الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

مقامرة أحمد المرسى

مؤلف «الليدى مِيتسى»: التحضير للرواية استغرق عامين ونصف.. ومعركة العامية والفصحى أزلية

الروائي أحمد المرسي
الروائي أحمد المرسي
أحمد المرسى

- شعرت بالتقدير لوصول روايتى لـ«البوكر».. والرواية تختار لغتها

- أنا لا أكتب تاريخًا بل رواية تاريخية.. وشخصياتى مأزومة

- العرب يفهمون العامية بسبب المسلسلات وذاكرة السينما

عبّر الروائى والكاتب الصحفى أحمد المرسى عن سعادته بوصول روايته «مُقَامرةٌ على شرف الليدى مِيتسى» للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر»، وكونه المصرى الوحيد الذى وصلت روايته لهذه القائمة لعام 2024.

وقال «مرسى» فى حواره لـ«الدستور»، إن الرواية التاريخية، مثل روايته، لا تحكى أحداثًا حقيقية، فالرواية ليست مسئولة عن تقديم التاريخ، بل القياس عليه والمقارنة بينه وبين واقعنا، لذا يمر بطل روايته بظروف تشبه الواقع الحالى، من ظهور حرب ووباء، مؤكدًا أن فرضيات الروائيين تساعد فى فهم الواقع والماضى.

ورأى أن الوصول للقائمة القصيرة يضع مسئولية على الكاتب، فعليه أن يقدم فى المستقبل أعمالًا مهمة، مشددًا أنه تعمد كتابة الحوار بالعامية المصرية، لأن الرواية تختار لغة حوارها بنفسها.

■ ما الذى يعنيه لك وصولك للقائمة القصيرة؟ وكيف ترى تأثير هذا مستقبلًا عليك؟

- أى كاتب سيشعر بالسعادة والتقدير حال وصول روايته للقائمة القصيرة لجائزة بهذا الحجم.

الجائزة العالمية للرواية العربية، جائزة كبيرة ومهمة ومؤثرة فى العالم العربى كله، بل والشرق الأوسط بالكامل، وفى الأدب العالمى أيضًا، وأرى أن الجائزة تفتح آفاقًا للرواية، فأشعر بالكثير من التقدير.. وأعتقد أن هذا يلقى بمسئولية على المبدع، ليقدم أعمالًا أهم مستقبلًا.

■ لجأت لمفتتح تشويقى يشبه ما كتبه ألبير كامو فى روايته الشهيرة «الغريب»، فقد قال: «اليوم ماتت أمى»، وأنت قلت: «اليوم مات فوزان الطحاوى».. هل هذا مقصود؟

- فى الرواية لجأت لهذا المفتتح لكى أستخدم تقنية الـ«فلاش باك»؛ لأن الرواية ممتدة زمنيًا، وهذا يجعل الانتقال بين خطوط الدراما مرهقًا دون استخدام تقنيات مثل الـ«فلاش باك» والـ«فلاش فورود».

هذه التقنية تساعد الكاتب فى خطف القارئ وجذب انتباهه من المشهد الأول، ووضعه فى قلب الحدث بلا تمهيد، ويمكن أن تناسب عددًا أكبر من القراء؛ فأحيانًا يحب القارئ الدخول فى جو العمل مباشرة، وأعتقد أن تقنية الـ«فلاش باك» جيدة جدًا فى روايات مثل هذه.

■ أوضحت تفاصيل جميع الشخوص لتصنع لقطة سينمائية للرجوع للخلف.. هل تعتمد على «فلسفة الصورة»؟

- فلسفة الصورة مسيطرة علىّ فى جميع الروايات التى كتبتها، ففى أول رواية والتى جاءت تحت عنوان «ما تبقى من الشمس»، وهى الرواية التى فازت بجائزة ساويرس- كانت تتحدث حول فلسفة الصورة.

الصورة أراها فرصة جيدة لتجميد اللحظة أو تخليد الإنسان، فكانت الصورة عبارة عن تجميد لمشهد معين يعتبر أهم مشهد فى حياة بطل الرواية، فوزان الطحاوى، والمشهد سنجده أيضًا فى آخر الرواية يحلم به أو يستعيده.. الصورة وفلسفتها مسيطرة فعلًا علىّ، وفى الثلاث روايات التى كتبتها هناك عاملان مشتركان، هما فلسفة الموت وفلسفة الصورة.

■ فى الصحافة.. الصورة تُغنى عن الكثير من الكلام، هل تؤمن بذلك فى الرواية؟

- نعم، صحيح أن الصورة تغنى عن الكلام، وأنا استفدت من مضمون الصحافة الكثير، والصورة تخبر قصة بالكامل، وكأننا نقول إن الرواية كلها شرح للصورة التى ظهرت فى البداية.

■ لماذا كتبت على مؤلفك رواية سينمائية؟

- فى الرواية توجد مشهدية سينمائية، وأحيانًا العالم الروائى هو ما يفرض التقنيات المصاحبة له، لكن المشهدية توجد فى هذه الرواية فقط ولا توجد فى أعمال أخرى، وأنا أعتقد أن هذا أمر لا يتحكم به الكاتب، تمامًا مثل الحوار العامى الموجود فى الرواية، فهنا فرض «الحوار العامى» نفسه تمامًا، ومن الممكن ألا يفرض نفسه على أعمال أخرى أكتبها.

■ على ذكر «الحوار العامى».. ألم تقلق من أن يصادف القارئ العربى ما يعوق رحلته؟

- إننى لم أختر الحوار العامى للرواية، بل الرواية نفسها هى التى اختارت.. الحوار العامى مصدر خلاف منذ زمن؛ فمثلًا توفيق الحكيم كان يكتب الحوار بالعامية، بينما أديب نوبل نجيب محفوظ كان يكتبه بالفصحى، ويرفض الكتابة بالعامية.

الرواية هى التى تختار لغة الحوار، والحوار العامى أعجب الكثيرين هنا فى مصر، ونجح فى بلورة الشخصيات والتعريف بها وبلسانها، وأعتقد أن المنطقة العربية تعرف اللهجة العامية المصرية من خلال العديد من الأمور، منها المسلسلات التى تصدر من مصر للخارج وتدور بالعامية، فضلًا عن ذاكرة السينما، وهذا يسهل فهم الأمور تمامًا.

أنا كتبت الرواية فى البداية للقارئ العربى، ولا أعتقد أن العامية ستقلل منها حين تقرأ أو تترجم، لأن البناء السردى الخاص بها قوى جدًا، ولن يكون هناك اختلاف بالتأكيد.

■ من الواضح أنك قرأت كثيرًا عن هذه الفترة من الزمن فى مصر.. ما الذى فعلته للتحضير للرواية؟

- التحضير للرواية استغرق نحو عامين ونصف العام، فالبحث يعتبر بطل الرواية؛ لكى أبنى العالم كاملًا.. كنت أخلق عالمى على مهل، وكأننى مخرج أبنى العالم بكل تفاصيله.

كان لا بد من معرفة كل تفاصيل العالم قبل البدء فى بنائه، لكى يخرج العالم فى أكمل صورة، ودائمًا أنا مؤمن بأن الكاتب عليه أن يعتاد العالم الذى خلقه على الورق، لأنه بعد وقت ستأتى فترة يتحدث عنه أو يكتب فيه فيصدقه القارئ، وهناك تفاصيل بسيطة يتعب الروائى فيها لكى يصدقها القارئ.

القارئ لو لم يصدق العمل ويعيش أجواءه فإن الرواية ستفشل بالتأكيد، لا بد أن يدخل الروائى فى عالمه بشكل كأنه يعيشه، لأن الانبهار والدهشة يظهران فى العمل فيشعر القارئ بأن الكاتب مثله، يكتب عن فترة ويعبر عنها بدهشته حينًا وانبهاره حينًا آخر، وأدباء كثر يقعون فى هذا الفخ، يكتبون فينبهرون، فيظهر هذا الانبهار للقارئ فلا يصدق العمل.

■ لماذا أوردت بعض المفردات التى اختفت تقريبًا مثل لمبة نمرة خمسة والجرامافون؟

- لتحقيق المعايشة، فحين تنخرط فى دراسة حقبة زمنية لمدة عامين فكأنك عشت هذه الفترة، وأصبحت إحدى شخصياتها ومفرداتها، وكأنك أصبحت تعرفها مثل كف يدك، ومع التكرار يحدث الاعتياد فتكتب وكأنك تعيشه.

■ كيف بنيت اللغة فى «الليدى ميتسى»؟

- اللغة فصحى، وحاولت فيها أن أجعل لكل شخصية لغتها الخاصة باختلاف المنشأ والبيئة، ولذلك اعتمدت على العديد من المصادر فى هذا الشأن، فلهجة القاهرة اعتمدت فيها على الحوليات التى كتبت فى بدايات القرن العشرين، ومسرحيات قديمة مثل مسرحيات يعقوب صنوع، وأخرى مثل كتاب «مذكرات عربجى»، الذى حققه الكاتب الصحفى الكبير صلاح عيسى، وكل هذا تمت كتابته بالعامية بنت عصرها.

وبالنسبة للهجات الأخرى، مثل لهجة الطحاوية، فاعتمدت على «المجاريد» وأبيات الشعر التى كانت تكتب فى هذه الفترة، وجرى استخلاص الكلمات المناسبة، لدرجة أننى كونت لغة خاصة أتحدث أنا بها فى العالم الروائى، وفى نفسى أقدر أتحدث بها.

■ خلاف التقنيات الروائية.. كيف استفدت من الصحافة فى مهمة الاستقصاء؟

- استفدت من الصحافة مثل الكثير من الكتاب الذين استفادوا منها فى كتابة الرواية بهذه الأشكال.

كنت أحاول الفصل بين الكتابة الصحفية والكتابة الروائية، لأن لغة الأدب مختلفة تمامًا عن الصحافة، ومليئة بالجماليات والعبارات الرهيفة بحسب الشخوص وتعبيرها، وتقترب من لغة الشعر.

■ على ذكرك الشعر.. هل على الروائى أن يقرأ الشعر لتهذيب لغته؟

- أريد أن أقول هنا إنه ليس شرطًا أن يكون الروائى شاعرًا أو قاصًا، وليس شرطًا أن يكون الشاعر على دراية بأمور الرواية، ولكن على الأقل كل هذه الأجناس الأدبية تتفاعل مع بعضها بشكل أو بآخر.. ليس مهما الدراية الكاملة بهذا الجنس الأدبى.

قراءة الشعر مفيدة جدًا، وسوف تؤثر على لغة الكاتب وتحسنها بالتأكيد، ونحن فى المنطقة العربية مشهورون بالشعر، كما أن كتابة القصة تفيد كثيرًا فى تكثيف العمل الروائى واختزاله وإزالة ما ليس مهمًا، ولكن لا يشترط أن يكون الكاتب مُجيدًا كل هذه الأمور.

■ الرمز فى الرواية، مثل الخيل والمراهنات التى كانت بين الديكة فى الفصل الأول ودخول الرجلين كأنهما فى صراع حولهما لحيوانات.. ما سبب اختيار تلك الرموز؟

- الكاتب لا يفصح عن رمزية أو تأويل، أنا أكتب ويقتصر دورى على هذا، وللقارئ الحق فى رؤيته.

أما فى صراع الديكة، فأحيانًا الواقع المأزوم هو ما يدفع الجميع لهذه الأمور، «سليم حقى» كان يعيش مأزومًا، وأجبره وضعه على هذا، وتحول.. هذه هى تيمة الرواية، أن تقوم الظروف بتحويل الإنسان إلى شخص آخر لا يعرفه، ومن حال لحال، ويبقى متعلقًا بالأمل والأمنيات، والظروف تتفنن فى تحويل الناس من طبيعة لطبيعة أخرى تمامًا، لم يكن يرى مسبقًا أنه سيكون فيها.. فى مشهد صراع الديكة بالذات كان تحول المتصارعين يشبه الحيوانات، فقدا العقل بالكامل.

■ هل المجتمع وحده فى رأيك هو المسئول عن هذه التحولات؟

- ليس المجتمع فقط بالطبع، لكنها الظروف الخارجية أيضًا.. الحروب مثلًا، وما تسبب فى تدهور حياة «سليم حقى» هو الحرب العالمية الأولى وثورة ١٩١٩ وظروف سياسية أخرى كبيرة، خنقت أبطال الرواية.

الشخصيات الأربع فى الرواية من خلفيات اجتماعية مختلفة تمامًا، فيهم الأفندى وفيهم ابن البلد وفيهم الأجنبى.. الأربع شخصيات مختلفة، لكن الهم المشترك واحد، مشترك فى الإنسانية مع اختلاف الطبقات الاجتماعية والمستوى التعليمى والجنسية نفسها، فالألم الإنسانى شامل وعالمى ويشعر به الإنسان ويتخطى حاجزىّ الزمان والمكان.. الألم الذى كانت تشعر به الشخوص هو ذاته نفس الألم الذى نشعر به، منْ من البشر لم يشغله فكرة الموت، ننساه لحظة لكنه يفرض نفسه علينا.

■ ماذا وراء شخصية «الليدى ميتسى»؟

- هل ليست شخصية حقيقية، خيالية بالكامل، وأنا لا أكتب تاريخًا، لكن أكتب رواية تاريخية، وبالتالى فالمنطقة التى تدور بها الأحدث تحتفظ بأحداثها، ولكن كلها شخوص مختلقة ولا توجد شخصية حقيقية واحدة.

الأبطال ليسوا واقعيين، والشخصيات التاريخية تكون فى خلفية العمل مثل سعد زغلول والطحاوى سعود وأحمد عرابى.. أبطالى الفاعلون أشخاص عاديون مثل أى إنسان فى الحياة، تجمعهم هموم واحدة، والليدى ميتسى خيالية وكانت أكثر شخصية فاقدة الأمل، أو أنها تبحث عن أمل لن يتحقق، وهى نفسها تعرف أنه لن يتحقق، ولكن ما زالت متعلقة به، وهى أكثر شخصية عبرت عن الرواية، لذلك هى أكثر شخصية استحقت أن يوضع اسمها على غلاف الرواية، وتكون عنوانًا لها.

■ فى الأخير، إشكالية الرواية التاريخية التى تخرج من حين لآخر كيف تراها؟

- أنا أرى أن التاريخ وفلسفته وهو تجربة منتهية، نتعلم منها ونقيس عليها ظروفنا الحالية، وهذه أهمية الرواية التاريخية، التى تتحدث عن تجارب تاريخية تمت ويسهل علينا قياسها واختبارها ومعرفة نتائجها، وهذا يفيدنا فى تاريخنا المعاصر، لو جئنا للظرف الذى عاش فيه «سليم حقى» وأبطال الرواية، سوف نجد أنه ظرف مأزوم وهناك وباء شديد يعصف بالعالم، ومع بداية القرن العشرين نفس الظروف، حروب تمزق العالم وثورة يناير، ووباء الكورونا الذى عصف بالعالم، نفس الألم، «سليم حقى» بعد ثورة ١٩١٩ يتم رفده من عمله ويواجه مصاعب الحياة، وهنا ما بعد كورونا رأيت مدى خفض العمالة فى المؤسسات الرأسمالية وتخفيض الرواتب.

نفس المأساة التى عاشها «سليم حقى» يعيشها أشخاص معاصرون، فالتاريخ يعيد نفسه، واللجوء للتاريخ فى الرواية يكون من أجل قياس الزمن الحاضر والتعلم من التجربة.