الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

ابن الشيخ الطبلاوى: والدي كان مشجعًا للزمالك وعاشقًا لصوت أم كلثوم

الطبلاوى
الطبلاوى

حرص على متابعة المسلسلات الدينية وسيد مكاوى صديقه الأقرب

 حفظ كتاب الله فى سن الثالثة عشرة ونُعد عُمر الطبلاوى ليُكمل المسيرة 

 احتفالات عيد العلم وليلة القدر الأقرب إلى قلبه.. وامتلك ذكريات مع سورة «الأعراف» 

 أطفال قرية بالشرقية خرجوا وراءنا يرددون سورة الأحزاب.. والحصرى وعبدالباسط أقرب أصدقائه 

«كأن على رءوسهم الطير».. هكذا حال السميعة أو قُل مُريدى «الشيخ الطبلاوى» ابن منطقة ميت عقبة بمحافظة الجيزة، الآلاف مِنْ كلِّ حَدبٍ وصَوْب جاءوا ليحلقوا فى السماوات السبع، يبحثون عن عقار إلهى يمنحهم السكينة والهدوء، عقار يمنحه لهما الشيخ محمود الطبلاوى الذى منحه الله نعمة الصوت وملكة التلاوة.

«إذاعة القرآن الكريم من القاهرة».. جملة اعتادت الآذان سماعها آناء الليل وأطراف النهار، جملة تنطلق عبر أثير الراديو بمثابة فاتح للشهية لوليمة دسمة تُعد على نار هادئة، وليمة من شأنها أن تُصرف شتات العقل والتفكير وتطمئن بها القلوب، جملة تُمهد لتلاوة آيات من كتاب الذكر الحكيم، كرم بها الله عز وجل عبدًا من عباده وهو «محمد محمود الطبلاوى»، ليكون دليلًا ونبراسًا على مقولة «نزل القرآن فى مكة وقُرئ فى مصر». قالت له كوكب الشرق «أم كلثوم»: الفرامل بتاعتك مظبوطة يا شيخ محمد، وتقصد بها «القفلة»، وقال عنه صديقه الكاتب محمود السعدنى: هو آخر حبة فى سبحة المقرئين العظام، وعرض عليه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب أن يعلمه المقامات والنغم الموسيقى، فقال له: أنا حابب أكون على سجيتى وبعبلى.

«إبراهيم الطبلاوى» أكبر أبناء رجل من عتاولة وفتوات دولة التلاوة، يكشف فى ذكرى وفاته الرابعة عن كواليس فى حياة المقرئ الراحل فى حواره مع «حرف».

■ نحن نحتفى بذكرى وفاة رجل من أعلام التلاوة.. كيف بدأت مسيرة الشيخ الطبلاوى؟

- الشيخ الطبلاوى عليه رحمة الله نشأ فى حى ميت عقبة بالجيزة منذ ميلاده وحتى وفاته، وتعود أصوله إلى مركز تلا فى محافظة المنوفية، ويعتبر والده صاحب الفضل بعد الله فى إجادته للقرآن الكريم سواء على مستوى الحفظ أو التلاوة، حيث أصر على ذهابه لكُتاب الشيخ غنيم بمنطقة الجيزة فى سن صغيرة ليحفظ كتاب الله كاملًا فى سن الثالثة عشرة من عمره ويحصل بعدها على العديد من الإجازات على يد كبار المشايخ وأشهرهم.

■ بصفتك أكبر أبناء الشيخ الطبلاوى.. كم لديه رحمه الله من الأبناء وهل فيهم من سار على نهجه؟

- لدىّ من الأشقاء ١٣ أنا أكبرهم بالفعل، حيث تزوج والدى ثلاث مرات، وتمكن «محمود» شقيقى عليه رحمة الله- قبطان بحرى- من حفظ أجزاء عديدة من كتاب الله، وكان والدى حريصًا على أن يكون «محمود» امتدادًا له ولمسيرته حتى إنه كان يوفر له سائقًا وسيارة خاصة لتقله إلى الجامع الأزهر لحفظ القرآن وتجويده، حتى توفاه الله العام الماضى، كما أن شقيقى «محمد» قارئ جيد لكتاب الله ويحفظ تجويده وأحكامه، ويمتلك صوتًا قريبًا للغاية من والدى عليه رحمة الله، وحاليًا نُعد شقيقى الأصغر «عُمر» ابن الـ١٢ عامًا ليُكمل مسيرة الوالد ويكون خير خلف لخير سلف، حيث يمتلك صوتًا عذبًا به جودة وإتقان والده.

■ الطبلاوى المقرئ كان يجلس أمامه المستمعون دون تحريك هامس.. كيف كان يتعامل مع أبنائه؟

- والدى كان شخصًا حاسمًا للغاية، كان دائمًا يوصينا بحفظ كتاب الله وعدم التقصير فى ذلك، علاوة على الانتظام فى الصلاة والصوم، وإن كانت وصيته الأكبر هى «الدين المعاملة»، حيث كان يعتبر تقوى الله تتمثل فى الأخلاق والمعاملات اليومية مع الناس وليس المظاهر فحسب، وأكثر ما يثير غضبه تأخر أحد أبنائه فى دراسته وتقصيره فيها.

■ وماذا عن طقوسه اليومية فى المنزل؟

- كان حريصًا على الاستيقاظ مبكرًا لصلاة الفجر وتناول وجبة الإفطار، ثم يجلس يقرأ أجزاء من كتاب الله ويبدأ مراجعتها يوميًا، وهى عادة ظل حريصًا عليها حتى وفاته، ثم يخلُد للنوم قليلًا قبل صلاة الظهر، ليكمل بعدها نشاطه وعمله اليومى.

■ حفظ كتاب الله وتلاوته هما النصيب الأكبر من يومه.. هل كانت له هوايات يمارسها كمشاهدة التلفاز مثلًا؟

- بالفعل، حيث كان يهوى مشاهدة مباريات كرة القدم وبالتحديد التى يكون نادى الزمالك طرفًا فيها، كان زملكاويًا أصيلًا بحكم تربيته ونشأته فى حى ميت عقبة على بُعد أمتار من نادى الزمالك، كما أن العائلة بالكامل كانت تنتمى لنادى الزمالك وتشجعه، وبجانب حرصه على مشاهدة مباريات كرة القدم كان يتابع حلقات المصارعة الحرة.

■ بجانب تعلقه بمشاهدة المباريات.. هل كان للفن والدراما نصيب من وقته؟

- كان حريصًا على متابعة بعض الأعمال الدرامية الدينية، خاصة أعمال الفنان الراحل حمدى غيث، وبعض الأعمال الشهيرة الأخرى فى تلك الفترة.

■ بحكم عذوبة صوته وبراعته فى التلاوة.. هل أثنى يومًا على صوت مطرب ما؟

- الشيخ رحمه الله كان يستمع للسيدة أم كلثوم وبالتحديد أغانيها الدينية، وكان صديقه المقرب الشيخ سيد مكاوى، وكنت أرد على اتصالاته الهاتفية يوميًا فى منزلنا حيث كان دائم السؤال عن والدى.

■ يستمع لأم كلثوم وصديقه سيد مكاوى.. هل تراه تصرفًا عفويًا يُعد ردًا على من يُحرم الفن؟

- كان دائمًا يردد أن الحلال بين والحرام بين، الحرام لا يحتاج إلى توجيه أو إشارة، نفس الأمر بالنسبة للحلال حيث يمكن التفرقة بسهولة بينهما فى الفن، ما دام العمل يقدم رسالة لا تتعارض مع أصول الدين.

■ صوتك هادئ ورزين كصوت الراحل.. فكيف كان يستعد الشيخ الطبلاوى للتسجيلات والحفلات؟

- لم تُكن له طقوس محددة قبل التسجيل أو الذهاب إلى الحفلات، بل كان يكتفى بالنوم المناسب فقط والاسترخاء، وتناول بعض المشروبات العادية مثل الشاى واليانسون، حتى أن المقربين منه كانوا يتعجبون من قوة صوته ويسألون عن طقوسه أو المشروبات التى يستعين بها للحفاظ على هذا الصوت، كما أنه كان حريصًا على التلاوة بشكل هادئ دون جهد شديد يتسبب له فى إرهاق أحباله الصوتية.

■ مناسبات عديدة كان الراحل أحد أعمدة فعالياتها بتلاوة آيات الذكر الحكيم.. ما المناسبة التى كان ينتظرها من العام للعام؟

- حفلات عيد العلم، حيث كان الشيخ الطبلاوى ضيفًا دائمًا فيها لتلاوة كتاب الله، وكانت تتم دعوته كل عام وتكريمه سنويًا فيها، وكان يعتز كثيرًا باحتفالات ليلة السابع والعشرين من رمضان ودعوات الجمعيات الخيرية له لحضور فعالياتها.

■ قرأ القرآن بالكامل وأجاد تلاوته.. هل كانت هُناك سور بعينها يتجلى فيها بصوته؟

- سورة الأعراف، خاصة أنها أول سورة تلاها فى الإذاعة المصرية، وكان يتجلى فيها بصوته، كذلك هناك العديد من السور التى كان يحب قراءتها فى الاحتفاءات الكبرى مثل الأحزاب والقصص وهود، وأذكر أنه خلال زيارتنا فى إحدى المرات لمحافظة الشرقية خرج خلفنا أطفال إحدى القرى يرددون فى صوت واضح آيات من سورة الأحزاب بنفس الأسلوب الذى كان يقرأ به الشيخ الطبلاوى.

■ شهدت الساحة وقت ظهوره وتألقه كوكبة من المقرئين الكبار.. كيف كان يرى شكل المنافسة بينهم؟

- لم تكن هنالك منافسة على الإطلاق بين هؤلاء الكبار من المقرئين، بل على العكس شهدت العلاقة ودًا وتآخيًا لا مثيل له، حيث كان الشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ محمود خليل الحصرى والشيخ شعبان الصياد من أقرب أصدقائه، ولكل منهم مدرسته الخاصة فى التلاوة ولها روادها من شتى أنحاء العالم، وكل منهما كان يعرف قيمة نفسه جيدًا ولم تعرف الغيرة أو الأحقاد لعلاقتهم طريق.

■ مَن القارئ الذى كان يستمع إليه الطبلاوى؟ وهل كان يستمع لتسجيلاته؟

- هناك العديد من المقرئين مثل الحصرى والمنشاوى وكامل البهتيمى وشعبان الصياد وعبدالعظيم زاهر والشيخ محمد رفعت، ولكنه أغلب الوقت كان يُشجع الأصوات الشابة والجديدة على الساحة، ولم يكُن يستمع لنفسه نهائيًا بعد الحفلة أو التسجيل.

■ تردد أن الشيخ الطبلاوى كان على صداقة بمالك شركة تسجيلات «مسيحى الديانة».. حدثنا عن تفاصيل تلك العلاقة؟

- بالفعل، حيث كان يرتبط بعلاقة صداقة بـ«موريس إسكندر» مالك إحدى شركات التسجيلات القريبة من مكان سكنه فى منطقة العجوزة، وفى إحدى المرات كان الشيخ فى زيارة لصديقه موريس ووجده مهمومًا للغاية، وعرف منه أن سبب الأزمة تأخر الشيخ نصر الدين طوبار فى إرسال عدد من الابتهالات المُتفق على تسجيلها لشركة موريس، ليقرر والدى حل أزمة موريس بالاتفاق معه على تسجيل عدد من الابتهالات بصوته، وبالفعل سجل الشيخ حوالى ١١ ساعة من التسجيلات النادرة. 

■ هل اقتصرت صداقاته على أبناء دولة التلاوة أو زملاء المهنة فحسب؟

- على الإطلاق، بل كان على علاقة ود وصداقة بعدد كبير من خارج محيط دولة التلاوة، مثل الكاتب الكبير محمود السعدنى والإعلاميين محمود سعد وأحمد المسلمانى، وكانوا جميعًا على تواصل دائم معه ويتبادلون الزيارات من حين لآخر.

■ كيف قضى الطبلاوى أيامه الأخيرة قبل أن ينتقل لجوار ربه؟

- الشيخ رحمه الله عانى من آثار المرض فى آخر أيامه، وفضّل حينها العيش فى قريته بالمنوفية فى بيت العائلة، حتى يبقى بين أهله وناسه حتى توفاه الله راضيًا عن مسيرته التى قدمها فى رحاب كتاب الله وتلاوة كلامه.