الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

تفكيك الغواية الكاملة.. المتطفلون على الرواية

معرض الكتاب
معرض الكتاب

لا ترحب دور النشر ما كبر منها وما صغر بنشر الكتب السياسية أو الفكرية أو العلمية، تهتم أكثر بنشر الروايات، وقد تعتقد أن اهتمام دور النشر ينعكس على قيمة الروايات المنشورة، إلا أن الواقع يؤكد أن الأمر أقرب إلى التجارة والبحث عن الربح وأصول البيزنس. 

السوق الآن هى سوق الرواية، القارئ المصرى والعربى أصبح أسيرًا للروايات، ولأن السوق هى التى تحكم، لا يمكن لأحد من الناشرين أن يعترض أو يحتج أو يسير عكس التيار، بل لا يمكنهم أن يتوقفوا قليلًا لمراجعة ما ينشرون. 

كثير من الروايات الآن- الاستثناء محدود جدًا- أصبح بلا قيمة، لا يمثل إضافة من أى نوع لمنظومة الإنتاج الأدبى، أصبحت فى معظمها مجرد بضاعة يقبل عليها جمهور مختلف الأذواق، يقبل على الروايات لأسباب مختلفة معظمها نفسى. 

ما يحدث يحتاج إلى مراجعة، لأن الإقبال الجنونى على الروايات دفع كل من يعرف الإمساك بالقلم إلى كتابة الرواية، فنشرها مضمون وشراؤها مضمون، ولا مانع أن تحصل على جائزة فيتحول الروائى الجديد إلى نجم كبير، وهو ما يجعلنا نرى أن كثيرًا ممن ينضمون إلى قائمة الكتاب الروائيين يمثلون عبئًا على الكتابة الروائية، بل هم فى الحقيقة خصم منها. 

هنا محاولة لقراءة بعض ملامح الراهن الروائى، لا نفرض رأيًا بعينه، ولا نقر اتجاهًا بذاته، ولا نجعل من أنفسنا أوصياء على الأصلاء الذين يكتبون الروايات أو حتى الدخلاء الذين يحاولون تجربة حظوظهم فيها، نحن فقط نفتح ملفات قضية لها غواية الرواية وتأثيرها فى منظومة الإبداع فى مصر. 

إننا لا نفتح هذا الملف ساعين إلى نتيجة بعينها، فالباب مفتوح للنقاش والحوار والجدل، فأحيانًا يكون النقاش فى حد ذاته هدفًا.

الصفحة الخامسة من العدد الحادى والعشرين لحرف

كلمة «عصر» الأولى فى عنوان المقال أعنى بها الزمن، أى «زمن الرواية»، أما كلمة «عصر» الثانية فهى كما فى المعاجم «عَصَر» يعصُر ويَعصِر، عَصْرًا، فهو عاصِر، والمفعول مَعْصور، عصَر البرتقالَ ونحوَه: ضغطه واستخرج ما فيه من سائل، أى يُمسك أحدهم بالرواية ليعصرها ويستخرج ما فيها.

لماذا يثير استخدام مصطلح «عصر الرواية، أو زمن الرواية»، حفيظة بعض الشعراء والقصاصين، أى كُتاب القصة القصيرة؟.

منذ عدة أعوام، وبالتحديد عام ٢٠٠٧م، كنت فى طريقى إلى حفل تتويج جائزة أخبار اليوم الأدبية فى حفل كبير أقيم فى المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، فسألنى أحدهم: لماذا أنا ذاهب إلى الحفل، هل لى صديق ضمن القائمة الطويلة؟ فأخبرته بهدوء أنى واحد من هذه القائمة الطويلة، تأملنى فى دهشة وسعادة، ولما سألته عن سبب دهشته كانت إجابته «أنت أحد الأبطال إذن؟» قلت: لكنى لم أحصل على مركز بعد، مجرد ترشيح ضمن قائمة قوامها عشرة أفراد «وفى الحفل تم الإعلان النهائى وكان من نصيبى الجائزة الفضية، المركز الثانى عن رواية عمدة عزبة المغفلين»، لكنه قال «أنت أنهيتَ رواية، أنت صنعت عالمًا متكاملًا تم الإعجاب به ووضعه ضمن أفضل عشر روايات فى مسابقة مهمة كهذه». ثم سار إلى جانبى وأكمل فى أسى ظهر فى نبراته «أنا منذ ثلاث سنوات أحاول كتابة رواية ولم أنته منها بعد»، فى هذه اللحظة ألجمتُ لسانى عن إجابته بكلمات تلقائية مضمونها: عليه ألا يحاول فى أمر هو غير مؤهل له، هو غير قادر على كتابة رواية، لأنه لا يمتلك الموهبة فى هذه الجزئية، قد يمتلك موهبة لإتقان أمر آخر. من هذا الأمر الآخر، إن كان مُصرًا على استكمال حياته فى عالم الأدب والفكر، أن يكتب قصة قصيرة، أو يكتب قصيدة شعرية، فى صفحة أو صفحتين، وإن بذل فيها يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا.

الرواية تستلزم الكثير من الوقت، الكثير من الجهد، من الفكر، من التركيز الذهنى، حتى إنها تخرج إلى الوجود، ترى النور، بعد عام أو أكثر وفقًا لطبيعتها، وطبيعة ظروف كاتبها. لكن هذه الشهور أو الأعوام المنقضية فى كتابة هذه الرواية، بالرغم من صعوبتها، إلا أنها تكون من أفضل وأمتع الأيام التى قضاها الكاتب، فمهما كانت صعوبتها إلا أنها لا تُقارن مع لحظات السعادة المقرونة بظهور النص الروائى وتداوله بين القراء.

والإقبال الجماهيرى على الرواية، يظهر ذلك جليًا فى حركة البيع والشراء طوال العام من المكتبات، أو داخل أروقة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أو المعارض المماثلة المقامة فى الدول العربية، هذا الإقبال على الرواية، «يقابله ربما عزوف تام عن شراء دواوين الشعر أو عزوف جزئى عن شراء المجموعات القصصية»، يخلق مصطلح «عصر الرواية»، كما يخلق فى المقابل أيضًا ربما حقدًا غير مُعلن من الشعراء والقصاصين على الرواية وكُتَّابها، فالرواية وكُتابها يسحبون البساط من تحت أرجلهم، لذا فهم أعداء لهم وإن لم يعلنوا ذلك، وغالبًا يتحولون إلى نُقاد ليعلنوا فى صراحة وصرامة عن أننا فى «زمن المسخ الروائى»، وهنا ننتقل إلى القسم الثانى من المقال وهو «عصر الرواية» بمعنى «العصر» أى ضغطها لاستخراج ما فيها، فيكون النقد على أسوأ ما يكون النقد، بل يكون النقد بدون قراءة، مجرد استطلاعات سريعة وهجوم مستمر من أجل إسقاط هذا العالم، عالم الرواية.

فمما لا شك فيه أن الرواية كعالم له سحره الخاص، له طابعه المميز، يجذب الكثير من المواهب، بل نقولها صراحة: يجذب أنصاف المواهب، أو أرباع المواهب، وهؤلاء لا مانع من تجاربهم على الإطلاق، فهناك جمهور يقرأ، وهناك غربلة تتم، ولن يستمر على الساحة الأدبية غير الأقلام والمواهب الأدبية الحقيقية، فإن ظهر بعضها مثل فقاعة فسريعًا ما تتلاشى من الوجود، لكن هذه الفقاعات ليست سببًا على الإطلاق لوصم عالم الرواية بأنه عالم فاسد فاسق ضمَّ، عن غير رغبة منه، مثل هذه الفقاعات، وكما يُقال باستمرار، الإناء إناء، لا ذنب له على الإطلاق إن مُلئ بالحليب أو ملئ بالخمر، العاقبة هنا على مَن يستخدم الوسيلة، مَن يستخدم القالب.

لكن السادة «العاصرين» الذين يؤرقهم صعود الرواية، يقفون لها بالمرصاد فى انتظار كل فرصة لتوجيه اللكمات لها، من ذلك استهجانهم نتائج المسابقات الأدبية، فخلق مسابقات دولية خاصة بالرواية يرفع من شأنها، فيكيلون بكل ما يتواجد فى قاموسهم من اتهامات لنتائجها، وللعالم الروائى استنادًا لمستوى الفقاعات الدخيلة.

مجموعة من الكتب

وهنا يجب أن أخرج عليهم بالسؤال المهم للغاية قبل توجيه أى اتهام للرواية وعصرها: هل قرأتم كل ما صدر بالفعل من روايات قبل إصدار أحكامكم؟ 

فهناك عشرات الروايات التى تصدر فى مصر وفى عالمنا العربى، كل عام، لم يطلع أحدكم على نسبة ضئيلة منها، وبالتالى فإن أى تعميم مرفوض، والنقد الحقيقى يستوجب قول إننى كناقد قرأت روايات، ثم أذكر عناوين ما قرأت بالفعل، ثم أبدأ فى إصدار أحكامى.

يعود بعضهم إلى أن الرواية التى لم تصلهم أخبارها ليست بالمستوى الفنى الذى يستحق عرضها والحديث عنها، وهذا بالطبع رأى غريب! لأنك ببساطة لا يجب أن تنتظر لتسمع عن رواية لتقرأها، فأنت لن تسمع إلا عن عمل لصديق، أو عن عمل أثار ضجة بسبب عوار ما، أما أعمالنا الأدبية الهادئة ذات القيمة الحقيقية، غير الصاخبة، لا تثيرك، وهى رغم قيمتها الفنية لن تلفت غير انتباه الذائقة الحقيقية، ولن تلفت انتباه أصحاب الأهواء وأصحاب الأطماع الذين لا همّ لهم غير العصر والضغط بحثًا عن السلبيات فقط.

وقبل الختام أناديكم لنتفق معًا على أن هناك أسبابًا وعوامل جوهرية لدخول مثل هذه الفقاعات عالم الأدب، رواية أو شعرًا أو قصة. 

فكيف دخلت هذه الفقاعات إلى الوسط الأدبى؟

هذا هو السؤال الجوهرى، والإجابة أراها فى جزئية أساسية، أو متسبب واحد، إنها جزئية النشر يا سادة، النشر هو البوابة التى تمر منها الأعمال، فإن رفضت دور النشر التعامل مع هذه الفقاعات، إن لم تنشر لها، إن أوقفت هذا الغث، فإن النهر لن يتعكر. 

لكن الناشر، نظرًا لظروف اقتصادية بحتة، غَيَّب ضميره الثقافى بحثًا عن مكاسب، سواء لنشره أعمالًا لمشاهير يضمن بيع أعمالهم ولو كانت محشوة بالقاذورات، أو يتقاضى مقابل تكلفة النشر من صاحب الكتاب باحثًا عن نسبة ربحه وهو لم يقرأ سطرًا واحدًا من المضمون المقدم إليه، وبالتالى أصبح هناك استسهال وإسهال فى عملية النشر، وكل مَن يستطيع سداد تكلفة النشر يُصبح صاحب كتاب واسمه يلمع فوق الغلاف! 

حديثى ليس تعميمًا على الإطلاق، فهناك من يحترم دوره الثقافى من الناشرين ولهم كل التقدير والاحترام.

هؤلاء يا سادة هم المسئولون عن تعكير صفو عالم الأدب فى عالمنا العربى، وليست الرواية، وإن كانت فى عملية النشر الواسعة هذه ميزة تخلق نوعًا من التنافس يؤدى فى الأخير إلى زيادة عملية تفريخ للأدباء الشبان، ومع الوقت سوف تختفى الفقاعات، وتبقى الجواهر والأحجار الكريمة.

الجوائز الأدبية فى مصر وعالمنا العربى، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن مع نظرة فاحصة نجدها فى الأخير ساعدت وأسهمت فى صناعة أسماء، وخلقت روحًا من المنافسة تعود فى النهاية على الحراك الأدبى بالإيجاب.

أنهى بوجوب عدم التعميم، وعدم توجيه اللوم لصنف الرواية، ذلك العالم السحرى الفاتن الماتع للكتاب والقراء معًا، وأرغب فى حركة نقدية تكون على دراية واطلاع بكل ما صدر ويصدر من أعمال روائية قبل إصدار أحكامها. 

أرغب أيضًا فى أن تكون نظرتنا لهذه الكثرة نظرة تفاؤل وانتظار ما تُنتجه بعد حين من التنافس لنصل إلى جيل من الكتاب هو بحق جدير بالتواجد فى منطقة الصدارة، كما أتمنى أن تتشكل لجنة لترجمة هذه الأعمال القيّمة، لتقديم أدبنا العربى ونشره عالميًا.