الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الباحث اليمنى عصام القيسى: «النصوص التاريخية» أبعدت العقل عن ممارسة دوره فى فهم النص القرآنى واستخراج كنوزه

عصام القيسى
عصام القيسى

 «الأحاديث» التى أدرجها المسلمون فى دائرة الدين صار لها مقام مهيمن على القرآن نفسه

 النظرية الفقهية قامت على فرضيات فاسدة.. وما بُنى عليها لاحقًا فاسد

الشعوب التى تنحط تميل إلى المذاهب الأكثر تعصبًا وظاهرية مثل مذهب «الشافعى»

يقدم الباحث والإعلامى اليمنى عصام القيسى فى كتابه «استعادة الإسلام.. حفريات فى جيولوجيا الإسلام التاريخى»، الصادر حديثًا عن «دار رؤية» أطروحة تتمحور حول اختلاف الإسلام الذى نعرفه اليوم عن إسلام القرن الهجرى الأول، وأن صورة الإسلام التى نعرفها اليوم قد تشكلت فى القرنين الثانى والثالث الهجريين بعد شيوع مذاهب الفقه التقليدية، وبالانحراف عن «جيل الصواب الإسلامى»؛ ذلك الجيل الذى طبّق الإسلام وفقًا لشروطه التاريخية بأقل قدر من الانحرافات. 

يوضح «القيسى» أن المنهج الفقهى الذى كان عليه النبى وصحابته والتابعون هو منهج التكليف العفوى لا منهج الاجتهاد المنظم، ذلك المنهج لدى الصحابة اعتمد على أن كل مكلف بالدين عليه أن يفهمه ويمارسه فى حدود وسعه، وليس مكلفًا بما هو فى وسع غيره من المكلفين الذين هم أكثر منه علمًا، فالفقه النبوى وما تلاه من الأجيال الإسلامية فى القرن الهجرى الأول كان قوامه التفكير المقاصدى.

ويرصد المؤلف، بناءً على ذلك، الخطوات التى باتباعها قد تأصل هذا الانحراف عن الإسلام فى صورته الأولى، ويحاجج بأن مقولتى «حجية الحديث النبوى» و«حجية الإجماع» كانتا علامتين بارزتين فى خط الانحراف عن الإسلام، وكان للإمام الشافعى دور بارز فى تأصيلهما، ثم تطور مسار التفقه على مدار السنوات مرسخًا النموذج الأصولى للفقه الذى انحرف عن نموذج الفقه النبوى وفقهه. 

لا يتبنى الكاتب مع ذلك رؤية سلفية ترى فى إسلام الصحابة النموذج المثالى للإسلام، وإنما يشدد على أن هذا النموذج رغم تميزه الذى ظهر فى معرفة حدود النص الدينى المرجعى، وإدراك شروط اللحظة الزمنية التى تشكل فيها خطاب الوحى، ومعرفة قرائن السياق التى تفسره، وإدراك الطبيعة الدينامية فى الإسلام، وغير ذلك من المميزات- فإنه مع ذلك يظل نموذجا أوليًا ناقصًا قياسًا إلى إمكانات الإسلام نفسه. 

قدّم الباحث اليمنى عصام القيسى فى كتابه الأحدث «استعادة الإسلام» جهدًا فكريًا ونقديًا لافتًا يضاف إلى جهوده البحثية فى كتب سابقة منها «العلمانية الثالثة»، و«الإنجيل الخامس»، و«عودة العقل». «حرف» حاورت القيسى حول أبرز الأطروحات التى تعرّض لها بكتابه الأحدث.

■ ذكرت فى مقدمة كتابك «استعادة الإسلام» أن انتماءك لجماعة الإخوان لمدة عشر سنوات كان سببًا فى اهتمامك بقضايا الفكر الدينى وبلورة أطروحتك المغايرة لاحقًا لما هو سائد.. كيف حدث ذلك؟ 

- من المعروف أن الجماعات الدينية تقرر على منتسبيها برنامجًا تثقيفيًا مكونًا من سلسلة كتب منتقاة، وفعاليات فكرية مختلفة، وهذا يكسب المنتسب قدرًا من المعرفة الدينية. ثم إن الفرد نفسه – وهذا ما حدث معى – قد يكون إخلاصه للفكرة والمشروع كبيرًا وهذا يدفعه للمزيد من المعرفة النوعية، وتأصيل الفكرة نظريًا. والمزيد من المعرفة يكشف له جوانب القصور والعيب فى الفكرة والمشروع. وكلما تحسنت معرفته نوعيًا تكشفت له العيوب العميقة الأكثر خطرًا فى الفكرة «العيوب الأصولية». فإذا كانت شخصيته قوية ولديه نزوع للاستقلال واحترام الذات فإنه لا يقبل على نفسه السكوت عن الخطأ. وهذا ما حدث معى عندما وصلت فى النهاية إلى قناعة تامة بأن بناء الفكر الإسلامى التقليدى «الأصولى» قد قام على أسس هشة للغاية من المنظور الأصولى نفسه!. 

■ قلت إنك بصدد بلورة مشروع نظرى متكامل فى الفكر الدينى يوزع عبر ثلاثة كتب، الأول منها هو كتابك «استعادة الإسلام» الصادر حديثًا، أما الثانى فهو عن حجية الحديث المنسوب للنبى، والثالث فهو نظرية لفهم الظاهرة القرآنية.. فما الأهمية التى تمثلها المحاور الثلاثة تحديدًا فى تجديد الفكر الدينى الراهن؟

-هذه السلسلة من الكتب تشكل مشروعًا نظريًا متكاملًا، الأول منها يكشف عن حجم الخلل الذى حدث فى الفكر الإسلامى وأسبابه. وهذا هو المهاد الضرورى لإقناع القارئ بضرورة البناء الجديد بعد ذلك. وأظن أن كتاب «استعادة الإسلام» قد قام بهذه المهمة بصورة كافية. إذ بيّن بوضوح صورة الانحراف المتدرج الذى حدث فى النظرية الفقهية الإسلامية وظروفه، وما أدى إليه هذا التراكم الكمى من الانحرافات الجزئية من تحول نوعى. وكشف عن الدور المحورى للإمام الشافعى تحديدًا فى تأصيل هذا التغير النوعى . 

أما الكتاب الثانى فى السلسلة فغرضه التوسع فى مناقشة أخطر قضية فى الفكر الإسلامى، وهى قضية حجية السنة النبوية وكلام النبى. لأن إسقاط دعوى الحجية المزعومة هو حجر الزاوية فى مشروعنا النظرى، وهو ما نعمل عليه منذ عشرين سنة تقريبًا. وهى قضية أصولية وعقدية كبرى حسمها سيؤدى إلى تغير إيجابى هائل فى العقل المسلم وفى الواقع الإسلامى. 

أما الكتاب الثالث فمن المقدر أن يكون بمثابة مقدمة نظرية فى فهم الظاهرة القرآنية وتفسيرها. يقدم اجتهادًا جديدًا نسبيًا فى نظرية اللغة القرآنية، وفى نظرية المعرفة القرآنية. وتكمن أهمية هذا الكتاب فى أنه يسعى لوضع أساس نظرى متين يمكن المسلم من بناء إجابات محكمة لأسئلة العصر والفلسفة المطروحة على الإسلام والقرآن.\

■ يقوم أحد محاور الكتاب على أن الإسلام كما هو معروف اليوم قد تشكل بالانحراف عن إسلام القرن الأول الهجرى. ما الذى دعاك إلى إطلاق صفة «الانحراف» على هذا التحول رغم أنه جاء بالضرورة استجابة لمعطيات تاريخية واجتماعية آنذاك؟

- لا بد من التمييز بين مفهوم الانحراف ومفهوم التطور الطبيعى. الذى حدث لم يكن تطورًا طبيعيًا بل سلسلة انحرافات جزيئية بسيطة تراكمت، عبر قرن ونصف القرن تقريبًا، وانتهت إلى تحول نوعى، لم يتمكن الحس النقدى لمفكرى الإسلام المتقدمين من رصده واكتشافه فى مهده. ووصف «الانحراف» هنا أهون وأدق من وصف «التحريف»، لأنى أعتقد أن ما حدث لم يكن ناتجًا فى مجمله عن قصد وتدبير ، بل عن غفلة من العقل الإسلامى، وعن بدائية وضعف الحس النقدى الإسلامى فى القرون الأولى، باستثناء ما حدث فى المكون الشيعى، فإنه قد قام أساسًا على سلسلة من «التحريفات» المقصودة!.

■ قلت إن النصوص التاريخية هى المسئولة عن إنتاج التطرف فى العالم الإسلامى قديمًا وحديثًا، كيف اكتسبت هذه السلطة؟ 

- قصدت بالنصوص التاريخية الروايات الحديثية المنسوبة للنبى على سبيل الدين. هذه النصوص بعد أن أدرجها المسلمون فى دائرة الدين والبلاغ المبين، صار لها مقام مهيمن على القرآن نفسه، صارت حاكمة على القرآن عمليًا وإن كان القرآن حاكمًا عليها نظريًا، حيث جعل لها الفقهاء سلطة تخصيص عموماته وتقييد مطلقاته وتفصيل مجملاته ونسخ بعض آياته عند البعض!. كل ذلك بزعم أنها مبينة له، والحقيقة أنهم جعلوها قاضية عليه متحكمة فيه كتحكم الحاجب على الخليفة فى فترة ضعف الدولة العباسية. 

هذه الترسانة من النصوص شكلت نسبة كبيرة من العقل الإسلامى التقليدى، ومن ثم شكلت نسبة كبيرة من أسباب أزمته. وكان الهدف من تنصيبها هو إبعاد العقل عن ممارسة دوره الطبيعى فى فهم النص القرآنى واستخراج كنوزه، على إثر انتصار تلك الفئة من الفقهاء التى تنتصر للنقل على حساب الرأى والعقل فى تاريخنا الإسلامى.

■ برأيك.. ما الذى دعّم من رسوخ التوجهات الفقهية للقرون التالية حتى اليوم فى الوقت الذى ظلت فيه كل محاولات العودة إلى الاتجاهات المقاصدية تُحارب بضراوة؟

- كانت تشكيلة معقدة من الملابسات التاريخية، منها تبنى الدولة بعد عصر المأمون خط النقل على حساب خط العقل بسبب ظروف سياسية معروفة. ومنها بساطة النموذج النقلى نفسه بالنسبة للعقل الجمعى فى عصور نشأة الفكر الإسلامى. وهى ليست بساطة الحقيقة التى يشير إليها مبدأ أوكام، بل بساطة العقل نفسه الذى يفضل الإجابات الجاهزة المصكوكة المريحة على الإجهاد الذهنى. وخطورة هذا النوع من الانحرافات التراكمية هو أنه يحدث فى غفلة من العقل النقدى فى بداية نشأته، ثم يأخذ شكل المسلمة بعد ذلك، وبعدها يقوم الأذكياء من العارفين بتسديد فجواته وترسيخ سلطته عبر سلسلة من الجهود الترقيعية التى يرونها تأصيلًا علميًا!.

■ تقول إنه لا حاجة للمسلمين وللإسلام بالفقه فى نظريته التقليدية ولا إلى علم أصول الفقه.. ما دافعك نحو الجزم بذلك إن نظرنا إلى العلمين باعتبارهما تراكمًا فى تراث الاجتهاد الدينى استجابة لمعطيات مختلفة وليس بالضرورة أحكامًا قاطعة ينبغى الرضوخ لها؟

- حساسية العقيدة الدينية وصرامة المنهجين الأصولى والفلسفى تفرضان على المرء أن يبدأ بتحرير مناطق التماس بين المقدس والدنيوى قبل الحديث فى أى أمر، حتى لا تتداخل حدود الظاهرتين الدينية والدنيوية، لأن هذا إن حدث يوقع المسلم فى مظنة الشرك، وهى مسألة خطيرة من الناحية العقدية، ويصيب العقل بحالة تضخم فكرى يشبه التضخم الاقتصادى، وله نفس النتائج السلبية للتضخم فى العقل الجمعى!. ذلك لأن تداخل حدود الظاهرتين يعنى الخلط أحيانًا بين ما هو مطلق وما هو زمنى، ودخول الزمنى/ البشرى/ الوضعى/ فى حدود الدينى المقدس/ المطلق/ لا بد أن يؤدى إلى إفساد وظيفة هذا الأخير فى الحياة!. 

وعليه ينبغى أولًا أن نحدد منزلة هذه الجهود الفكرية التى نسميها فقهًا وأصول فقه من الدين: هل هى امتداد طبيعى للنص الدينى أم انحراف عنه؟ وقد أثبت الكتاب أن النظرية الفقهية قامت على فرضيتين فاسدتين: الأولى تزعم أن الشريعة أطروحة شاملة على مستوى الأحكام التفصيلية، والأخرى تزعم ضرورة وجود نخبة من الفقهاء الذين يستنبطون هذه الأحكام من مظانها، وتقديمها للمستهلك المسلم على سبيل الدين!. فإذا صح أن هاتين الفرضيتين فاسدتان فإن ما بنى عليهما يعد فاسدًا بالنتيجة. ولا بأس بعد ذلك من اعتبار التراث الفقهى جزءًا من تاريخ العقل الإسلامى.

■ ما الذى تقصده بعلوم الحكمة فى الإسلام والقرآن؟

- أعنى علوم الفلسفة الإسلامية، نظرية المعرفة الإسلامية، فلسفة الاجتماع الإسلامى، فلسفة التاريخ الإسلامى، فلسفة الأخلاق الإسلامية، إلخ. هذه العلوم والمباحث ذات الأهمية الاستراتيجية للفكر الإسلامى. 

■ أسهبت فى محاولة إثبات دور الإمام الشافعى فى ترسيخ سلطة النصوص على حساب سلطة العقل، فما السبب برأيك فى تقديسه حتى اليوم وتشكيل صورته باعتباره إمام الوسطية؟ 

- الكتاب سعى لبيان الدور الخطير الذى قام به الشافعى فى تأسيس الفكر الإسلامى التقليدى وتأصيل أخطر خرافتين فيه، أعنى خرافة حجية الحديث النبوى الدينية، وخرافة حجية الإجماع. وكيف عمل على تقليص دور العقل فى الفقه الإسلامى، بتمكين هاتين الخرافتين فى بنية أدلة الأحكام، وبرفضه فقه الرأى والاستحسان. وأما أن الشافعى إمام الوسطية فهو كلام لا رصيد له من ميراث الرجل قياسًا على أقرانه من أئمة المذاهب الفقهية الأخرى على الأقل، وقد أوضح الكتاب بجلاء أنه كان أكثر الفقهاء الأربعة تشددًا ونصوصية وأكثرهم تضييقًا على العقل. 

ويبدو لى أن وراء شهرة الرجل وتسيده عرش الفقه أمران: الأول كونه صاحب مساهمة علمية مميزة هى تأسيس أصول الفقه. والأخرى كونه ينتسب إلى أرومة عربية قرشية صريحة على عكس صاحبيه أبى حنيفة ومالك. أما أحمد بن حنبل فقد كان تلميذًا تابعًا وليس ندًا له. كما لا ننسى أن المسلمين قد دخلوا منذ القرن الخامس فى دورة انحطاط، والشعوب التى تنحط تميل فى الدين إلى المذاهب الأكثر تعصبًا ونصوصية وظاهرية، وهذا ما يمثله مذهب الشافعى الفكرى والفقهى.

■ تدافع عن نموذج يستند فيه كل فرد إلى ضميره وخبرته بمقاصد الدين وقيمه.. هل تظن أن كل فرد، على اختلاف المستويات الفكرية والتعليمية والتجارب الحياتية، قادر على أن يصل إلى استنباط فهم صحيح للنص القرآنى؟ وكيف يمكن إذن فهم آية «واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»؟ 

- الخطأ فى هذا التصور هو افتراض أن على الفرد المسلم أن يصل إلى فهم صحيح لكل نصوص الإسلام ممثلة فى القرآن، وأن يصل إلى حكم فقهى من الأحكام الخمسة فى مختلف شئون حياته. أما الافتراض الأول فهو خطأ محض لأن المسلم غير مكلف بفهم القرآن جملة وتفصيلًا. هناك حد أدنى من القرآن هو اللازم فى التكليف وعليه الحساب والعقاب باتفاق الجميع. وما عدا ذلك فليس على المسلم إثم إن جهله. لا يحتاج المسلم مثلًا لمعرفة أسرار القصص القرآنى، لكنه إن عرف منها شيئًا ازداد فقها، وارتقى منزلة عند الله. 

وتظل المساحة الحرة الواسعة فى القرآن مجالًا لأهل الفكر والمعرفة يستنبطون منها النظريات والأفكار التى تخدم الحياة الإسلامية بناءً على مسلمة «الإسلام أطروحة شاملة على مستوى المبادئ والقيم لا على مستوى الأحكام». وهذه مهمة يقوم بها الخاصة من الناس، أهل العلم والفكر، وليس كل الناس. وما ينتجه المفكرون والمتأملون فى هذه المساحة الحرة من القرآن يمكن أن يسمى فكرًا إسلاميًا لا بأس، لكن ليس واجبًا على كل مسلم أن يكون مفكرًا منتجًا للأفكار والنظريات! 

أما قوله تعالى «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ» فلا صلة لها بتأصيل النظرية الفقهية كما يحاول الفقهاء. الآية فى سياقها القرآنى تخاطب كفار قريش الذين استغربوا إرسال الله لأنبياء رجالا بدلًا من إرسال الملائكة للناس، فرد عليهم القرآن: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. فأهل الذكر هنا هم أهل الكتب الدينية السابقة من اليهود والنصارى وليس الفقهاء!. لكن العبارة تصلح على العموم للإرشاد، بحيث يكون المعنى: من الأفضل العودة لأهل الاختصاص عند الاختلاف فى الرأى أو القيام بعمل يحتاج إلى رأى الخبراء المختصين!.