الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

تولستوى.. رجل الاستعراض المفتون بذاته

تولستوى
تولستوى

- كاتب الملاحم الخالدة يرى فى الكتابة «فعلًا سخيفًا ومخجلًا».. والمصلح الاجتماعى والأخلاقى مدمن الجنس والقمار والكاره للنساء

لم يعرف تاريخ الأدب العالمى رجلًا مثل الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوى، والمعروف عالميًا باسم ليو تولستوى، فى افتتانه بذاته، واستعداده لفعل أى شىء حتى يسمعه الناس ويمتثلوا لما يراه من أفكار ومعتقدات، وإن كان العمل فى شىء لا يحبه أو يحترمه مثل الكتابة الأدبية التى لم يتردد فى الحديث عنها باعتبارها «فعلًا سخيفًا ومخجلًا»، وأقل من أن يهدر فيها جهوده الاستثنائية، رغم أنها هى التى منحته، فى النهاية، بعضًا من خلود اسمه وأفكاره، فيما عاش هو يرى نفسه أقرب إلى الأنبياء والرسل، أو «جزء من سلالة رسولية»، أو حسبما كتب فى يومياته: «لا بد من تعويد النفس على فكرة أننى استثناء، إما لأننى سابق لزمنى، أو لأن لى طبيعة متنافرة لا يمكن أن تتأقلم أو تهدأ»!!

الصفحة العشرين من العدد العشرين لحرف

ذلك الكاتب الفذ الذى ترك قيادة روحه لتلك الرغبة الحارقة فى الظهور، فتحولت حياته إلى ما يشبه رحلة رجل الاستعراض المستعد لفعل كل شىء وأى شىء لكى يراه الجمهور، لا يهم أن يصفقوا له أو يحبوا عمله أم لا.. هو حالة تستعصى على الإمساك بتفاصيلها الروحية أو مكوناتها البشرية فى عبارة أو حتى جملة طويلة، فهو الكاتب الملحمى، والمصلح الاجتماعى والأخلاقى، وداعية السلام.. الكاتب الذى ينطلق فى رواياته من أهمية التمسك بالتعاليم الدينية كمخرج لكل ما يواجهه الفرد، ولا يخفى إيمانه بأن الحكمة الإلهية والتعاليم الدينية تعلو على كل الحلول، فيذهب فى كتابه «ما الفن» إلى أن «الفن ينبغى أن يُوجِّه الناس أخلاقيًا، وأن يعمل على تحسين أوضاعهم، ولا بد أن يكون الفن بسيطًا يخاطب عامة الناس».. وهو فى الناحية الأخرى مدمن القمار الذى باع أجزاء كبيرة من الأراضى التى ورثها عن عائلته لسداد بعض ديونه من اللعب، وتهرب من سداد بعضها أو تجاهلها.. هو الرجل شديد الخجل من النساء، والذى تعذبه رغباته الجامحة، فيدمن التردد على بيوت البغاء، ويخبر كاتب سيرته الذاتية أنه لم يكن قادرًا على الاستغناء عن الجنس حتى ما بعد الثمانين، وعلى عكس ما خطت يداه لتصوير حياة ومشاعر «آنا كارنينا» فى روايته الشهيرة التى تحمل اسمها، وصراعها الداخلى ما بين القلب والعقل، وبين الحب والواجب، فهو من كتب فى التاسعة عشرة من عمره أن «صحبة النساء شر اجتماعى لا بد منه.. مَن فى الحقيقة سبب الميل الحسى والانغماس والعبث وكل الخطايا الأخرى بداخلنا إن لم يكن النساء؟! ومَن الملوم لفقداننا صفاتنا الطبيعية من الشجاعة والإخلاص والتعقل والإنصاف إن لم يكن النساء؟»، وهو الذى لم يبذل أى محاولة جادة لفهم عقل المرأة، ولا يعترف بأنها يمكن أن تكون جادة وناضجة وكائنًا أخلاقيًا، فكتب وهو فى سن الخمسين ما نصه إن «المرأة بوجهٍ عام غبية، ولكن الشيطان يعيرها عقلًا عندما تعمل فى خدمته، وحينئذٍ تحقق معجزات فى التفكير وبُعد النظر والجَلَد لتصنع شيئًا مؤذيًا». أو عندما يكتب: «من المستحيل أن نطلب من المرأة أن تقيم مشاعرها فى الحب على أساس أخلاقى، إنها لا تستطيع أن تفعل ذلك، لأنها لا تمتلك شعورًا أخلاقيًا حقيقيًا يعلو كل المشاعر الأخرى».

تولستوى ودوستويفسكى

تولستوى ودوستويفسكى.. مفهومان مختلفان للوجود

فى مقال بعنوان «تولستوى أم دوستويفسكى؟!» تذهب الروائية والمخرجة اللبنانية نجوى بركات إلى أنك «إذا سألتَ روائيًا بمن تأثر أو إلى أية سلالة أدبية ينتمى، من النادر ألا تسمعه يقول اسم دوستويفسكى.. بعضهم سيتحدث عن تولستوى ولو بدرجة أقل، ربما لأن الأخير أكثر تفاؤلًا بالإنسان عندما يكون متناغمًا مع الطبيعة، من مواطنه المُغرق فى تشاؤمه من تناقضات النفس البشرية ومقدرتها على ارتكاب الشرور». 

وتقول «بركات» عن عملاقى الرواية الروسية إنهما جسدا فى كتاباتهما مفهومين مختلفين جذريًا للوجود: «فى السجن فى سيبيريا، أدرك دوستويفسكى الارتباط العميق للروس، بمن فى ذلك المجرمون الصغار، بالتقاليد المسيحية، وبداية من (الفقراء) وصولًا إلى (الإخوة كارامازوف) استولى السؤال التالى على أعماله (كيف يمكِن لإله الحبّ أن يخلق عالمًا يوجد فيه الشر؟). إن أشقى سبع سنوات فى حياته كانت أكثرها خصبًا، وقد توزعت بين نوبات الصرع وإدمان القمار وانعدام الأمان المالى والصراعات السياسية ووفاة طفله.. فى المقابل، كانت لتولستوى، وهو من ملّاك الأراضى وذوى الأصول الأرستقراطية، حياة مادية سهلة، وإن لم تخلُ من أزمات فكرية ووجودية كبرى حوّلته فى النهاية مصلحًا اجتماعيًا، داعية سلامٍ ومُفكرًا أخلاقيًا، بالإضافة طبعًا إلى إنجازه تحفًا أدبية خالدة».

غلاف اعتراف

ويقول بول جونسون فى كتابه «المثقفون»، بترجمة الراحل الكبير طلعت الشايب، فى فصل «تولستوى.. الشقيق الأكبر للإله»: «من بين جميع المثقفين الذين ندرسهم هنا كان ليو تولستوى الأكثر طموحًا، جرأته مخيفة وأحيانًا مرعبة.. كان يعتقد أنه بمصادر عقله الخاص وبفضيلة القوة الروحية التى كان يشعر بها تتفجر بداخله يستطيع إحداث تغيير أخلاقى فى المجتمع»، وفى موضع آخر من ذات الفصل يقول جونسون: «ولأنه كان فنانًا حقيقيًا لم يكرر نفسه، (الحرب والسلام) تغطى مجتمعًا بكامله، (آنا كارنينا) تركز على جماعة من الناس عن كثب، والكتابان جعلا منه بطلًا قوميًا، وحققا له شهرة عالمية وثروة وسمعة طيبة عن الحكمة الأخلاقية، ربما لم تتحقق لروائى آخر، ولكنه فى معظم حياته لم يكن يكتب أعمالًا روائية بالمرة، كانت هناك ثلاث فترات خلاقة.. القصص المبكرة فى خمسينيات القرن التاسع عشر، والسنوات الست التى قضاها فى كتابة (الحرب والسلام) فى ستينيات القرن، ثم إبداع (آنا كارنينا) فى السبعينيات، وبقية حياته الطويلة كان يصنع أشياء أخرى لها فى نظره الأولوية الأخلاقية»، ويضيف: «فى ظل النظام القديم كان الأرستقراطيون يجدون صعوبة فى التخلص من فكرة أن الكتابة كانت من أجل مَن هم أقل منهم شأنًا، بايرون مثلًا لم يكن يعتبر الشعر أبدًا أهم أعماله، رغم أنه كان من أجل مساعدة شعوب أوروبا لتحصل على استقلالها. كان يشعر بأنه هناك لكى يقود؛ كما يناسب طبقته ويليق بها، وهكذا كان تولستوى أيضًا. كان يشعر بأنه عليه أن يفعل ما هو أكثر من القيادة، النبوءة، وأحيانًا أن يقوم بدور المسيح. ماذا كان يفعل إذن عندما كان يقضى وقته فى الكتابة؟ لقد أخبر أحد الشعراء مرةً (إن كتابة القصص أمر سخيف ومخجل)».

غلاف طريق الحياة

وتنقل نجوى بركات عن كتاب «تولستوى أو دوستويفسكى»، للفيلسوف والناقد الأدبى الفرنسى الأمريكى جورج شتاينر، أن الرواية تشير إلى مفهومين مختلفين للفن الأدبى لدى الكاتبين الروسيّين، استوحى تولستوى أسلوبه ونظرته إلى العالم من الشاعر الإغريقى هوميروس، بينما استلهم دوستويفسكى الكتّاب المسرحيين، ولا سيما شكسبير وشيلر. تولستوى روائى ملحمى، بينما دوستويفسكى روائى تراجيدى أو مأساوى، ويقول شتاينر: بمثل عمق علاقة تولستوى بالملحمة واتساعها، كانت علاقة دوستويفسكى بالمسرح، ففى حين يعتبر تولستوى مسرحيات شكسبير نسيجًا من السخافات تهين العقل والحس السليم، وليس لها أى شىء مشترك على الإطلاق مع الفن والشعر، وأن مؤامراته مفتعلة وشخصياته تتحدث لغة غير طبيعية لن يتحدث بها أى رجل حقيقى فى أى مكان، يرى دوستويفسكى أن شكسبير هو العبقرى بامتياز، وقد كتب عنه فى دفاتر ملاحظات روايته «الشياطين» ما نصه: «شكسبير نبىٌّ أرسله الله ليكشف لنا سر الإنسان والنفس البشرية».

غاندى

مع هوجو وغاندى والإمام محمد عبده

تجربته فى الجيش، ورحلتان حول أوروبا فى عامى ١٨٥٧ و١٨٦٠، حولت تولستوى من مؤلف يكتب عن مجتمع فاسق وفوضوى، إلى شخص روحى، أخلاقى، غير عنيف.. فخلال زيارته الأولى شهد إعدامًا علنيًا فى باريس، وهى تجربة مؤلمة تركت آثارها على بقية حياته، وكتب فى رسالة إلى صديقه فاسيلى بوتكين: «الحقيقة هى أن فكرة الدولة عبارة عن مؤامرة مصممة ليس فقط لاستغلال مواطنيها، ولكن لإفسادهم قبل كل شىء.. ولهذا فمن الآن فصاعدًا لن أخدم أى حكومة فى أى مكان»، ويقال إنه هو من غرس مفهوم اللا عنف لدى المهاتما غاندى من خلال كتابه «رسالة إلى هندوسى» عندما كان غاندى الشاب يراسله طالبًا نصيحته.

كتاب الحرب والسلم

أما رحلته الأوروبية الثانية فلعبت دورًا بارزًا فى تطوره السياسى والأدبى عندما التقى فيكتور هوجو، وقرأ رواية «البؤساء» التى كان هوجو قد أنهاها للتو، ويذهب بعض النقاد إلى أن تماثل مشاهد المعركة فى «البؤساء»، و«الحرب والسلام» يشير بوضوح إلى التأثير الكبير لهوجو على تولستوى، والذى تأثرت فلسفته السياسية أيضًا بزيارة للفوضوى الفرنسى بيير جوزيف برودون، الذى كان يعيش آنذاك فى المنفى تحت اسم مستعار فى بروكسل، حيث استعرض تولستوى منشور برودون «الحرب والسلام»، واستخدمه فيما بعد عنوانًا لرائعته الروائية، وناقش معه مشكلة التعليم، وكتب تولستوى فى دفاتر ملاحظاته التعليمية: «إذا رويت هذه المحادثة مع برودون، فإن ذلك لإظهار أنه، فى تجربتى الشخصية، كان هو الرجل الوحيد الذى فهم أهمية التعليم والطباعة فى عصرنا»، وبحماسة كبيرة، عاد تولستوى إلى مقاطعته «ياسنايا بوليانا» وأسس ١٣ مدرسة لأطفال الفلاحين، كان ينفق عليها من ماله الخاص، ويعلمهم بنفسه، وأصدر مجلة باسم القرية، كان ينشر فيها مقالات أدبية وتوعوية بقصد تقويم أخلاق الأهالى والأطفال، ثم أخذ يدرب تلامذته على كتابة القصص القصيرة، وينشرها لهم فى المجلة.

الامام محمدعبده

وكما راسل تولستوى غاندى فى الهند، عاصر الإمام محمد عبده، وكانت بينهما مراسلات غنية بالمجاملات، وتبادل الأفكار حول مفاهيم الدين الإنسانى الذى يراه تولستوى، ونقاط التلاقى والافتراق مع الإسلام، ظهرت فى كتابه «حكم النبى محمد»، ورثاه أمير الشعراء أحمد شوقى بك بقصيدة جاء فيها «تولستوى تجرى آية العلم دمعها/ عليك ويبكى بائس وفقير/ وشعب ضعيف الركن زال نصيره/ وما كل يوم للضعيف نصير»، فيما كتب شاعر النيل حافظ إبراهيم متابعًا ومقتفيًا أثر شوقى بقوله «رثاك أمير الشعر فى الشرق وانبرى/ لمدحك من كتاب مصر كبيـر/ فإنى أحب النابغين لعلمهم/ وأعشق روض الفكر وهو نضيـر».

ليف نيكولايافيتش تولستوى 

سيرة ذاتية لرجل الاستعراض

ولد الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوى لعائلة روسية أرستقراطية، فى التاسع من سبتمبر عام ١٨٢٨، وبسبب اختلاف فى التقويم بين بعض الدول الأوروبية تعتمد بعض الكتابات أن تاريخ ميلاده هو ٢٨ أغسطس من نفس العام، على أن الثابت هو أنه ولد فى مقاطعة «ياسنايا بوليانا»، وهى ملكية عائلية بولاية «تولا»، وتقع على بعد ٢٠٠ كيلومتر جنوب موسكو، وكان ترتيبه الرابع بين خمسة أطفال للكونت نيكولاى إيليتش تولستوى، أحد قدامى المحاربين الروس، والأميرة ماريا تولستايا، التى ترجع أصولها إلى عائلة روسية عريقة هى عائلة «فولكون»، من سلالة روريك، أول حاكم ورد اسمه فى التاريخ الروسى.. توفيت والدته عندما كان فى الثانية من عمره، فتولت تربيته وإخوته سيدة من قريبات العائلة تدعى تاتيانا، وفى ١٨٣٧، وهو فى التاسعة من عمره، انتقل به والده إلى موسكو، والذى توفى فى صيف السنة نفسها، فتم وضع أطفاله تحت رعاية حاضن شرعى، هى الكونتيسة ألكسندرا أوستن، وبعد وفاتها فى ١٨٤١ انتقلت حضانة الأطفال إلى شقيقتها بالاجيا يوشكوف، التى أخذت الأطفال إلى منزلها فى كازان، فملأ الأسى قلب مربيتهم تاتيانا، ولكن تولستوى ظل وفيًا لها، وحريصًا على زيارتها فى كل صيف.

دوستويفسكي

فى عام ١٨٤٤، التحق بكلية «كازان» لدراسة القانون واللغات الشرقية، «العربية والتركية» على أمل الالتحاق فى النهاية بالسلك الدبلوماسى، ووصفه المعلمون بأنه «غير قادر وغير راغب فى التعلم»، فآثر ترك الكلية دون أن يحصل على شهادته الجامعية، وعاد إلى مقاطعته «ياسنايا بوليانا»، التى ورثها عن أبيه، ليشرف على إقطاعيته الكبيرة، وليرضى رغبته فى الانقطاع للقراءة والكتابة والتفكر، لكنه بدلًا من ذلك أمضى الكثير من الوقت ما بين موسكو وتولا وسانت بطرسبرج، حيث عاش أسلوب حياة متراخية ومترفة.

بدأ تولستوى الكتابة خلال هذه الفترة، بما فى ذلك روايته الأولى «الطفولة»، وهى رواية خيالية عن شبابه، ونشرت عام ١٨٥٢، بعد تراكم ديون القمار الثقيلة عليه، وذهابه مع أخيه الأكبر إلى القوقاز حيث انضم إلى الجيش، وخدم كضابط مدفعية شاب خلال حرب القرم، وكان فى «سيفاستوبول» خلال حصارها الذى دام ١١ شهرًا، خلال الحرب تم الاعتراف بشجاعته وترقيته إلى رتبة ملازم، ولكنه ترك الجيش بعد نهاية حرب القرم.. ويقول بول جونسون عن فترة التحاق تولستوى بالجيش فى كتابه «المثقفون»: الحقيقة أن تولستوى لم يكن ضابطًا جيدًا أو مقبولًا. كان يفتقر إلى التواضع والرغبة فى الطاعة أو التعلم وكذلك إلى التضامن مع زملائه. كان يميل إلى الانفراد بنفسه، وكان من الممكن أن يترك الجبهة دون إذن، ودون أن يخبر أحدًا عندما لا يكون هناك شىء يمكن أن يستفيد منه، كتب قائده: «تولستوى يحب رائحة البارود ولكن بشكلٍ متقطع». كان يميل إلى تجنب المتاعب والمصاعب العرضية للحرب، يسافر إلى مناطق مختلفة مثل سائح، ولكن بمجرَّد أن يسمع صوت إطلاق النار يظهر على أرض المعركة فجأة، ثم يختفى عندما تنتهى، باختياره وعندما يريد.

كتاب آنا كارنينا

ويضيف جونسون: فى تلك الفترة، ودائمًا كان تولستوى يحب الدراما، كان على استعداد أن يضحى بالراحة والمتعة، حتى بالحياة، بشرط أن يتم ذلك كحركة مسرحية يلاحظها الجميع.. عندما كان طالبًا صنع لنفسه كيسًا للنوم يشبه العباءة لكى يؤكد شجاعته الروسية، وكانت تلك حركة مسرحية أثارت التعليقات، وفى الجيش كان على استعداد أن «يؤدِّى» بدل أن «يخدم».

ويخلص بول جونسون إلى أن «المتاعب والمصاعب الروتينية وكل جوانب الحياة العسكرية التى لم تكن لها قيمة فى تحقيق شهرة أو لفت الأنظار لم تكن تثير اهتمامه، ولذلك كانت بطولته، فضيلته، قداسته، كلها كانت أمورًا للمسرح العام، وليست من أجل الحياة اليومية الروتينية التى لا يلحظها أحد أو يهتم بها».

غلاف ماهو الفن؟

كان لوفاة أخيه نيكولاى عام ١٨٦٠ تأثيرها على تولستوى، ودفعته إلى الرغبة فى الزواج، وفى ٢٣ سبتمبر ١٨٦٢ تزوج تولستوى من صوفيا أندريفنا بيرس، ابنة طبيب البلاط، التى كانت تصغره بستة عشر عامًا، كانت تسمى سونيا من قبل عائلتها وأصدقائها، وهو التدليل الروسى لصوفيا، وأنجبا ١٣ طفلًا، ثمانية منهم فقط هم من نجوا من مرحلة الطفولة، وتميز زواجهما منذ البداية بانعدام الحساسية العاطفية، عندما أعطاها تولستوى، عشية زواجهما، مذكراته التى تتضمن تفاصيل ماضيه الجنسى الحافل، ومع ذلك، كانت حياتهما الزوجية المبكرة سعيدة، وسمحت لتولستوى بالكثير من الحرية ونظام الدعم لتأليف «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا» مع قيام سونيا بدور سكرتيرته ومحرره ومديره المالى، فكانت تنسخ أعماله الملحمية، وتكتبها يدويًا مرارًا وتكرارًا، حتى إنها أعادت كتابة «الحرب والسلام» سبع مرات قبل أن يستقر على شكلها النهائى فى النسخة التى تم نشرها، ومع ذلك، فقد وصفه مؤرخو الحياة الثقافية الروسية كواحد من أكثر الأشخاص تعاسة فى تاريخ الأدب، إذ تدهورت علاقته بزوجته عندما أصبحت معتقداته متطرفة بشكل متزايد، وصولًا إلى سعيه لرفض ثروته الموروثة والمكتسبة، بما فى ذلك التنازل عن حقوق طبع ونشر أعماله الأدبية والفكرية، وفى عام ١٩١٠ هرب متخفيًا من «ياسنايا بوليانا»، رفقة ابنته ألكساندرا وطبيبه، وعلى الرغم من التخفى ورغبته فى الخصوصية، تمكنت الصحافة الدولية من الإبلاغ عن تحركاته، وفى غضون أيام قليلة، أصيب بالتهاب رئوى وتوفى فى ٢٠ نوفمبر ١٩١٠، بسبب قصور فى القلب، أصابه وهو فى محطة سكة حديد «أستابوفو».