الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

خاتم سليمى

الروائية السورية ريما بالى: المبدع الحقيقى لا ينتظر التجارب تأتى إليه بالصدفة بل يسعى إليها أو يخترعها أحيانًا

الروائية ريما بالي
الروائية ريما بالي
الروائية السورية ريما بالى

- شخصيات «خاتم سليمى» شريحة من جسد العالم اقتطعتها وألقيت بها فى هذا النص

- أقول للقارئ المصرى: «أنا مثلك أحب الجمال وأقدّره وأتمنى أن تجد شيئًا منه فى أعمالى»

- رواياتى تأثرت بحياتى فى إسبانيا فاستسلمت راضية لهذا التأثير واستعملته

- الجوائز تفتح الأعين على أعمال الكاتب وتجعله يشعر بأنه لم يكن شمعة احترقت بلا جدوى

تحمل الكاتبة السورية «ريما بالى» حلمًا أو رؤية شفافة وشاعرية ومسالمة للعالم، ربما يظن البعض أن هذه رؤية يوتوبية، لكن بالنظر إلى ما عاينه الإنسان السورى من أهوال جراء ما حدث فى بلاده، فإن رؤية صاحبة «خاتم سليمى» التى وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر»، ليست أكثر من احتياج أو ضرورة إنسانية ملحة فى عالم يموج بالآلام والمآسى.

ولـ«ريما بالى» تصورات خاصة عن الكتابة، فهى بالنسبة لها طريق يشقه الإنسان للوصول إلى فهم أكثر عمقًا للحياة، وهى تتعامل مع الرواية التى تكتبها كأنها لآلئ نادرة ونفيسة، تنحتها لتصنع منها أجمل الحلى والعقود والخواتم.

ولدت «ريما» فى حلب عام 1969، ودرست الاقتصاد فى جامعتها، وعملت فى مجال السياحة والفنادق، وعاشت أهوال الحرب خلال سنواتها الثلاث الأولى، ثم غادرت سوريا عام 2015، وتقيم حاليًا فى العاصمة الإسبانية «مدريد». 

«حرف» حاورت ريما بالى، حول رؤيتها للحياة والعالم، ولشخصيات رواياتها، وفكرتها عن الجوائز والكتاب الملهمين، وأشياء أخرى.

■ بداية.. كيف تقدمين نفسك للقارئ المصرى؟

- القارئ المصرى جميل ويحب الجمال، ولعل أفضل طريقة يتعرف بها علىّ هى قراءة أعمالى، فأنا شخص، مثلى مثل أى أحد غيرى، ما يميّزنى ويعرّفنى هو قلمى ورواياتى، والسؤال المهم الذى أقلقنى عند نشر روايتى «خاتم سليمى» فى مصر، عن دار «تنمية»، هو: كيف أشجع القارئ المصرى على قراءتى؟

القارئ المصرى يتسم بالوفاء لكتّاب وطنه، ولن أقول تعصبًا، بل وفاءً نابعًا من عاطفة جارفة وامتنانًا وتقديرًا للكتابة الجميلة.

باختصار أقول للقارئ المصرى: أنا مثلك أحب الجمال وأقدّره ومخلصة له، وأتمنى أن تجد شيئًا منه فى أعمالى.

■ أبطال روايتك «خاتم سليمى» خليط من أجناس وأديان مختلفة.. ما القاسم المشترك؟ وكيف استطعت خلق تناغم بينها؟

- ما بين الشخصيات فى «خاتم سليمى» لم يكن دائمًا تناغمًا، بل، وفى مقاطع كثيرة من الرواية، تجدين تنافرًا واختلافًا أيضًا، هم شريحة من جسد هذا العالم اقتطعتها وألقيت بها فى هذا النص ونسجت من حولها خيوط الحبكة التى وجدت أنها تناسب الأفكار التى أردت التعبير عنها، وقد اشترك كل من التناغم والتنافر فى إيضاح الصورة المنشودة للعمل.

■ تعيشين فى إسبانيا.. هل تأثرت بمناخها فى كتابة الرواية وخلق أبطالها والصراعات فى أحداثها؟

- الإنسان ابن بيئته طبعًا، بالتأكيد تأثرت رواياتى بكونى أعيش فى إسبانيا، واستسلمت راضية لهذا التأثير واستعملته، فالثقافة الإسبانية بمجملها ثقافة غنية ومبهرة، ووجدتها مناسبة لتطعيم أعمالى التى تستند أصلًا إلى ثقافتى الأم وتنضح بها سطورى.

■ وصلت روايتك لقائمة البوكر القصيرة.. إلى أى مدى تؤثر الجوائز الأدبية على الكاتب وإبداعه؟

- الفضيلة الأهم والأكبر للجوائز أنها تقدم اسم الكاتب للقراء، ثمة عشرات من الكتّاب المبدعين لا يعرف بوجودهم إلا القلائل، وهى ليست غلطة القارئ الذى يتوه ويحتار فى زحام الإصدارات الكثيرة.

الجوائز تلقى الضوء على الكاتب وأعماله، فتشحذ حماسته للإبداع والتطوير وتقديم المزيد. ثمة اقتباس ينسب إلى موراكامى يقول: «أشعر بخيبة شمعة احترقت لتضئ غرفة أعمى»، وهذا بالضبط ما يشعر به الكاتب الذى يعمى القارئ عن أعماله، الجوائز تفتح الأعين لتلتقط النور، فتنتعش الشمعة إذ تدرك أن احتراقها لم يكن بلا جدوى.

■ مَنْ من الكتّاب المصريين المعاصرين والراحلين قرأت لهم؟ وهل تأثرت بأحدهم؟

- لا يختلف اثنان على أن الأدب المصرى عريق ورائد وله بصمات مهمة فى وجدان من فى جيلى، فى سنوات مراهقتى الأولى اكتشفت سحر الرواية من خلال فخامة نجيب محفوظ وجاذبية إحسان عبدالقدوس، «على سبيل المثال لا الحصر»، ثم قرأت أيضًا لكثيرين غيرهما بما يطول ذكره، وعلى الرغم من تكاثر أعداد المتطفلين على هذا الفن الرفيع فإن مصر ما زالت تقدم للأدب العربى روائع لا تُنسى لكتّاب من مختلف الأجيال، أعتذر عن ذكر أسماء محددة فهم كثر وكل واحد منهم عزيز على قلبى لسبب أو لآخر، فقط أحب أن أنوه إلى عشقى قلم الراحلة الباقية رضوى عاشور.

■ ذكرت فى لقاء خلال مناقشة «خاتم سليمى» أن بداخلك عديدًا من الشخصيات تظهر فى أبطال رواياتك، إلى أى مدى يسقط المبدع تجاربه وقناعاته ورؤيته للعالم على أبطاله؟

- عمومًا يعتمد الكاتب إلى مدى كبير على إسقاط تجاربه وقناعاته ورؤيته على شخصيات وأحداث رواياته، وهذا لا يعد إبداعًا، إن كانت تجاربه فقيرة وقناعاته صارمة وزاوية رؤيته ضيقة، فالرواية الجيدة ليست كتابًا عن الكاتب نفسه، بل حياة مبتكرة بحد ذاتها غنية بتنوع أحداثها وشخصياتها. برأيى أن الملكة الأساسية للمبدع هى قدرته على امتلاك أكثر من شخصية، أو تقمص أكثر من شخصية بالأصح، ما يمكنه من تخيل وتشكيل قناعات ورؤى مختلفة باختلاف الشخصية، الأمر الذى يغنى النص ويبث فيه الحياة.

المبدع الحقيقى لا ينتظر التجارب لتأتى إليه بالصدفة ليتعلم منها ويسقطها، بل يسعى إليها بنفسه، يتخيلها أو يخترعها أحيانًا، يعيشها ويستقى منها قناعات لم تكن تخطر على باله، وجهات نظر ورؤى يخزنها وجدانه ليسقطها على الشخصية المناسبة فى مكانها المناسب أثناء كتابته. وهذا ما قصدته بقولى «فى داخلى عديد من الشخصيات».

■ إلى أى مدى يحمى التنوع والتعدد المجتمعات من شبح التطرف والإرهاب؟

- التنوع والتعدد لا ينفعان ما لم يقترنا بالوعى المناسب والقدرة على تقبل الآخر واختلافه، بل على العكس يصبحان قنبلة موقوتة قابلة للانفجار بأى لحظة تحت أى ضغط خارجى، وهذا ما يعوّل عليه ويلعب به صنّاع الإرهاب والتطرف.

أولى خطوات الوعى أن يعرف المرء ذاته قبل أن يكتشف جاره المختلف، وأن يعى أنه «بانتماءاته المختلفة» ليس غاية الكون ومركزه والنخب الأول بين البشر والمخلوقات، وكما كنت قد ذكرت سابقًا، وهو اقتباس من رواية «ناى فى التخت الغربى»: «نحن لسنا على اختلافنا إلا مجرد حبات رمل متناظرة على شاطئ هذا المحيط، وحين تأتى الأمواج تجرفنا جميعًا».

■ بم تفسرين انتشار الرواية التاريخية خلال العقد الماضى؟ وهل للجوائز الثقافية دخل فى الأمر؟ وهل «خاتم سليمى» تنتمى لهذه النوعية من الروايات؟

- أظن أنها الرغبة فى إيجاد إطار جديد للرواية، ومنفذ ذكى وآمن لإسقاط أفكار كانت لتخرج جريئة و«خطيرة» إن كان إطار الرواية معاصرًا، وفى قصص التاريخ دائمًا ثمة ثراء وجمال مغريان للكتّاب والقراء على السواء. أما «خاتم سليمى» فلا أصنفها بالرواية التاريخية، هى معاصرة بامتياز على الرغم من كونها مطعمة ببعض الحكايات والأساطير القديمة.

■ خلال رحلتك الأدبية.. مَنْ أقرب شخصياتك الروائية إلى قلبك؟

- سأجيبك بكليشيه: «كلهم أبنائى وأحبهم»، لأن كل شخصية منهم تحمل شيئًا منى وقطعة من عمرى ووجدانى.. سأستعير جملة: صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يصح وغائبهم حتى يعود.

■ بدءًا بتكون فكرة العمل الأدبى وصولًا لصدوره، ما الطقوس التى تحرصين عليها؟ وهل لك عادات ثابتة فى الكتابة؟ 

- فى البدء أدخل مرحلة البحث والاستقصاء، لبناء الهيكل العام للرواية، ثم وأثناء الكتابة، تعترضنى «أو تنبثق حسب مجرى السرد» أحداث أو شخصيات لم تكن فى الحسبان، تفرض علىّ مزيدًا من البحث والاستقصاء والدراسات، وهكذا.

أما بالنسبة لطقوسى، فأنا لا ألتزم بمواعيد ثابتة ومتماثلة، قد أكتب فى الليل، وأكتب فى النهار، بمرافقة موسيقى جيدة «كلاسيك أو جاز أو بلوز» وبعض الشموع إذا كان الوقت ليلًا، وأحيانًا أذهب فى الفترات الصباحية لأكتب فى مقهى صغير وساحر فى مدريد هو متجر للزهور فى نفس الوقت، موسيقاه جميلة، ويقدم فطورًا أندلسيًا لذيذًا.

■ كيف ترين مستقبل الكتاب الورقى فى ظل المنافسة التى يلاقيها من وسائط قراءة ونشر عديدة؟

- أنا شخصيًا أفضل الكتاب بكل انحياز، وأحب شكل الكتب المكدسة على الرفوف، ومتعة قلب الصفحة أثناء القراءة، لكننى أحترم أيضًا ذائقة مَنْ يفضل القراءة الإلكترونية.

بالنسبة لمستقبل الكتاب الورقى، فلا تقلقنى كثيرًا هذه المسألة، أنا أعرف أن ثمة الملايين مثلى ما زالوا يعشقون ملمس ورائحة الورق، وأثق أنه طالما أنا وهم هنا، فالكتاب باقٍ، أما بالنسبة للمستقبل، حين لن نكون بعد موجودين، فلن أصادر رؤية الأجيال القادمة واختيارها شكل وطبيعة كتبها، الحياة تتغير، ودائمًا التغير يحدث لسبب وجيه مقنع يفرضه الواقع الجديد والجيل الجديد، وقد يرفضه المتشددون دون أن يستطيعوا الوقوف فى وجهه، فى نهاية الأمر لكل زمن أدواته وناسه، المهم عندى أن تستمر الأجيال فى القراءة، فى بناء الفكر وتجديده وتغذيته، بغض النظر عن الطريقة التى يتم بها ذلك.

■ إلى أى مدى تأثر المبدع السورى بمجريات وطنه منذ عام ٢٠١١؟

- إلى مدى بعيد، فما مر على بلادنا لم يكن مجرد «مجريات»، هو حدث كابوسى طويل الأمد استطاع أن يحرض الإبداع الكامن داخل البشر الذين وجدوا أنفسهم فجأة ضمن فانتازيا سريالية محكمة الحبكة وعصية على الفهم والإدراك، فكان الإبداع، كرد فعل صارخ فى وجه الظلم، مشبعًا بالألم والتمرد والحياة الرافضة للموت.

■ هل فكرت فى تقديم أى من أعمالك الأدبية سينمائيًا أو تليفزيونيًا؟

- لم يسبق لى خوض هذه التجربة بعد، ولا أعرف، من الممكن أن أقوم بخطوة كهذه فى المستقبل.

■ كيف جرت ترجمة روايتك «غدى الأزرق» الصادرة عام ٢٠١٨ للإسبانية؟ وما مدى انتشار الأدب العربى فى إسبانيا؟

- «غدى الأزرق» بنسختها الإسبانية صدرت فى الصيف الماضى، وترجمتها الدكتورة الأكاديمية فيكتوريا خريش زوريا، وقد أحدثت صدى جميلًا ومشجعًا فى أوساط القراء الإسبان لعدة عوامل تتعلق بالرواية ذاتها.

عمومًا، الرواية الجيدة تفرض نفسها بغض النظر عن ثقافة الكاتب والمتلقى، فالفن لا قومية له إلا الفكر الجيد والجمال.

■ ما الذى تحلمين بتحقيقه على المستويين الإنسانى والإبداعى؟

- الأمنية الأولى الآن أن تتوقف المأساة فى غزة، وأن يستعيد الفلسطينيون والسوريون معهم حياتهم الطبيعية والمستحقة وحقوقهم الضائعة والمستلبة، أما عن أحلامى: فعلى المستوى الإنسانى الأحلام كثيرة ومتنوعة، لكن أهمها طبعًا السلام لقلبى ولعائلتى ولوطنى وللعالم كله، على المستوى الإبداعى أحلم دائمًا بالتجديد، بتقديم عمل فيه من الجمال والابتكار والأفكار المهمة ما يقنعنى ويجعلنى فخورة وراضية، وأن يجد طريقه إلى القراء بكل اللغات وفى كل أنحاء العالم.. وسيبنى أحلم.. سيبنى.

■ ما مشروعاتك الإبداعية المقبلة؟

- لم يتضح الهيكل بعد، عندى بعض الأفكار التى تتصارع حينًا وتتغازل حينًا آخر داخل وجدانى لرواية جديدة، لا أعرف متى ستقرر الخروج.