الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

طارق الشناوى: حال السينما المصرية «تعيس».. والرقابة أزمتها الكبرى

طارق الشناوى
طارق الشناوى

 خالد عبدالجليل يحافظ على منصبه باتباع مبدأ «بلاها دوشة دماغ»

 رئيس جهاز الرقابة «متشدد» ولا أعلم سر التجديد له بعد المعاش

على مدار العددين السابقين، فتحت «حرف» ملفًا فى غاية الأهمية، هو أزمات السينما المصرية، التى تعد من أهم القوى الناعمة الفاعلة، والأسلحة القوية فى معركة الوعى.

وتنوعت الموضوعات فى هذا الملف، بداية من موضوع التراث السينمائية المصرى المُسرب والضائع بفعل فاعل، وصولًا إلى تقلص دور العرض السينمائى بشكل كبير، وغيرها من أزمات الإنتاج والعرض والتوزيع.

فى السطور التالية، نحاور الناقد الفنى طارق الشناوى، عن حال السينما المصرية، وهل هى حقًا فى تراجع أم لا، وما الذى تحتاج إليه على وجه التحديد، مع استعراض رؤيته بشـأن مآل تراثنا السينمائى.

السينمات المصرية

■ بداية كيف ترى حال السينما المصرية فى الوقت الراهن؟

- لا شك أن حال السينما المصرية حاليًا «تعيس»، وحتى عندما نشارك فى المهرجانات، يكون هذا من خلال أفلام مُنتجة خارج مصر. هذا العام مثلًا لدينا فيلمان فى مهرجان «كان» جرى إنتاجهما خارج مصر، وذلك راجع إلى توافر مساحة وهامش للحرية.

السينما المصرية بخير لأن مبدعيها بخير، لكن الإنتاج داخل مصر مرتبط بقيود رقابية كثيرة، وصحيح أنها ليست من اختراع مدير الرقابة الحالى، لكنى أرى أنه «متشدد»، وبطبعه حريص على المنصب، لأنه يعلم جيدًا سوء أن يتخلى المنصب عنك، إذا لم تكن قيمة أدبية فى الحياة، فهو ليس نجيب محفوظ، الذى كان رقيبًا فى الخمسينيات، ولأنه فى النهاية نجيب محفوظ، لم يكترث بمغادرة المنصب. 

موظف الدولة دائمًا ما يكون حريصًا على أن يكون مرضيًا عنه، لذا ففى حالة الرقيب السينمائى، تجده يقول: «أكيد الدولة مبتحبش دوشة الدماغ»، وبالتالى لا تريد مناقشة قضايا ساخنة، مثل الحجاب والأديان والفساد... إلخ.

أتذكر أن فيلم «رأس السنة»، الذى يدور حول مجتمع الأثرياء المخملى، ظل حبيس أدراج الرقابة لمدة سنة، خوفًا من أن يثير ضغائن لدى هذا المجتمع، رغم أن أفلامنا القديمة كان فيها المجتمع المخملى والفقير، وللعلم عُرض الفيلم فى النهاية، لكن بعد أن أخرته الرقابة لمدة عام.

هنا المشكلة مزدوجة، قواعد رقابية صماء، ورقيب ينفذ القواعد حرفيًا ولا يدافع عن الإبداع، بل يدافع عن منصبه، ويعتقد أن الطريق الوحيد للحفاظ على هذا المنصب هو تجنب أى أعمال فنية قد تثير نزاعات.

واتضح أن هذا صحيح، بدليل أن الدولة قد جددت لهذا الرقيب بعد خروجه على المعاش، إذن هو على صواب، وقرأ ما تريده الدولة بشكل صحيح، من خلال الرهان على أنه سيجد من يحميه فى موقعه، وعلى أساس أنه «بيقدم السبت»، عبر عدم التصريح بأى أعمال «تثير مشاكل أو غضبًا» من وجهة نظره، وبالتالى يبقى فى موقعه.

ويدعونى هذا للتساؤل: لماذا جرى التجديد للرقيب الحالى؟ هل لأنه يناصر الحريات؟ أكيد لا، وهل صانع القرار الذى حرص على بقاء خالد عبدالجليل بعد المعاش، حريص على انتعاش الفن؟ أكيد لا، لكنه حسبها بمنطق أن هذا الرقيب يضمن الهدوء النسبى.

فيلم رحلة 

■ خلال الموسم السينمائى فى عيد الفطر الماضى، لم تشهد دور العرض سوى ٤ أفلام فقط، وهو رقم قليل للغاية مقارنة بمواسم سابقة.. بم تفسر ذلك؟

- هذه المعلومة التى تداولتها الصحافة الفنية كدلالة على ضعف الإنتاج غير صحيحة، لأن الإنتاج يزداد، وهنا أتحدث عن العدد لا الكيف. كما أن هناك أفلامًا كثيرة تراجعت عن العرض فى العيد، من بينها فيلم «السرب»، الذى كان من المقرر أن يُعرض فى موسم عيد الفطر الماضى، لكن رأى صناعه أن الأفضل عرضه بعد العيد، وغيره الكثير.

وحكاية الـ٤ أفلام هذه تعود إلى أن شركات التوزيع والمنتجين يتفقون على تقسيم الأفلام على الـ٥٠٠ دار عرض، وخلال موسم عيد الأضحى المقبل ستُعرض ٦ أو ٧ أفلام، وهى أفلام قوية بالمناسبة، لكن رأى صناع هذه الأفلام، أنه فى حدود الموجود الآن، ومع وجود أفلام أجنبية قوية، ينبغى الاكتفاء بالأفلام الأربعة التى عُرضت فى عيد الفطر.

إذن القياس سالف الذكر خاطئ، فعدد الأفلام المصرية المنتجة فى ٢٠٢٣ أكثر من ٢٠٢٢، وأفلام ٢٠٢٢ أكثر من ٢٠٢١، والأفلام التى تُنتج حاليًا وستحتسب على ٢٠٢٤ أكثر من ٢٠٢٣، وهذه الزيادة سببها وجود سوق سعودية قوية جدًا، تستوعب الأفلام المصرية، وتدر عليها إيرادات كبيرة، ما يؤدى إلى زيادة الإنتاج، وبالتالى غير صحيح أن هناك تراجعًا فى الإنتاج.

بوستر فيلم شقو

■ أين الأزمة إذن من وجهة نظرك؟

- التراجع فى الكيف، بمعنى أنه لدينا سيناريوهات يخشى الرقيب إجازتها، يرتعش منها، إلى جانب أفلام موجودة لديه فى الدرج، ولخوفه على موقعه يرفض عرضها، فعلى سبيل المثال، فيلم «رحلة ٤٠٤»، الذى عُرض موخرًا، وكان اسمه «القاهرة مكة»، بقى أكثر من سنة فى أدراج الرقابة.

كما أن القائمين على الرقابة يجبرون المنتج على عدم التصريح بالحقيقة، لذا اضطر منتج فيلم «رحلة ٤٠٤»، محمد حفظى، عندما خشى من عرض الفيلم فى مهرجان البحر الأحمر، للتصريح بأن الفيلم غير جاهز، وطلب عدم عرضه، فما الذى يجبر المنتج على إخفاء الحقيقة، غير أنه تلقى أمرًا من الرقيب بالتصريح بـ«كذا وكذا»؟! وفى النهاية وافق الرقيب على عرض «رحلة ٤٠٤»»، بعد سنة كاملة، وهذه السنة ما بين إنتاج الفيلم وعرضه، تعنى أن دورة رأس المال تعطلت لمدة عام، وهذا بدوره يؤثر على الإنتاج السينمائى. 

وكما قلت سابقًا، هذا الرقيب الذى يجدد له يكون ضعيفًا أمام الدولة، لأنه ينتظر كل سنة قرار التجديد، وأنت تحت المعاش تكون واثقًا من بقائك إلى سن الـ٦٠، وبعد الـ٦٠ يكون بقاؤك مرهونًا برضا القيادة المباشرة، فلا يملك الرقيب المخالفة.

والأدهى من ذلك أن الرقيب قد يزايد على الدولة، فإذا وجد شخصية مسيحى فى فيلم ما، يرسل السيناريو إلى الكنيسة، شخصية مسلم، يرسل السيناريو إلى الأزهر، ضابط شرطة إلى الداخلية، وهكذا، وعادة هذه السيناريوهات تُرفض من قبل هذه المؤسسات.

الرقيب ليس لديه قدرة وجرأة على الموافقة، ويعرف أن كلمة «لا» تنجيه من أى مساءلة، لذا يركن إلى الاستسهال والرفض، ويكون أشد ضعفًا بعد المعاش، فحينها سيقول «لا» أكثر، لضمان التجديد له فى منصبه.

حسين فهمي

■ وماذا عن المركز القومى للسينما؟ لماذا تراجع بعد أن كان ينتج أفلامًا مهمة لكبار المخرجين؟

- خالد عبدالجليل مُهيمن على المركز القومى للسينما، وأى قيادة يُسند إليها رئاسة المركز، أو مسئولية مهرجان الإسماعيلية مثلًا، يشترط فيها أن تكون تحت سيطرته، وهذا سر يجب أن يكشف المسئولون عن أسبابه.

أتذكر أن زينب عزيز، التى كانت رئيسًا للمركز القومى للسينما قبل عامين، قررت تغيير رئيس مهرجان الإسماعيلية، وجاءت بالمخرج سعد هنداوى، الذى أخرج دورة ناجحة، فجاء خالد عبدالجليل وقرر أن يضرب عصفورين بحجر واحد، من خلال عزل زينب عزيز نفسها، وإسناد المنصب لشخص كفء لكنه فى نفس الوقت موال له. «عبدالجليل» فعل هذا ليضمن مجىء رئيس لمهرجان الإسماعيلية وفقًا لرغبته، وفى نفس الوقت «يمشى» المركز القومى للسينما طبقا ًلأفكاره، بحجة أنه المستشار السينمائى لوزارة الثقافة، وبالتالى يهيمن على المركز أيضًا.

لا أعرف لماذا تترك الدولة هذه الأمور بهذه الطريقة، إلا إذا كان هناك من يدعمه، ولنكن صرحاء، لا بد أن يكون هناك من يدعمه، ويقول له: «ولا يهمك كمل».

السينما المصرية

■ كيف ترى الرأى القائل إن هناك «خطة ممنهجة للقضاء على السينما المصرية»؟

- لا، ليس هناك خطة ممنهجة للقضاء على السينما المصرية، لكن لا يتوافر وعى كاف بأهمية وجودها، وضرورة إتاحة هامش حرية لها.

■ وماذا عما يتردد حول ضياع تراثنا السينمائى؟

- السؤال المهم هنا: هل لدينا ثقافة الحفاظ على التراث؟ لا. أذكر هنا واقعة حدثت عام ١٩٩١، وكنت فيها شاهد عيان، وهى أنه مع أول مهرجان قومى للسينما المصرية، قال الأستاذ سمير غريب إن كل سنة سنعيد اكتشاف فيلم من تراث السنيما القديمة، فى حفل افتتاح المهرجان.

كنت أعرف صلاح أبوسيف، وكان عنده فيلم اسمه «نمرة ٦»، سبق أن صادرته وزارة الداخلية ومنعت عرضه، بداعى أنه «يخدش جلال الموت ويتاجر به»، لكن «أبوسيف» احتفظ به، وكان حيًا يرزق وقت المهرجان، كلمت سمير غريب وعرضت عليه الفكرة فتحمس لها، وحصلنا على الفيلم من صلاح أبوسيف، وجرى ترميمه وعرضه.

أحكى هذه الواقعة التى كنت شاهد عيان عليها، كى أؤكد أن المسألة مجهود شخصى، فأنا لست باحث سينما، لكن الصدفة هى التى عرفتنى هذا الفيلم، من خلال وجودى فى لجنة لترميم الأفلام، فحصلنا عليه وعرضناه، ومن خلاله صححنا مسار تاريخ صلاح أبوسيف فى السنيما، لأنه الفيلم الوحيد الذى أخرجه لإسماعيل ياسين، ومنحنا فرصة القول بأن «أبوسيف» عنده أفلام سابقة على التاريخ المعروف له، وهكذا.

إسماعيل ياسين

ولولا الباحثين السينمائيين الفرنسيين ما استطعنا الاحتفاظ بأفلام البدايات، مثل فيلم «ياقوت» لنجيب الريحانى، والذى لا توجد منه نسخة فى مصر، لكن باحثين سينمائيين فرنسيين محتفظين بنسخة لديهم، بموجب القانون الذى يشترط الاحتفاظ بنسخة لكل فيلم عند طباعته، وهى النسخة التى جلبناها وعرضناها فى المهرجان القومى للسينما المصرية، وهو ما حدث أيضًا مع فيلم «أولاد الذوات».

لم نكن نحتفظ بالأشرطة، والصدفة جعلت بعض هذه الأشرطة تُطبع فى فرنسا، ووفقًا للقانون جرى الاحتفاظ بنسخة من كل فيلم يُطبع هناك.. وطبعًا ضاع كثير من الأشرطة بفعل فاعل أو لسبب مجهول، ويمكن أن يكون الورثة قد باعوا بعضها.

كما أن السينما المصرية كانت ملكًا للدولة، من مطلع الستينيات حتى مطلع السبعينيات فقط، من خلال «المؤسسة العامة للسينما»، وبالتالى هناك أفلام كثيرة ليست من إنتاج الدولة، لذا لم تطبق قانون الحفاظ على النيجاتيف، والورثة باعوا هذه الأفلام، وهم معذورون، متقدرش تقول لواحد معهوش فلوس وحد هيشترى منه النيجاتيف إنه تراث مصرى أو وطنى، الوطن نفسه لم يهتم بشراء هذه الأفلام.

فاروق حسنى

فى ١٩٩٦، على صفحات «روز اليوسف»، طالبت صفوت الشريف وفاروق حسنى بأنهم ينزلوا يشتروا الأفلام، عندما ظهرت الفضائيات وبدأت تبحث عن الأفلام، وقلت لهما إن هذه الأفلام أمن قومى، انزلوا اشتروا الأفلام وادفعوا أكثر للورثة، لأنهم معذورون، لكن لم يستجب أحد للأسف.

هناك مأساة لكن هل نحن حريصون على حل هذه المأساة؟ لا، مثلًا مهرجان القاهرة للسينما يرمم فيلما كل سنة، لكن المشكلة أن حسين فهمى ليس لديه موارد مادية كافية لترميم هذه الأفلام، أيضًا مهرجان البحر الأحمر يرمم أفلام مصرية، لكن علينا كدولة أن نرمم ما تبقى ونحاول أن نستعيد من الفضائيات ما لا نملكه.

فيلم شقو 

■ ما الحلول العاجلة لإنقاذ السينما المصرية؟

- الحل أن تكون هناك إرادة فعلًا لفتح الباب ومناقشة كل القضايا، وأن تدرك الدولة أهمية أن يرتفع سقف الحرية الفنية، وأن استمرار الرقيب الحالى فى أداء الدور المطلوب منه، وهو «النفخ فى الزبادى»، يعنى تراجع السينما أكثر فأكثر. وكما قلت سابقًا، عدد الأفلام المنتجة يزداد وسيزداد أكثر، لأن هناك سوقًا ترحب بهذه الأفلام الآن، لكن المشكلة تكمن فى هامش الحريات الذى يتقلص.