الإثنين 15 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

مبدعة التفاصيل.. هناء متولى: نيرة أشرف ألهمتنى «يوم آخر للقتل»

هناء متولى
هناء متولى

عن الموروث الراسخ منذ عقود فى مختلف القرى المصرية، وانعكاس تأثيره السلبى على المرأة، فى صورة قهر وعنف وكبت، دارت فكرة رواية «يوم آخر للقتل»، للكاتبة والروائية هناء متولى.

تميُّز الرواية يكمُن فى الواقعية السوداء، من خلال الاعتماد على تلك الجرائم التى تُرتكب كل ساعة ضد المرأة، تحت سطوة غشم تحكُّم الرجال، فى مجتمع ذكورى هش، لم يزل يعامل المرأة بدونيّة، وكأننا لم ننته بعد من عصور الجوارى، وفق ما تراه المؤلفة.

كيف جاءت فكرة كتابة رواية «يوم آخر للقتل»؟ وما الدوافع الحقيقية وراء كتابتها؟ وما علاقة مقتل طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف بها؟... هذه وغيرها أسئلة تجيب عنها هناء متولى فى حوارها التالى مع «حرف».

■ عن الشخصيات المقهورة، والإرث المصرى العتيد فيما يخص الثأر والقهر واستعباد المرأة، دارت روايتك «يوم آخر للقتل».. ما دوافعك لكتابتها؟

- أظن أن الدوافع قديمة وعميقة جدًا، بعمق تجاربنا الفردية الخاصة بالنساء فى التعامل مع العالم حولنا، خاصة فى الريف، حيث المجتمع مغلق، ويسيطر عليه العقل الجمعى المتأثر بعادات بالية وصورة آلية مؤذية فى التعامل مع النساء.

لا أحد ينسى حادثة مقتل فتاة جامعة المنصورة، نيرة أشرف، والتى نُحرت بواسطة زميلها، أمام أعين الجميع، ثم توالت حوادث عنف مشابهة ضد النساء والفتيات، خاصة فى محافظة الدقهلية التى أنتمى إليها، ما أشاع فى الجو العام للمنطقة روحًا مظلمة من الكآبة والحزن والهوان وقلة الحيلة، شعورًا قاتمًا يشبه العجز عن التنفس والغرق فى وسط الماء. أظن هنا كانت البداية والإيحاء الخاص بالرواية، التى جاءت كفرصة للتغلب على الحزن والغضب.

■ لكن أكانت هناك أى دوافع ذاتية لكتابة الرواية؟

- أخبرك سرًا، أنا لا أكتب عن شخصية أو موقف حتى أراه، ولا أعنى هنا الرؤية الحقيقية لشخصية أو موقف حدث بالفعل، بل أقصد أن الشخصيات والحوادث دائمًا ما تتجسد أمامى وتطاردنى، حتى أتخلص من نفوذها بالحكى عنها.

لكن «فى يوم آخر للقتل»، الشخصيات فى الغالب من لحم ودم، زاملتنى إحداهن فى الدراسة، وأخرى كانت صديقة مقربة، وثالثة سمعت عنها قصة طويلة، كما أن قصة «فاطمة القتالة» هى أسطورة حقيقية فى ريفنا، ولقد التقيت هذه السيدة فى مرة وحيدة، وعرفتها عن قرب، وتعجبت كثيرًا من تلك الهالة المرسومة بخرافة شديدة لامرأة تعرضت لأزمة كبيرة فى حياتها.

وعندما تحولت «فاطمة القتالة» إلى شخصية فى روايتى بدلتها كثيرًا، ودمجت خيالى بالرؤية عن قرب والخرافة المزعومة، بالنسبة لى كانت شخصية أسطورية فى الكتابة عنها، شخصية بسيطة مسالمة عند التعرف عليها من قرب، لذا فالأنماط النسائية هنا متماسة ومتقاربة مع الواقع بشديد التشابه وتمام الاختلاف.

■ كيف عالجتِ فى الرواية الربط بين التكنولوجيا والعنف ضد المرأة، فى المدينة قبل الريف؟

- التطور التكنولوجى فى المجتمعات ذات نسب التعلم والثقافة الضعيفة «كارثة»، حيث ينعدم الرقيب الذاتى النابع من الوعى والتجربة والتعلم، ويكون التعامل بعفوية وسذاجة مع تطورات حداثية، وهو أمر صعب جدًا على مجتمعاتنا.

اعذرنى، نحن نسير بسياسية «القطيع» والتقليد حتى فى الشر، بعد حادثة «نيرة أشرف»، وكل هذا الزخم فى «السوشيال ميديا»، والشائعات والأحكام، بعض الشباب كرروا التجربة، معتبرين إياها تصرفًا ذكوريًا يدعو للفخر، وهذا واحد من كوارث التعامل الساذج مع التطور التكنولوجى فى نقل الشائعات والسلوكيات العنيفة.

■ كيف ترى هناء متولى الفارق بين الريف والحضر فى ٢٠٢٤؟ 

- أظن أنها نفس الفوارق القديمة والأزلية بين الريف والمدينة، ففى الريف تربط بين الجميع علاقة أسرية، إما بكون أغلب العائلات ينحدر من سلالتين أو ثلاث على الأكثر، والبقية تجمع بينها علاقات النسب، وذلك التشابك يجعل كل فرد وصيًا على الآخر، منشغلًا بحياته وحاكمًا عليها، ما يجعلنا فى تناقض وصراع بين حقيقتنا وما نود إظهاره.

والحقيقة أن الخصوصية فى مصر كلها عليها علامات كبيرة، فنحن بطبعنا شعب فضولى، ويهوى التنظير والأحكام، لكن فى الريف الأمر شديد التعقيد، كما أنه يواكب التطور بشكله الظاهر، فتتحول القرى إلى مدن صغيرة لكنها مشوهة، التغيير فيها سطحى وظاهرى، نسمح للفتيات بالتعليم والسفر إلى الجامعة، وحريات أكبر فى اللبس، لكننا نصفهن بالجريئات غير المهذبات، أو نبرر ضدهن العنف الذكورى، بحكم الولاية أو الأمان.

العنف متزايد فى مصر كلها، خاصة فى الدقهلية، لكن هنا النساء والفتيات الصغيرات يتمتعن بشخصية متطورة أكبر من الذكور فى نفس المرحلة العمرية، مما يبرر تشاحنًا يفوز به الرجل، إن كان فقط جسديًا.. وفى الأخير هذه رؤيتى الخاصة.

■ كيف ترى هناء متولى الرؤية المستقبلية فيما يخص ما آلت اليه الأوضاع الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتأثير هذا على المرأة تحديدًا؟

- الرؤية مشوشة، والتغيير لا بد أن يبدأ من القاعدة، بالقضاء على الجهل، وتعزيز سيادة القانون، والتمكين الحقيقى للنساء، بل تمكين الفتيات الصغيرات، وتغيير صورتهن الذهنية عن أنفسهن.

الفتيات يبدأن مبكرًا بكراهية الذات الأنثوية، نتيجة أفكار وموروث شعبى شيطانى، لا بد من العمل الحقيقى على هذا التغيير. أغلب المنظومات الحقوقية والنسوية يخدم الشعارات والأفراد المنتمين لها فقط، دون دور فعلى على أرض الواقع.

■ التشكيل الفنى والزخم فى الصورة والمشهد والإيقاع، وحتى تلك الأدخنة التى تنشع من خلف السطور.. كيف كان التفكير فى تقنية الكتابة المستخدمة فى رواية «يوم آخر للقتل»؟

- صدقًا فى البداية لم تكن هناك رؤية محددة لبناء الرواية، لقد لجأت للتجريب فى أكثر من حالة، لكن أجد نفسى دائمًا ومع بداية الفكرة، تتزامن الرؤية البصرية مع التشكيل الغرائبى.

وجهة نظرى أن الغرائبية، ودمج الخيال بالواقع، والصورة البصرية العالية، تُمكن الكتاب من مساحات أوسع من التحرر الإبداعى، فالكاتب لا ينقل الواقع، بل ينهل منه ويتشبع به، ويحوله إلى فن جديد وآسر، خاصة فى بيئة الريف التى تتمتع بمزايا عالية للكتابة الغرائبية، وفى بعض الأحيان أشعر بروح القصة القصيرة متداخلة مع النص السردى الروائى.

أما عن المدة الزمنية فقد عانيت من دخول وخروج كثير فى حالة الكتابة، وذلك كان راجعًا لظروف شخصية، والأحداث العالمية القاتمة المصاحبة لتفشى فيروس «كورونا»، لذا كتبت الرواية فى عامين. 

■ هل للطفولة والسنوات الأولى فى حياة الكاتب الدور الطاغى لأشكال الكتابة؟

- بكل تأكيد، الطفولة وأزماتها وعقدها تشكل الإنسان الحالى، بتجربته الخاصة وآماله وأوجاعه وخلاصه، وليس الكاتب فقط، نحن نقع دائمًا أسرى لتلك التجربة، نستعيد منها الأنماط والأشكال، ونكررها فى مراحل جديدة، أو تطاردنا فى هواجس نكتب عنها دائمًا دون وعى، سعيدة لانتباه العالم لهذه الإشكالية، وتطور طرق التشافى للطفل بداخلنا.

■ لماذا اخترت «الدار المصرية اللبنانية» لنشر الرواية؟

- النشر فى «الدار المصرية اللبنانية» كان حلمًا بالنسبة لى، لكننى لم أتمتع بالجرأة الكافية لعرضها على «لجنة القراءة» فى الدار بشكل مباشر، وجرى ذلك عن طريق الأستاذ العزيز والشاعر الكبير المفضل بالنسبة لى، أحمد الشهاوى.

عرضت على «الشهاوى» الرواية كمخطوطة، بحكم أستاذيته وأمانته، وفى أوقات طويلة كان متحمسًا للنص أكثر منى، وقدمه إلى «الدار المصرية اللبنانية»، بعدما رأى أن الخط الإنسانى والبُعد الفنى ملائمان جدًا لسياسة النشر فى الدار.

جاء بعدها التعامل المباشر مع الناشرة العزيزة نيرمين رشاد، والتى أعتبرها واحدة من أهم الناشرات العربيات، ولها رؤية فنية عميقة جدًا، ودرجة كبيرة من الانفتاح على التطور الفنى والثقافى للرواية، ولا أنكر أبدًا أن ملاحظاتها الفنية ساعدت النص كثيرًا على التطور.

■ كيف تعامل الوسط النقدى الثقافى مع نصوصك الأدبية، وتحديدًا «يوم آخر للقتل»؟

- رواية «يوم آخر للقتل» حصلت على اهتمام نقدى جيد جدًا منذ اللحظات الأولى، وبصفة عامة، أرى أن النقد هو شريك الإبداع، هو الضوء والداعم، ولذلك هناك واجب كبير جدًا على الناقد، أن يكون متطورًا دائمًا، ومنفتحًا على النصوص الأدبية.

لابد من وجود نازع إبداعى وأخلاقى لدى الناقد، يتحمل من خلاله مسئوليته الكبيرة فى الكشف عن التحف الأدبية المجهولة والمنسية، والحماس تجاه الكتاب الجيدين فى بداياتهم، وإبراز التجارب المتطورة، بالإضافة إلى دوره المعتاد فى الإشادة بالنصوص الكبيرة.

العلاقة تكاملية بين الكتابة والنقد، والتطور الأدبى مرتبط بهذا تمامًا، وعلى الكاتب أيضًا تقبل النقد، وعدم أخذ التعليق الفنى السلبى بشكل شخصى، طالما هناك الثقة والنية الطيبة، فلا يوجد عمل فنى كامل ولن يوجد، ففى رأيى التمام والكمال ليس فنًا بالأساس، الفن ثائر ومغامر وبوهيمى أحيانًا.

■ حصلت على منحة من الاتحاد الأوروبى فى الرواية، إلى جانب جائزة «سعاد الصباح» فى القصة القصيرة.. انطلاقًا من هذا، كيف ترين علاقتك بالجوائز العربية والعالمية؟ 

- جائزة «سعاد الصباح للإبداع العربى» عزيزة جدًا على قلبى، كانت المرة الأولى التى أتجرأ فيها على كتابة القصة القصيرة، كنت أكتب دون حسابات، وبتحرر وتجرد كبيرين، كتبت عن الآلام والأوجاع النسائية، وتحررت من الشكل النمطى للقصة، كتبت قصتين بشكل مسرحى، وأرسلتهما لأمانة الجائزة، فى الساعات الأخيرة، بناءً على نصيحة من صديق، ثم فزت بها. 

أما منحة الاتحاد الأوروبى فأنا فخورة بها جدًا، لأنها فى الرواية، ولأنها كانت داعمة لى بشكل خاص للكتابة عن العنف ضد النساء، فقد شجعتنى على التقدم فى مشروعى هذا.

وبالطبع الجوائز والتقدير مهم جدًا، خاصة فى الخطوات الأولى للكُتاب، وتحديدًا لكاتبة ريفية مثلى، لكن من الضرورى التحرر من الكتابة لنمط معين لأنه يناسب الذائقة العامة للجوائز، فهذا يقتل الموهبة. على الكاتب أن يكتب أولًا لذاته ومخلصًا لفنه، وإذا حصل على تقدير فى هذه الحالة، يكون هذا قفزة كبيرة فى مشواره، فالذائقة والحسابات متغيرة، لكن الفن باقٍ.

■ بحديثك عن أهمية الجوائز والنقد فى الخطوات الأولى للكاتب.. كيف كانت بداياتك فى الكتابة؟

- من الممكن اعتبار أن معاناتى الخاصة والفردية كانت دافعى الأكبر للكتابة، لا أخجل أبدًا أن أكرر أن الكتابة هى رحلة الشفاء الذاتى الخاصة بى، وما زالت وربما حتى النهاية. 

لكن هناك نصوص شديدة التميز أثرت بى بشكل خاص، وربما كانت هى الدافع وراء جرأتى وتعرضى للكتابة، من بينها رواية «حذار من الشفقة» لستيفن زفايج، ورواية «مدام بوفارى» لجوستاف فلوبير، و«الجريمة والعقاب» لديستوفيسكى، و«فردوس» و«جوع» لمحمد البساطى، و«مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، و«أنا حرة» لإحسان عبدالقدوس و«الحرام» ليوسف السباعى... ربما كلما قرأت نصًا منها، تمنيت فى داخلى ودون وعى أن أجاريهم فى ذلك الفن العظيم.

■ هل ينتهى حلم الكاتب بالخلاص الوجودى الفردى مع الانتهاء من روايته؟

- أنا مؤمنة بنظرية «موت المؤلف» فى اللحظة التى ينشر فيها العمل، أفقد كل سلطة عليه، لكن مع ذلك، أظن أنى أتخلص معه من جزء من ألم دفين، ليترك مساحة لمعانات أخرى جديدة تطلب التحرر.

■ ما مفهومك لمفردات مثل «الجدوى» و«السلوى» و«الخلاص»؟

- البحث عن الجدوى هى أزمتنا العميقة فى هذا الكون، التطور والعولمة والتكنولوجيا كلها فاقمت من الشعور باللاجدوى والاغتراب واللاقيمة، خاصة مع تعمد تحجيم الدور الإنسانى والمشاعر البشرية، لنتحول جميعًا إلى ما يشبه مسخ العزيز كافكا.

هنا دور الفن الأبدى والأزلى لإنقاذ البشرية، ومساعدتها فى تجاوز كل ذلك التشويه والقبح، كل منا يرى سلواه فى شىء ما، مثل الفن أو الرياضة، العائلة، أو النجاح الشخصى أو حتى الاندماج فى الهم العام، لكن دائمًا الفن هو المنقذ للبشرية، منذ الإنسان الأول الذى احترف الرسم والرقص والحكى، ثم التسجيل. 

C.V

هناء متولى

كاتبة مصرية ولدت فى محافظة الدقهلية، وتخرجت فى كلية التجارة جامعة المنصورة، حصلت على جائزة «سعاد الصباح» للإبداع العربى ٢٠٢١، عن مجموعتها القصصية «التنفس ببطء»، إلى جانب منحة مؤسسة «مفردات» فى بروكسل للكتابة الإبداعية لعام ٢٠٢٠. صدرت روايتها الأولى «أسرار سفلية» فى عام ٢٠١٧، ثم تلتها رواية «يوم آخر للقتل».