الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

فى الحوار الأخير

بول أوستر: أتألم وجسدى مثل شجرة مقطوعة الأغصان

بول أوستر
بول أوستر

- مرضى دفعنى للعمل المتواصل وجعلنى أعيش معجزات وصعوبات

- مشهد عجوز يراقب عصفورًا ألهمنى كتابة «بومجارتنر»

بينما كان الكاتب الكبير بول أوستر على وشك الانتهاء من روايته الأخيرة «بومجارتنر»، أخبره الأطباء بأنه مصاب بمرض السرطان، وهو المرض الذى توفى على إثره فى 30 أبريل الماضى.

وفى أواخر أيام حياته عاش «أوستر» الكثير من اللحظات الصعبة، وأحس بالكثير من المشاعر المختلطة وكان يشعر بأن الموت أقرب ما يكون إليه، لذلك كان يدون فى روايته الأخيرة أفكارًا عن الحكمة والوجود الإنسانى، وكأنه يؤرخ لحياته أو بالأحرى يتنبأ بموته.

وفى 18 نوفمبر 2023 أى قبل وفاة «أوستر» بأشهر قليلة، أجرى نيكولاس روو مقابلة خاصة مع الكاتب الراحل، تحدث خلالها الأخير عن الحالات التى يعيشها خلال كتابة روايته، وأصداء ذلك على حياته وسلوكه اليومى، وغير ذلك، وهى المقابلة التى تنشرها «حرف» مترجمة خلال السطور التالية. 

بول أوستر 

أرض السرطان

فى بداية الرواية يتحدث بطلها الذى يحمل نفس اسم العمل، مع خبيرة نفسية بعد فقدان زوجته فى حادث سباحة غريب، ويقول لها: «يمكن أن يحدث لنا أى شىء فى أى لحظة. أنتِ تعرفين ذلك، وأنا أعلم ذلك، ويدرك الجميع ذلك، وإذا لم يكونوا يعلمون، إذًا، فهم لا ينتبهون».

فى الرواية نتعرف على تفاصيل حياة البطل «ساى بومجارتنر»، أستاذ الفلسفة المتفرغ فى جامعة برينستون، والذى يعانى بعد ١٠ سنوات من وفاة زوجته «آنا» من حالات اكتئاب قاتمة وتقلبات عنيفة وغير متوقعة.

وخلال الأحداث، يشعر البطل بالإحباط من المهمة البسيطة المتمثلة فى الاتصال بأخته، ويحرق نفسه بمقلاة ساخنة، ويتعثر على السُلّم أثناء زيارة جاره فى الطابق السفلى فى منزله.

وتحدث «أوستر»، البالغ من العمر ٧٦ عامًا من منزله فى بروكلين بنيويورك عن روايته الجديدة، قائلًا: «كنت أرغب فى تجربة قلمى فى كتابة قصة قصيرة، شىء لم أقم به تقريبًا خلال مسيرتى المهنية».

وقال: «كتبت كتابين ضخمى الحجم. لم يكن ذلك مقصودًا حقًا. فإذا أوقع أحد هذه الكتب على قدميك ستكسرها. لذا أردت شيئًا أقصر، وعندها ظهر عجوز أمامى، جالسًا فى منزله وينظر من النافذة إلى عصفور يسحب الديدان من التربة. كتبت قصة بعنوان (الديدان)، لكننى لم أكن أرغب فى تركه لحاله. كان هناك المزيد، لذا بدأت من جديد، وأنا أعلم أن تحت هذه البداية سأكتب أشياء أكثر قتامة». 

ويحلل «أوستر»، خلال الرواية، الجوانب الأكثر غموضًا فى علاقة «بومجارتنر» التى استمرت عقدين مع زوجته، قائلًا: «عاش الخسارة والحزن. وتبين أنه كان فى علاقة سخيفة فى النهاية»، مردفًا: «تورط فى طلب زواج فاشل بشكل محرج، من امرأة كان يتخيل أنها قد تكون بديلًا لآنا». 

ويتناول البطل دفتر يوميات زوجته «آنا»، ثم ينشر ويروج أشعارها التى لم تنشر من قبل، ويتذكر حوادث من طفولته وحياته وتاريخ عائلته، التى بطريقة ما تتطابق بشكل غير كامل مع حوادث فى طفولة وحياة وتاريخ «أوستر».

فى آخر عامين، تعرض «أوستر» نفسه لحوادث مؤلمة، أولها، حادث عائلى مروع حظى بتغطية صحفية واسعة حيث توفيت حفيدته الرضيعة، أثناء رعاية ابنه لها. وهو ابنه من زوجته الأولى كاتبة القصة القصيرة الشهيرة «ليديا دايفس»، وتوفى ذلك الابن نتيجة جرعة زائدة من المخدرات.

والموقف الثانى تمثل فى إعلان زوجته الكاتبة سيرى هوستفيت، للعالم عبر منصة «إنستجرام» عن أن «أوستر» يتلقى جرعات من العلاج الكيميائى والمناعى، وأنهما يعيشان الآن فى ما أطلقت عليه «أرض السرطان».

بومجارتنر

ونهاية العام الماضى، عندما كان «أوستر» ينهى كتابة «بومجارتنر»، بدأ يعانى مما وصفه بـ«حمى غامضة تصيبنى فى فترة ما بعد الظهر». 

وشُخّص فى البداية بالتهاب رئوى قبل أن يسير فى طرق علاج فاشلة حيث قيل حينها إن لديه إصابة طويلة بـ«كورونا»، ثم شُخّصت حالته أخيرًا بالسرطان، واصفًا تلك المرحلة بقوله: «منذ ذلك الحين، كان العلاج متواصلًا بصرامة ولم أعمل حقًا. لقد مررت بشدائد أنتجت معجزات وصعوبات كبيرة».

وتحدث عن «أرض السرطان»، قائلًا: «لا توجد خرائط ولا فكرة عما إذا كان جواز سفرك سارى المفعول للخروج منها، لكن هناك مرشد يتصل بك فى بداية الأمر، يتحقق من أنه حصل على الاسم الصحيح ثم يقول: أنا من شرطة السرطان. عليك أن تتبعنى، حينها ماذا ستفعل؟ تقول: حسنًا. ليس لديك خيار حقيقى فى المسألة، حيث يقول إذا رفضت الانضمام سأقتلك. وقلت: أفضل الحياة. خذنى إلى حيث تشاء. ومنذ ذلك الحين، كنت أتبع تلك الطريق».

وقال «أوستر» إن انبهاره بفكرة «لحظة تغيير الحياة» جاءت من حادث فى طفولته كان نقطة الانطلاق لرواية «٤٣٢١»، حيث قُتل صبى كان يقف بجواره فى مخيم صيفى بسبب صاعقة رعدية، مضيفًا: «كانت تلك تجربة مؤثرة فى حياتى. ففى سن الرابعة عشرة كل شىء تمر به يكون عميقًا. أنت فى مرحلة التطور. ولكن أن تكون مباشرة بجوار صبى قتلته الآلهة بشكل خاص، هذا غيّر نظرتى للعالم بأسره».

وأكمل: «كنت أفترض أن الراحة البرجوازية التى أتمتع بها فى ضواحى نيو جيرسى بعد الحرب تتميز بنوع من النظام. ثم أدركت أن لا شىء يتمتع بتلك النوعية من النظام. عشت مع هذه الفكرة منذ ذلك الحين. إنها فكرة مرعبة، لكنها أيضًا تحررية. إنها تجعلك متأهبًا. وإن استطعت تعلّم ذلك الدرس، فبإمكانك احتمال بعض الأمور فى العالم أكثر مما كان يمكنك تحمله من دون ذلك الدرس، وأؤمن أن الدافع للكتابة وسرد القصص مختلف لدى لكل كاتب».

وواصل: «عندما يموت شخص هو مركز حياتك، فإن جزءًا منك يموت أيضًا، هذا ليس بالأمر البسيط، لن تتجاوزه أبدًا، ستتعلم كيف تتعايش مع ذلك على ما أفترض. ولكن يتمزق جزء منك، وأنا أردت استكشاف ذلك».

الطرف الوهمى

فى «بومجارتنر»، يفكر «ساى» لفترة طويلة فى متلازمة الذراع الوهمية، ويصف نفسه بأنه جذع بشرى ما زال يشعر بأطرافه المفقودة وأنها لا تزال تؤلمه، حتى إنه فى بعض الأحيان يشعر بأن جسده على وشك الاشتعال.

يحكى «أوستر» عن ذلك بقوله: «أوشكت على تسمية الكتاب بالطرف الوهمى، إنها فكرة قوية للغاية، تلك الروابط التى نملكها مع الآخرين بالنظر لمدى أهميتهم فى حياتنا»، مضيفًا: «قد يكون من الصعب علينا التحدث عن الحب، بالطريقة التى يستحق أن يُحكى عنه بها. الحب طويل الأمد، مستمر، مدى الحياة وبكل التحولات والمنعطفات الممكنة».

ويعتقد أن «سيرى» تعبر عن ذلك بشكل أفضل عندما تقول إن الناس يرتكبون خطأ فى استخدام نموذج الآلة عند التفكير فى الحب قائلًا: «يجب أن تفكر فى الحب كنوع من الشجر أو النبات، وأن الأجزاء ستذبل وربما تضطر إلى قطع فرع لدعم النمو العام للكائن. فإذا تمسّكت بالحفاظ عليه بالضبط كما كان، فسيموت يومًا ما أمام عينيك. لكى يستمر الحب يجب أن يكون عضويًا. عليك أن تستمر فى التطور مع مرور الوقت حتى تتشابك كل الأشياء».

وواصل «نحن لا نعرف شركاءنا تمامًا. فهناك ألغاز لن نتمكن من الإجابة عنها أبدًا. لكننى أعتقد أن هذا ينطبق أيضًا على ذواتنا. فلدى أنا شخصيًا أشياء كثيرة فى حياتى لا أفهمها. أفعالى على مر السنين. لماذا فعلت ذلك؟ ما الدافع وراءها؟ يقضى الناس سنوات فى التحليل محاولين معرفة الإجابات. لم أفعل ذلك من قبل، لذلك كنت بمفردى بشكل أو بآخر، وأحاول اكتشاف الأمور، ويجب أن أقول بصراحة إننى لا أعتقد أننى حققت الكثير من التقدم».

الكاتب الكبير بول أوستر 

وتحدث الكاتب الراحل عن أصداء نشر روايته الأخيرة «بومجارتنر»، قائلًا: «حظيت بتقدير جيد ولكن لم تثر الكثير من ردود الأفعال، بالطبع، هذا محبط، لأنه، وربما يكون الناس قد سئموا من موضوعها. فلم يحدث نقاش أبدًا حولها».

كما تحدث عن رأيه فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، قائلًا: «أتفهم عدم حماسة العديد من الديمقراطيين لجو بايدن. بالتأكيد لم يكن بايدن أول مرشح لى فى انتخابات عام ٢٠٢٠. لكنه فاجأنى بشكل كبير، أعتقد أنه كان استثنائيًا. وربما فى هذه السنوات القليلة، كان واحدًا من أفضل الرؤساء الذين يمكن أن أتذكرهم فى حياتى. إنه يفهم أن الحكومة لها دور مهم فى صحتنا العقلية والأخلاقية والاقتصادية. والبرامج التى اقترحها تمثل تقدمًا عما حدث فى الـ٤٠ أو ٥٠ عامًا الماضية».

وأكمل: «يحاول الجناح اليمينى تصوير بايدن على أنه الرجل العجوز العاجز، وهذا بعيد عن الحقيقة. إنه قادر تمامًا ويعرف أكثر من أى شخص آخر فى واشنطن عن الحكومة. لقد ارتكب أخطاء، نحن جميعًا نعرف ذلك، لكنه ليس خيارًا سيئًا فى الوقت الحالى ولا أستطيع التفكير فى أى شخص أفضل منه اليوم. لذا أنا أدعو لكى يفوز فى الانتخابات المقبلة، وهى ستكون انتخابات صعبة ولا يمكن تصورها. ولا يمكننا حتى البدء فى التنبؤ بكيف سيتصرف الطرف الآخر إن لم يحصل على الأصوات التى يريدها».