الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

بعد صدور روايتها  «عملية تجميل»

زينب عفيفى: أتمنى الوصول لمستوى دوستويفسكى.. ولا أنتظر تقديرًا على ما أكتب

زينب عفيفى
زينب عفيفى

 أكتب اللغة السهلة الممتنعة المستمدة من عملى فى الصحافة

 لدغة ناموسة فى وجهى وراء كتابتى «عملية تجميل»

 الرواية مليئة بالقصص الواقعية.. والخيال فيها قليل جدًا

 الكتابة تشفى أوجاعى.. وتقدير المثقفين والقراء جائزتى الحقيقية

ترسخ الروائية زينب عفيفى فى روايتها الجديدة «عملية تجميل» للرسالة أو الحكمة القائلة: «لا يوجد جمال يفوق جمال الروح»، وتكرر فيها المبدأ الرئيسى الذى تعيش عليه ويظهر فى كل أعمالها، وهو أنها تكتب لنفسها، باعتبار أن الكتابة فعل يشفى أوجاعها.

تصف زينب عفيفى «عملية تجميل» بأنها عمل كتب نفسه بنفسه، وتنطلق فيه من أزمات النفس البشرية وولعها بالخلود وعدم احترام الطبيعة الكونية والفطرة الإنسانية، من خلال أحداث «فانتازية» لا تخلو من السخرية من الواقع.

عن الرواية وأسباب كتابتها، وسر إهدائها إلى «الناموسة التى غيرت حياتها»، وفعل الكتابة نفسه، ونظرته للجوائز الأدبية، وأهم الكتاب الذين تأثرت بهم ولا تزال تقرأ لهم، يدور حوار «حرف» التالى مع الروائية والكاتبة الصحفية زينب عفيفى.

حفل توقيع 

■ لو وضعنا تعريفًا مختصرًا لـ«عملية تجميل» يمكننا القول إنها رواية عن الجمال والقمح.. ما أبرز ملابسات كتابتها؟

- رواية «عملية تجميل» هى العمل الثامن عشر فى مسيرتى بعالم الكتابة بين الصحافة والكتابات الأدبية، وهى العمل الوحيد الذى أعترف أنه كتب نفسه بنفسه، غالبًا كل ما كتبته من قبل كان يأخذ وقته من التفكير فى الإعداد والكتابة. أما هذه الرواية فكتبتها فى فترة قياسية ربما وصلت إلى ٦ أشهر، وهذا الأمر لم يحدث لى من قبل ولم أفكر يومًا فى الكتابة بهذه السرعة، ولكن واقع الرواية فرض نفسه على العمل.

أما فكرة كتابتها فجاءت مصادفة بعد أن أصابتنى لدغة ناموسة فى وجهى، ما جعلنى أذهب إلى طبيب للأمراض الجلدية، وهناك رأيت شابات وشبابًا يجرون عمليات تجميلية، مثل: حقن «البوتكس» و«الفيلر»، ودار بينى وبين الطبيب حديث طويل حول هذه الظاهرة، التى انتشرت بشكل كبير جدًا بين الجميع، حتى بات كل طبيب للأمراض الجلدية يضيف إلى لوحة عيادته جملة «طبيب الأمراض الجلدية وعمليات التجميل».

هنا تفجر فى ذهنى سؤال: ماذا لو اخترع طبيب حقنة تمنح الشباب الدائم لسكان مدينة كاملة؟ وهل سيمنح الشباب الدائم السعادة للسكان؟ ثم عرضت فكرة الرواية على الطبيب المعالج الذى تشجع لفكرتها، وأمدنى بالعديد من الأبحاث والدراسات العلمية التى تجرى حاليًا حول هذه الفكرة، التى ما زالت تخضع للبحث والدراسة.

ورواية «عملية تجميل» كتبتها بأسلوب ساخر فانتازى لأول مرة فى حياتى، والطريف أننى أهديتها إلى «الناموسة التى غيرت حياتى»، ما أثار تعليقات ساخرة من البعض.

■ عمليات التجميل دائمًا ما يجريها كبار السن.. ألم تشعرى أن روايتك قد تكون موجهة لشريحة معينة؟

- على العكس، فقد لاحظت أن المهتمين بتلك العمليات ليسوا كبار السن أو من لديهم مشاكل خلقية فقط، وإنما صغار السن ومن هم فى العشرينيات من العمر، كنوع من الحماية ضد الشيخوخة، والرواية مليئة بالقصص والحكايات من الواقع بالفعل، فالخيال قليل جدًا فى هذا العمل.

غلاف رواية معك تكتمل صورتى

■ الرواية تبدو بسيطة لكنها تغوص بعمق فى مشكلات المجتمع.. هل قصدتِ ذلك؟

- حين بدأت فى كتابة الرواية كانت الفكرة الملحة هى: هل الشباب الدائم يمكن أن يعيد لنا أحلامنا المسروقة فى الحب والعمل والزواج وكل العلاقات الفاشلة، ومواقف الخيبات والخذلان التى مرت فى حياتنا مع الزمن؟ على أساس أن كل شخص من سكان هذه المدينة فاته حلم ما يريد استعادته، وأن عودته للشباب يمكن أن تساعده على أن يعوض ما فاته أو يصلح خطأ اتخذه فى ماضيه، وعلى أساس أنه يمتلك قوة جبارة هى قوة الشباب بكل طموحه وعنفوانه وأفكاره الجريئة فى تغيير الواقع، ولكن فى الرواية لم تتحقق كل هذه الأمنيات، بل إنها أوجدت أزمات أصعب من حلم العودة للشباب الدائم.

■ تعرفنا فى الرواية على شخصيات مثل «شريهان مهندسة الديكور» و«صفية المذيعة» و«طارق ابن الأخت» و«طبيب التجميل».. هل استخدمتِ هذه الأسماء للتورية على شخصيات أو أحداث حقيقية؟

- هذه النوعية من الكتابات الفانتازية تسخر من الواقع المعاش، لا بد أن تحتوى على دلالات وتأويلات لا يقصدها المؤلف، ولكنها تأتى بصورة تلقائية مع السرد غير الواقعى بطبيعة الأحداث، وقد اخترت وظائف وأحلامًا تناسب الحدث الفانتازى.

اخترت طبيبًا يحلم بسبق عالمى يكتسب به الشهرة والمال، ومذيعة التليفزيون التى يمثل الجمال لها رأس مالها للاستمرار فى العمل، وابن الأخت الشاب الذى نسيت البطلة معه شبابها فى تربيته، ولم تلتفت لجمالها أو شبابها، وأصبح يتبنى فكرة أن يختار المرأة الجميلة للزواج منها بغض النظر عن عمرها الحقيقى المخبأ خلف وجه شابة، بعدما أصيبت المدينة بلوثة الجمال المزيف.

■ هل هناك تماس بينك وبطلة الرواية «شريهان» فى حياتك الواقعية؟

- ليست روايتى «عملية تجميل» وحدها لها ظلال فى داخلى، كل عمل قدمته له أصل فى عالمى الخاص، يظل يلح بداخلى إلى أن يخرج فى عمل أدبى أو مقال صحفى. وأنا لست بعيدة عن نفسى، ولست متجاهلة العالم من حولى، وقد يدهشك أن أحلام المنام متواصلة مع عالمى الواقعى، وفى كثير من الأحيان يختلط الواقع بالخيال، ولا أعرف هل أنا فى حلم منام أم فى واقع معاش.

غلاف رواية خمس دقايق

■ العمل يزخر بالثنائيات: «النهار/ الليل»، و«المرأة/ الرجل»، و«الجمال/ القبح» وغير ذلك.. لماذا لجأتِ إلى هذه المتناقضات؟

- البشرية كلها تعيش فى تلك التناقضات فقد خُلق الكون على التضاد، الخير والشر، والليل والنهار، والجمال والقبح، وهكذا، وهذا ساعدنى فى تجسيد فكرتى من خلال البطلة «شريهان»، التى رفضت فكرة الثبات على شىء واحد، والذى فرضته فكرة الرواية، وهو الشباب الدائم، وقررت أن تعيش بطبيعة الحياة التى خُلقنا عليها بكل مراحل العمر من الميلاد حتى الممات.

للأسف لم يتركها العالم المزيف تعيش بسلام مع طبيعتها، وظلت تقاوم هذا الهراء والهوس المزيف، ما جعلها تفقد الحب وحلم تكوين أسرة، وحتى ابن أختها الذى عاشت لتربيته طوال حياتها، بعد رحيل شقيقتها فى عز شبابها، لم يصمد معها وترك المدينة، وهاجر مثل كل الشباب الحقيقيين الذين لم يجدوا لهم مكانًا فى هذه المدينة، بعد ما تمسك فيها المتصابون بكل مناحى الحياة فى العمل والزواج، فلم تعد هناك سن للتقاعد ولا عمر فى الزواج، وأصبحت فرص الشباب الحقيقية منعدمة فى هذه المدينة المتصابية.

■ تناقشين بشكل غير مباشر ظاهرة «تسليع النفس البشرية».. هل توجهين بذلك نقدًا للمجتمع والناس؟

- فكرة الرواية مبنية أساسًا على الخيال الفانتازى الذى يحارب الزيف ضد الأقنعة المزيفة، حتى ولو كانت أقنعة جميلة تتمثل فى الوجوه وبنية الجسد، والتى امتدت لتشمل الأبنية العريقة والشوارع التاريخية، وقناعة أن كل هذا الجمال بأشكاله ليس له قيمة دون جمال الروح، بالإضافة إلى فكرة الثبات والتجمد التى تصيب أى إنسان بالقتل البطىء، مهما كان جميلًا.

غلاف رواية عملية تجميل

■ فى ظل كل التقنيات اللغوية فى الرواية.. هل للموضوع أو الحدث الروائى دور فى اختيار اللغة؟

- بالتأكيد الحدث الروائى يحدد نوعية اللغة، إذا كان حدثًا فلسفيًا أو فانتازيًا أو اجتماعيًا رومانسيًا، لكن بشكل عام أنا أكتب اللغة السهلة الممتنعة التى منحتنى إياها الصحافة واكتسبتها بالممارسة، أكتب الجملة البسيطة السلسة التى تحمل أكثر من معنى.

■ ما سر تأثرك الواضح بروح وقلم إحسان عبدالقدوس الذى قابلتيه وتحاورتِ معه كثيرًا؟

- لا أنكر أن الكاتب إحسان عبدالقدوس من أوائل الكُتاب الذين قرأت لهم وتأثرت بقصصهم فى عمر مبكر، ومازلت أقرأ له من وقت إلى آخر، لكن مع نمو القراءة لدى تأثرت جدًا بكُتاب آخرين، لدرجة أننى أتمنى أن أصل إلى مستوى كتاباتهم وأفكارهم، مثل الروسى العظيم دوستويفسكى، وكاتبى المفضل دومًا، الذى قرأت كل أعماله وسيرته الذاتية وكل ما يخصه، والكاتب ستيفان زفايج.

وقد التقيت القاص والكاتب إحسان عبدالقدوس مرتين فى حياتى الصحفية، فى حوارات طويلة نشرتها فى جريدة «أخبار اليوم»، وكذلك فى كتاب لى بعنوان «هؤلاء يعترفون»، ضم عمالقة الأدب والفكر آنذاك، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر كاتبنا الكبير صاحب «نوبل» نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وإحسان عبدالقدوس، وفتحى غانم، وصلاح جاهين.

وأتذكر أننى سألت الكاتب إحسان عبدالقدوس سؤالًا ساذجًا، وأجاب على بإجابة فهمتها حين كبرت فى العمر. سألته بسذاجة حداثة السن: «هل كل بطلات روايتك أحببتهن والتقيت بهن فى الواقع؟»، فنظر إلى مبتسمًا وقال: «لا، طبعًا. مثلًا أنت فتاة عادية لا تلفتين نظر أحد، لو كتبت عنك رواية، سوف تصبحين بطلة من بطلاتى!». وحين لاحظ حزنى من المثل الذى ضربه لى، قال ضاحكًا: «كل إنسان مهما كان شأنه يصلح أن يكون بطلًا فى رواية».

رواية عزيزى المستبد

■ أين زينب عفيفى من جوائز الدولة؟

- عشت عمرى وأنا أمارس الكتابة الصحفية والأدبية دون الالتفات إلى فكرة الحصول على جائزة، ولا أنتظر أى تقدير أو رد فعل على ما أكتبه، إننى أكتب فى الأصل إلى نفسى، ومن يحب أن يقرأنى أضعه على رأسى وأحمل له كل امتنان ومحبة، ولم أجبر أحدًا يومًا على قراءة ما قدمته طوال حياتى. 

ومع ذلك حصلت على جائزة أفضل صفحة ثقافية على مستوى مصر، من المؤتمر السنوى للأدباء فى ٢٠١٥. وإلى الآن أسمع تقديرات من كل المثقفين والأدباء والقراء الذين أعرفهم أو لا أعرفهم، وهذا بالنسبة لى جوائز حقيقية.

■ كيف ترين المشهد النقدى من خلال التعامل مع إبداعاتك؟

- أعتبر نفسى محظوظة، لأن كبار النقاد المرموقين تناولوا أعمالى الأدبية بالنقد والتقدير، والذى جعلنى ممتنة جدًا لكل من قرأ عملًا لى، وكتب عنه مقالًا لائقًا به.

■ أخيرًا.. كيف ترين مستقبل الفكر والفن والأدب؟

- الفكر والفن والأدب كلها أمور ترتبط بالتطور والزمن، وكلما امتلكنا المعرفة استطعنا أن نكتشف عوالم جديدة من حولنا، بهدف خدمة الإنسانية، وتسهيل ثقل الحياة، وحل مشاكلنا، فأنا مؤمنة بأن الفن بكل أشكاله حياة، ولست مع فلسفة «الفن للفن».

■ مَن مِن الكُتاب أو الكاتبات تحرصين على قراءة جديدهم؟

- الكتابة باختصار تساعدنى على اكتشاف نفسى، وفى حالات كثيرة تشفينى من أوجاعى. بحكم عملى كصحفية قدمت- على مدى 20 عامًا- صفحة أسبوعية فى «أخبار اليوم» مخصصة للكتب، وكل ما يصدر فى العالم العربى والعالم الأوروبى والأمريكى من جديد، وهذا خلق لدى عادة القراءة لكل ما يصدر من جديد، بغض النظر عن مسئوليات العمل، وأنا مدمنة قراءة لكل ما يقع تحت يدى، لدرجة أننى فى أحيان كثيرة أقف أمام مكتبتى وأغمض عينى وأجذب من الرف بطريقة عشوائية كتابًا لقراءته.