الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«صانع الزخارف».. إبراهيم فرغلى: المثقفون لم يدافعوا عن نصر حامد أبوز يد فى محنته لأنه ليس من «شلّتهم»

إبراهيم فرغلى
إبراهيم فرغلى

- ما تعرض له «ابن رشد» من نفى وإقصاء وحرق لكتبه تكرر بعد 1000 سنة مع نصر أبوزيد

- «بيت من زخرف» تؤكد أن قداسة النص الدينى لا تعنى قداسة مفسريه

- كتبت الرواية فى 6 سنوات تخللها سفر إلى الأندلس القديمة للبحث عن المخطوطات

- أدوات المثقفين بالية ولم تتمكن من تحديث نفسها لمواجهة «تيار اللا عقلانية»

لا يتوقف الكاتب والروائى إبراهيم فرغلى عن الحفر بعمق فى تربة التراث، لاستخلاص كل الأفكار المناصرة للحرية والتنوير، والتعددية والإبداع المطلق، والتعايش السلمى الحر، وتمازج الحضارات والشعوب.

وبعد أن طرح أطيافًا من هذه الأفكار الخلاقة، فى روايته السابقة «قارئة القطار»، ينقل قارئه عبر رحلة فكرية روائية جديدة فى روايته الأخيرة «بيت من زخرف: عشيقة ابن رشد»، مُبحرًا عبرها فى إشكاليات الحرية والمعتقد والتفكير، مُحدثًا نوعًا من الإسقاط والرمزية على زماننا الحالى، الذى عانى ويظل يعانى من التيارات الظلامية، التى صبغت المجتمعات فى العقود الماضية بنزعات متشددة وعنيفة.

عن معضلة التنوير والحرية، وأزمات التشدد قديمًا وحديثًا، فى روايته الأخيرة هذه، يدور حوار «حرف» التالى مع إبراهيم فرغلى.

■ فى سردية «بيت من زخرف: عشيقة ابن رشد» نستشعر العمق والدفاع عن الحرية فى الفكر والمعتقد والإبداع.. ما الأولويات التى كانت تحفزك لكتابة هذه الرواية؟

- أظن أن «بيت من زخرف»، من حيث المضمون الفكرى، تنضم إلى مضامين رواياتى السابقة، رغم تباين موضوعاتها تمامًا؛ خصوصًا «أبناء الجبلاوى» و«ثلاثية جزيرة الورد» و«معبد أنامل الحرير»، وهو المضمون الذى يهتم بالبحث عن المعنى الحقيقى للحرية، فى ظل طغيان وطأة السلطة الدينية التى تسيطر على المجتمع، وتلعب دورًا هائلًا فى تقييد نهضته ورزوخه تحت ركام إرث ثقيل من القيود الفكرية والاجتماعية، التى باتت تشكل عبئًا رهيبًا اليوم، فى ضوء ما يحدث فى العالم من جهة، بل وفى ضوء ما تقوم به دول عربية قريبة من جهة أخرى انتبهت إلى الدور السلبى لهذه القيود الفكرية على مشروعاتها للنهضة، وبدأت فى مواجهتها.

أما اختيارى لابن رشد، فجاء بوصفه العقل العربى الذى أثار حفيظة التيارات الرجعية، فى كلا الثقافتين الإسلامية والمسيحية، وأيضًا بوصفه الرجل الذى أدت أفكاره العقلانية، لتثوير فكرة الإصلاح الدينى فى كل من الثقافتين المسيحية واليهودية.

لكن الأهم، أننى تبينت، فى الفترة التى أعقبت حراك ٢٥ يناير، بالأحرى بعد وصول الإخوان للحكم فى مصر، أننا نواجه كارثة أخرى هى كارثة التيار المحسوب على الليبرالية والتيارات العقلانية، تتمثل فى أن الكثير من هؤلاء خلعوا معاطف الليبرالية وكشفوا عن تعاطف غريب مع الإسلام السياسى، وفى أفضل أحوالهم كشفوا عن معادل مواز للتيار السلفى من خلال اعتناقهم «محفوظات الكتب» عن الثورات والحرية، وحولوها لـ«دوجما» نظرية، من غير أى قدرة على منح أنفسهم الفرصة لاكتشاف أن النظرية، حين تتمثل على الأرض تحتاج لطريقة تفكير مختلفة، ودرجة كبيرة من الواقعية، واختبار النظريات المثالية على أرض الواقع من أجل الفهم الحقيقى للوقائع. لقد تبينت أن العقلانية غائبة عن العقل السلفى، وهذا مفهوم، ولكنها غائبة أيضًا لدى الكثير من مدّعى الليبرالية، وأظن أن هذا أيضًا كان بين دوافعى لاستعادة سيرة أهم عقل عربى فى التاريخ العربى الإسلامى ممثلًا فى شخص ابن رشد.

■ هل كان للزمن الحالى دور فى استحضار شخصية الإمام الغزالى بهذا الحضور الأثير فى الرواية؟

- الإمام الغزالى لم يحضر فى النص إلا من خلال إشارات «ابن رشد» له، خلال الفترة التى أراد الرد على أفكاره حول تكفير الفلاسفة، ولكن ليس لشخصه حضور فى النص، لأنه توفى قبل مولد ابن رشد بسنوات طويلة «توفى فى عام ١١١١، بينما ولد ابن رشد عام ١١٢٦».

■ الرواية تناصر أفكار الحرية والفكر والمعتقد، خاصة وهى تتناول الحادثة المرتبطة بتكفير المفكر الراحل نصر حامد أبوزيد.. هل هناك فى الواقع الثقافى والفكرى الحالى ما هو مرتبط بنفس القيود؟

- كما تعرف ويعرف الجميع، أنه بعد ثورة ٢٠١١، تعرض عدد من الكتّاب للسجن بسبب أفكارهم، وبينهم المفكر المهتم بتجديد الفكر الدينى إسلام البحيرى، والذى للأسف لم ينل من دعم المثقفين ما ناله آخرون، وهو ما كشف الكثير من زيف دعاوى المثقفين الذين يتشدقون بالحريات، بينما يخشون مساندة طرف، بينما قد يدعمون شخصًا آخر لأنه من شلتهم مثلًا. وهذا ما جعلنى أفكر فيما حدث للراحل الكبير نصر حامد أبوزيد فى محنته، وكيف أخفق المثقفون فى الدفاع عنه.

وهذا الإخفاق لم يكن بسبب تقاعسهم، لا بالعكس، بل لأن أدوات المثقفين نفسها بالية، لم تتمكن من تحديث نفسها لمواجهة تيار اللا عقلانية، وهم يكررون نفس الكلاشيهات التى تتردد عن حرية التعبير من بداية القرن الماضى، من دون العمل على إيجاد سبل التأثير على المشرعين لوقف القوانين السالبة للحريات، وهذا هو الدور الحقيقى المطلوب من المثقفين، وليس مجرد كتابة ديباجات عن الحرية. 

■ هناك مدن مثل قرطبة وموسكو، وشخصيات مثل مانويلا ومارغريت ولويس وماريا وكارمن وعاصى، تشكل مجتمعات كوزموبوليتانية تجمع كل الأطياف والأفكار والديانات بل والمذاهب.. فهل هناك استعادة أو تبشير برؤى التسامح والتعدد الثقافى التى كانت قد ولت أم هى دعوة لإعادة قراء الماضى لاستشراف الآتى؟

- استعادة «ابن رشد الأندلس» فى حد ذاتها استعادة لتاريخ مضىء فى التراث الإسلامى، وهو زمن عرف على الأقل فى مرحلة كبيرة منه، بانتشار العلم والمعرفة وبتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود معًا، وكانت المنطقة التى عاش فيها «ابن رشد» فى قرطبة تجمع بين جامع قرطبة الكبير وبين الكنائس والمعابد اليهودية معًا، وعاشوا لسنوات فى تعايش تام، قبل أن تبدأ ظلال التشدد فى الظهور لأغراض سياسية على الأرجح.

وأعتقد أيضًا أننا شهدنا فى صبانا مرحلة من التسامح والتعددية سواء على مستوى الانفتاح العربى العربى، أو على مستوى انفتاح المجتمع المصرى نفسه بخلفيته الكوزموبوليتانية، والتى بدأت تتبدد تدريجيًا منذ الثمانينات وصولًا إلى ما بلغناه اليوم محليًا، من ضيق أفق وتعصب على يد أجيال نشأت فى ظل شيوع تيارات الإسلام السياسى دعائيًا، أو عربيًا على مستوى نعرات الدعوة إلى الانغلاق القومى، الذى نراه فى أكثر من بلد عربى مع الأسف.

■ المرأة حاضرة فى الرواية وتتسع لها مساحات السرد فيما يخص الهوية واللغة والألفة والجرأة.. هل هى دعوة لإفساح المجال لإعمال العقل حيالها ودفعها لمزيد من التحرر؟

- هذا واحد من همومى بشكل عام، وضع المرأة فى المجتمع مؤشر على صحة هذا المجتمع، وقد أشرت لذلك رمزيًا فى «أبناء الجبلاوى»، حين تولت امرأة مهمة إرشاد بطل العمل لموقع كتب نجيب المحفوظ المختفية، وتمثلت فى شخصية رادوبيس، وكذلك اقترحت قيام النساء فى معبد أنامل الحرير بكتابة النصوص الممنوعة على أجسادهن، تحديًا لسلطة قوى الظلام التى سيطرت على المجتمع أو مدينة الظلام كما جاء اسمها فى النص، وحتى فى قارئة القطار، التى يدور مسرحها فى قطار كل ساكناته من النساء.

■ منذ متى وأنت تفكر فى هذه الرواية الملحمية وكم استغرق وقت كتابتها؟

- أفكر فيها منذ أكثر من ٧ سنوات تقريبًا، واستغرقت نحو ٦ سنوات للكتابة، بينها انقطاعات كثيرة للقراءة والبحث والسفر لـ«قرطبة الأندلس»، ولمدريد أيضًا، للاطلاع على مخطوطات ابن رشد فى مكتبة دير الإسكوليار الشهير، أو حتى لإنجاز أعمال أخرى مثل «قارئة القطار»، التى كتبتها بالتوازى فى مرحلة من المراحل مع «بيت من زخرف».

■ هل تعتبر أن «بيت من زخرف» هى المحطة الثانية بعد «قارئة القطار» التى يتجدد فيها النداء نحو إعمال العقل والعلم كفلسفة تقدمية تحتم فصل الدين عن الدولة؟

- أعتقد أن المحطة الأولى لمشروع العقلانية، وبحث أسباب تبديد العقل العربى لتراثه المعرفى بدأت مع «أبناء الجبلاوى»، لأن مشروع البحث عن كتب نجيب محفوظ المختفية، كان معادلًا رمزيًا لهذه الفكرة.

والمحطة الثانية كانت فى معبد أنامل الحرير، من خلال مخطوط يروى حكاية كاتبه المختفى، أما متنه فيتضمن قصة مجموعة من النساخين الهاربين إلى باطن الأرض، الذين قرروا إعادة نسخ الكتب التى منعها وأحرقها جماعة من المتشددين، الذين أحكموا قبضتهم على المدينة، ثم تطورت الفكرة فى المحطة الثالثة «قارئة القطار»، ليكون البحث ليس عن المعرفة الضائعة فقط، بل وتأثير هذا الضياع على الهوية نفسها، من خلال رمزية فقدان ذاكرة الراوى. 

أما فى «بيت من زخرف» فهناك مقاربة بين نموذجين من عصرين مختلفين، تبنى كل منهما الدعوة لإعمال العقل، والتأكيد على أن قداسة النص الدينى لا تعنى قداسة من يتولون تأويله وتفسيره، وأن من حق الإنسان أن يبحث بنفسه ويستخدم عقله، وأيضًا الدعوة لعدم تجييش العوام ضد العقل باسم السلطة الدينية، والكيفية التى أثر بها ابن رشد فى الغرب لفصل الدين على الدولة، بعد إظهار فساد الخطاب المتشدد السلطوى الذى كان يتكئ على الدين من أجل السلطة، وهو ما فعله «ابن رشد» فى القرن الحادى عشر «١١٢٦- ١١٩٨»، وتعرض بسببه للنفى وحرق الكتب وإقصائه من المشهد الفكرى، ثم تكرر الأمر مع الأسف بعد ألف عام تقريبًا مع المفكر الراحل نصر أبوزيد «١٩٤٣- ٢٠١٠».

■ يلاحظ القارئ أن هناك الكثير من الرمزية لفكرة الظلمة والغدر والقسوة خاصة مع حرق كتب «ابن رشد».. هل هذا إسقاط على الوضع الحالى؟

- فى زمن «تهافت التهافت» يصبح الشر حقًا وعدلًا، ويتم تبرير ذلك للأسف باسم الدين من خلال فقهاء السلطان، وهذا ما حدث لابن رشد. فقد غدا حرق كتبه وأعماله أمرًا مسموحًا به بل ومقبولًا من أن يجترئ عليه أى شخص لم يقرأ له حرفًا، بينما تغدو قراءة كتبه من المحظورات التى لا تتم إلا سرًا.

واليوم فى حياتنا مسموح للتفاهة مثلًا أن تتسيد وسائل التواصل الاجتماعى وبرامج التليفزيون وحسابات «التيك توك»، والتى تستقطب مشاهدات مليونية، بينما البرامج الرصينة والفكرية والجادة لا تجد من يلتفت إليها. 

أما البرامج التى تتضمن أفكارًا تدعو لتجديد الفكر الدينى فتواجه بالذم والهجوم بل ويتعرض أصحابها إلى الهجوم والسب، وكذلك يتم رفع دعاوى قضائية عليهم وتكفيرهم، وهو منطق مغلوط وغير طبيعى قد يفسر ما سألت عنه.

■ ألا ترى أن هناك اختصارًا للزمن الروائى وتحديدًا فيما يخص حراك وخطاب وظلال فكر «ابن رشد» وأن التركيز الأكبر كان على تبعات أفكاره؟

- فكرت كثيرًا فى هذه المسألة قبل الشروع فى الكتابة، ولم تكن لدى الرغبة فى كتابة نص تاريخى رومانسى يستعيد زمنًا وشخصيات وعادات، وقصص حب عاطفية مشوقة بل استعادة أثر فكرى مهم، وأيضًا محاولة كشف ما تتمتع به أفكار ابن رشد حتى اليوم فى مدارس الفلسفة الغربية، تأكيدًا على أننا لم نبحث أفكاره ولم نقرأها إلى اليوم.

■ أخيرًا ماذا يتبقى أو بقى وسيظل من أفكار وأعمال وعناوين كل من «ابن رشد» ونصر حامد أبوزيد، وما هى رؤاك المستقبلية لمستقبل الفلسفة كنظرية وممارسة وخطاب؟

- المستقبل الذى بشر به ابن رشد موجود بالفعل فى مدارس الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، وممتد فى أثر أفكاره فى سيادة العقلانية فى تلك الثقافة، والإجابة عن سؤال: هل هناك ضرورة للعودة لابن رشد الآن؟ وتجيب عنه كتابات غربية حديثة جدًا تتضمن، ولا تزال تنتج، تأملات فى فكره.

أما بالنسبة لنصر حامد، فأظن أن مدرسة جديدة تتشكل اليوم من تلامذته، وهى مدرسة واعدة جدًا تشهد عليها دراسات حديثة كثيرة، نشر بعضها فى كتاب بعنوان «التأويلية ونصر حامد أبوزيد»، وأتمنى أن تصل هذه المدرسة إلى تلك الدرجة من الإبداع التى بلغها تلامذة ابن رشد فى الغرب.