الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

محاكمة «دجاج الأدب»

خليل النعيمى: عواطلية الأدب «يبيضون كُتبًا» من أجل الجوائز

خليل النعيمى
خليل النعيمى

هو عالم من الدهشة والغرابة والتغريب، كتب الشعر فى مدينة «الحسكة» السورية، التى شهدت ميلاده وبزوغ موهبة أججتها التطلعات القومية وقت المجد العربى، لذا دائمًا ما يقول على نفسه: «أنا ابن الجمهورية العربية المتحدة». ورغم هذه «النشأة القومية»، لم يكن أبدًا ذلك «الأيديولوجى» المنغلق على ذاته، بل كان له كل ما أراد، بداية من دراسة «الطب»، ثم حصوله على دكتوراه فى «الفلسفة« من جامعة «السوربون» الفرنسية العريقة. قدم أكثر من 10 أعمال روائية وديوان شعر، ولا يرى فى «الجوائز الدولارية»، على حد قوله، إلا ترهات، مشددًا على أن هذه الجوائز أظهرت ما يمكن أن نطلق عليه «دجاج الأدب»، الذين أصبحوا «يبيضون كُتبًا» من أجل نيل ما وراء تلك الجوائز من أموال سخية.

إنه الدكتور خليل النعيمى، الروائى السورى الذى يعتبر القاهرة موطنه وقبلته وعشقه المنفلت بلا حدود، ويحكى فى حواره التالى مع «حرف» محطات من رحلة تمتد على مدى أكثر من 5 عقود مع الكتابة والسفر.

■ رحلتك مع الكتابة بدأت منذ أربعة عقود ويزيد.. كيف ترى صدى هذه الرحلة؟

- رحلتى مع الكتابة بدأت أول الأمر شعريًا، حينما كنت طالبًا فى الثانوية، وإلى أن بدأتُ الدراسة الجامعية فى كليتى «الطب» و«الفلسفة» بجامعة دمشق العريقة. صدر لى أولًا ديوان شعر بعنوان: «صُوَر من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث». كان ذلك أواخر ستينيات القرن الماضى.

بعد فترة قصيرة من صدوره، صودر الديوان ومُنع تداوله، فتوجهت إلى الرواية، بشكل عفوى تقريبًا، وفى أوائل السبعينيات، صدرت لى أول رواية بعنوان «الرجل الذى يأكل نفسه»، عن «دار العودة» الشهيرة فى بيروت آنذاك.

مُنعت الرواية هى الأخرى، فى سوريا، قبل أن تصدر فى القاهرة، فيما بعد، عن دار «الثقافة الجديدة»، ثم عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. قبل ذلك، كنت قد صرت فى باريس، حيث تخصصت فى الجراحة، وحصلت على «ميتريز» فى الفلسفة المقارنة من جامعة «السوربون»، واستمرَّت الحياة.

■ تحدثت من قبل عن حتمية أن يكون عشق الكاتب للكلمات وليست للشخوص ولا القراء، كيف يكون ذلك، وما دوافعك للكتابة إذن؟

- الكاتب مسئول أمام الكلمات، وليس أمام القراء، هذا ما قلته أنا بالتحديد. فالكتابة ليست علاقة اجتماعية، وإنما هى نقْد لهذه العلاقة وتفكيك لها، إن لم نقلْ: «تخريبًا». لماذا؟ لأن الكاتب، حسبما أتصور، هو الضمير الحى للمجتمع.

وبالتالى، على الكاتب ألا يقدم أى تنازل، لا فى لغته الروائية، ولا فى علاقته الإبداعية مع العالم الذى يحيا فيه، أو يكتب عنه، وهو ما يفرض عليه، فى مثل هذه الحال، أن يتخلص من «سطوة المقروئية» التى هى حلم كل كاتب فى الحقيقة، لكنها كثيرًا ما تكون حلمًا شديد الرداءة، وحتى يمكن له أن يكون قاتلًا للمبدع وللإبداع.

■ هل ينتهى حلم الكاتب بالخلاص الوجودى أو النفسى أو الروحى، مع الانتهاء من كتابة نصه الأدبى؟ 

- لا، هو يبدأ من جديد بعد الانتهاء، لأن الكتابة شهوة، إنها نوع من شهوة الوجود، والشهوة لا تنتهى، وإنما تتجدد باستمرار، وإلاّ لكتبنا كتابًا واحدًا، وأنجبنًا ولدًا واحدًا، ولضاعت المعرفة الإنسانية، بدلًا من أن تستمر وتتراكم وتغنى تجربة بعد أخرى.

■ عن السفر والغربة والتغريب دارت روايتك الأخيرة «زهر القطن»، كيف ترى الفارق بين المسارات فى سرديتك العميقة، وحياتك الواقعية فى دروب الحياة؟ 

- رواية «زهر القطن»، الصادرة مؤخرًا عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» فى بيروت، تؤكّد أن الكائن مهما فعل، يظل مرتبطًا بعمق بالبيئة الأولى التى نشأ فيها. لكنها من جهة أخرى تثير أهمية السفر، أو الرحيل عن المكان، من أجل النظر إليه بعين الأمكنة الأخرى التى نسافر إليها.

فالمكان ليس بساطًا جغرافيًا مرميًّا أمام الكائن، وإنما هو ثقافة بالدرجة الأولى. ولأنه ثقافة، فهو من هذا المنظور، لا يمكن له وحده أن يشبع رغبة الكائن المعرفية، تمامًا مثل العلاقة الجسدية، حيث لا يمكن لكائن واحد أن يكفى وحده كائنًا آخر.

■ وماذا عن «مفهوم الغربة» السائد فى اللسان العربى؟

- هو مفهوم يائس وبائس فى نظرى، لأن السفر بالنسبة لى هو أولى عتبات المعرفة الإنسانية، وكما قال «بابلو نيرودا»: «مَنْ لا يسافر فهو ميت»، نحن نكبر مع الأمكنة الجديدة، ونتغيّر فيها أيضًا، ومع ذلك لا نتخلّى عن أمكنتنا الأولى، التى نصير نركُها بشكل آخر، نقديّ وفاضح.

■ بذكر المكان والسفر... متى بدأت علاقتك بمصر؟

- أول مرة زرت القاهرة، فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، أصبتُ بالذهول، ظللت أمشى فيها طول الليل تقريبًا، أمشى وحيدًا محاطًا بالبشر والغبار، وأنا أردد: «تشريح العالم... تشريح العالم».

لم تكن القاهرة تبدو كمدينة، وإنما مثل كون عصىّ على الإدراك، لذا عندما كتبت نصوصًا حولها، فيما بعد، منها «القاهرة الليلة الأخيرة»، التى نشرت فى «أخبار الأدب» القاهرية، و«القاهرة مقهى ريش»، وغيرها من النصوص، لم أكن قد تخلّصت نهائيًا من صدمة الوصول الأول إلى القاهرة.

■ ما مكانة مصر/ القاهرة فى عقل وقلب ووجدان الكاتب خليل النعيمى؟

- شيئًا فشيئًا حَلَّت القاهرة فى قلبى محل دمشق، التى لا أستطيع زيارتها، ومصر أو القاهرة، منذ زمن بعيد، صارت موطنى وقبلتى وعشقى المنفلت بلا حدود، فأنا من جيل الجمهورية العربية المتحدة.

■ أىٌّ من الكتاب المصريين الأقرب لعالم الكاتب الروائى/ الطبيب خليل النعيمى، إنسانيًا وإبداعيًا؟

- ثقافتى فى الأساس مصرية، أو هى فى أغلبها كذلك، ومن محاسن الغربة، أنها يمكن أن تجمعنا مع مَنْ نحب. فى باريس، عشت مع صُناع الثقافة العربية، التى أثّرت فى بعمق، وأكثرهم كانوا من مصر، مثل: محمود أمين العالم، وغالى شكرى، وألفريد فرج، وأحمد عبدالمعطى حجازى، وأديب ديمترى، وجورج البهجورى، وعدلى رزق الله، وآدم حنين.

فيما بعد، فى القاهرة، التى صرت أتردد عليها باستمرار، التقيت وأحببت الكثيرين من أساتذة الإبداع والأدب والفكر العربى الحديث، ومنهم على سبيل المثال: لويس عوض، ويوسف إدريس، وجمال الغيطانى، وإبراهيم أصلان، وإبراهيم عبدالمجيد، وسعيد الكفراوى، وإدوار الخراط، وجابر عصفور، وسمير سرحان، وأحمد فؤاد نجم، ومحمد عفيفى مطر، وهناك آخرون لا تحضرنى الآن أسماؤهم، فليعذرونى.

■ فى عناوينك الروائية كافة، هناك غلبة للعناوين الكلاسيكية، وهذا رغم حداثة وما بعد حداثية الطرح الفنى.. أيعتبر هذا موقفًا من تيارات الحداثة؟

- عناوين كتبى ليست كذلك أبدًا. خذْ مثلًا: «القطيعة» وتفريغ الكائن، والخُلَعاء، والشىء، ومديح الهرب، ولو وضعتم الشمس بين يدى، وقَصّاص الأثَر»، وغيرها من العناوين. وبشكل عام، الكاتب لا يضع عنوان كتاب له حسب موقفه من الحداثة أو الدين أو الأخلاق. أما بالنسبة لى شخصيًا، فإن عنوان الكتاب هو نفسه كتاب، كتاب مستقل عن النص، وإن كان يمكن أن يوحى ببعض مادته.

■ كيف يرى المبدع خليل النعيمى ظاهرة كثرة الجوائز العربية؟ وكيف يرى أصداءها على الكاتب والكتابة؟ 

- المشكلة ليست فى الجوائز، المشكلة فى السلطة التى تمنحها. أنت تعرف أنه بعد تفتيت البلدان العربية المركزية ذات التاريخ العريق، المتشكلة منذ آلاف السنين من طبقات وأجناس وثقافات وإثنيّات متعددة، ولها بُعْد حضارى قديم، قديم جدًا، ودور ثقافى راهن أيضًا، مثل سوريا والعراق واليمن، وكذلك السودان وليبيا- برزتْ فى العالم العربى فجأة، دول صغيرة محدودة ثقافيًا، بلا طبقات منتجة، لكنها متخمة بالدولارات، دول مستهلكة فقط.

أخذت هذه الدول، بقوة دولاراتها وجوائزها السخية، تسيطر على المشهد الثقافى العربى، فاستجابت طوابير الكتَبة والأكاديميين و«العاطلين عن العمل أدبيًا» لإغراءات الجوائز المُجزية، فصار «دجاج الأدب» يبيض كتبًا من أجلها، و«اختلط الحابل بالنابل».

■ إذن ما موقفك الشخصى من تلك الجوائز إن كان هذا هو تفسيرك؟

- أنا شخصيًا أدعم نزْعَة «من أجل أدب بلا جوائز»، وأتصوّر أن مستقبل الأدب العربى ليس فى «أدب الجوائز البرّاقة»، وإنما فيما يبدعه الكتاب المتحررون، الذين لا يَلْهثون راكضين خلف هذه الجوائز، وأضوائها التى ستخبو قريبًا.

المشكلة الأساسية، فى نظرى، ليست فى عدد القراء، ولكن فى نوعية ما يقرأون، وجوائز تلك الدول سالفة الذكر، لا تهمها النوعية، بقدر ما يهمها تصنيع قراء الغد، الذين سيكونون بلا وعى نقدى متين، وقابلين للتحكم بهم بأبخس الأثمان.