطين تعيبه، ولا انتماؤه إليها يُقلل من منجزه الإبداعى، وسيظل وغيره من شعراء وأدباء فلسطين حبات فى سنبلة إن جفت تملأ الوادى سنابل.