الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

محمد على إبراهيم: هناك مَن يكتب روايات اعتمادًا على «جوجل» و«ويكيبيديا»

محمد على إبراهيم
محمد على إبراهيم

- لا يوجد شىء اسمه رواية تاريخية.. والتناول الجاف للماضى أولى به كتب السيرة

- كُتاب وكاتبات كُثر تصدروا المشهد منذ سنوات.. والآن «لا حس ولا خبر»

- كيف لمشهد جنسى فى رواية خدش حياء الشعب الأول فى تصفح البورنو؟

يبحث دائمًا عن رواية جديدة، حتى إنه خلال كتابته رواية «روح»، داهمته فكرة روايته الأخيرة «ليلى وفرانز»، ومع ذلك لم يخذل إحداهما لصالح الأخرى، وقدم الروايتين إلى قرائه، فحازتا الإعجاب والإشادة بشكل كبير.

إنه الكاتب محمد على إبراهيم، القادم من عالم الهندسة والبناء، الذى يتحدث، فى حواره التالى مع «حرف»، عن تراجع النقد فى الفترة الأخيرة لصالح الجوائز الإبداعية الكبرى، التى صارت تمثل تفكيرًا نقديًا، وتوجه القراء نحو كتب بعينها.

ويبدى صاحب «حجر بيت خلاف» و«روح» و«أعلمها اللمس» و«تأريخ لا يروق لكم» و«طعم البوسة»، استغرابه من إمكانية أن يخدش مشهد جنسى فى عمل أدبى ما أبناء شعب يُصنف على أنه الأول فى تصفح مواقع «البورنو» على شبكة الإنترنت، مشددًا على أن الحل بسيط لأى قارئ يتأزم من ذلك، وهو «اعتزال ما يؤذيه». 

ويكشف «إبراهيم» عن رأيه فى قدرة «الذكاء الاصطناعى» على «تأليف» روايات، وفى الجوائز الأدبية وأهميتها بالنسبة للكاتب، مشيرًا فى الوقت ذاته إلى أعماله الأدبية المقبلة، وغيرها من التفاصيل فى السطور التالية.

■ فى روايتك الأخيرة «ليلى وفرانز» جسدت علاقة يصعب وصفها، لكنها شديدة العذوبة والإنسانية، بين شخصين خلفياتهما الاجتماعية والثقافية متباينة.. كيف ومتى جاءتك فكرة هذه الرواية؟ وكيف عالجت التباين الثقافى بين بطليها؟

- دائمًا ما أبحث عن رواية جديدة أو تتوالد أفكارها بعد فترة معقولة نسبيًا من كتابتى رواية سابقة، وهذه الرواية هجمت علىَّ بشكل مفاجئ وأنا أكتب رواية «روح»، ولم أستطع التخلص من فكرتها، وهى الكتابة عن السرطان، وكيف يؤثر على تحقق فكرة خلود الجنس البشرى.

معالجة الفكرة تتم على مراحل متتالية، كل مرحلة لها أسئلتها، وعلى العالم الروائى المكتوب أن يقدم تبريراته المنطقية، حتى لا تصبح كتابة تشبه «لى الذراع»، وبناء عليه أشكل الشخصية الروائية بما يسمح لها بمنطقية الأفعال داخل الرواية. وبالطبع واجهت صعوبات مع شخصية «فرانز»، حتى أتمكن من استيعاب التفكير الأوروبى، وردود الأفعال لديهم تجاه قضايا نختلف معهم جذريًا كشرقيين فى التعامل معها.

■ هل كانت لديك وأنت تكتب رؤية حول ما يجمع البشر على أرضية مشتركة تسمح بالقبول والتعايش وتنحية الصراعات بشتى أنواعها وأسبابها؟

- الأرضية الوحيدة هى وجود عقل مرن له ثقافة ناضجة، وتلك العقلية لن تتكون سوى بالتعامل مع الأديان بمنطق المحبة والتسامح، وإعادة إنتاج أسلوب التفكير الدينى، وهو ما يتطلب مغادرة «تيار الشكل»، والاحتفاظ بالدين كـ«جوهر» فقط، نتحرك من خلاله فى معاملاتنا المختلفة.

■ لم يستسغ بعض القراء فكرة زواج «ليلى» و«فرانز»، متسائلين: كيف لأب صعيدى يوافق على زواج ابنته لشخص لا من جنسيتها ولا حتى من مجتمعها.. ما رأيك؟

- طالما اشتبك القراء مع الرواية ووضعوا أجوبة مغايرة لرؤية الكاتب، فهذا نجاح مؤكد للرواية، التى تكون هنا قد خرجت عن دائرتها الورقية، واعتقد القراء بحقيقتها. هذا ما يحدث فى الحياة الواقعية عندما نتجاذب الحديث حول حدث ما، ونعبر عن آرائنا المغايرة لما فعله «فلان الفلانى».

بالعودة إلى الرواية، أعتقد أننى كروائى قدمت شخصية «الشيخ محمد حسن» بما يسمح له بما اتخذه من قرارات. لا بد للرواية أن تقدم مفاجآتها للقراء، والتغيير الذى حدث لـ«ليلى» لم يكن دون عقبات.

■ كيف حدث هذا التغيير الجذرى لحياة «ليلى» فى وقت قصير دون عقبات؟

- مسألة الوقت القصير ناقشتنى فيه صديقة ومبدعة عزيزة، سألتها سؤالًا بسيطًا: ما المدة الكافية ليحدث هذا التحول فى حياة «ليلى»؟ لم تقدم إجابة، لأن الوقت دون زخم أو قلة أحداث لن يمكن القبض على ماهيته.

■ ما يُنشر على وسائل التواصل والمواقع من مراجعات ومقالات نقدية، حتى من القراء العاديين، على «مجموعات القراءة» وغيرها.. هل يمكن أن يخلق هذا مدارس أو اتجاهات نقدية جديدة تثورعلى القديم؟

- القارئ العادى يقدم انطباعات عن الكتب التى قرأها، هذا لا يشكل اتجاهًا نقديًا، الانطباعات مهمة إن توافرت فيها المصداقية، لكن ما يحدث فى غالبية «مجموعات القراءة» لا علاقة له بالإبداع أو الرؤى النقدية.

هناك محاولات كبيرة لترسيخ كتابات سيئة لتتصدر المشهد الإبداعى، أنا غير قلق منها، كلها إلى زوال، ونستطيع بكل سهولة استعراض أسماء كتاب وكاتبات تصدروا المشهد القرائى منذ سنوات قليلة، والآن «لا حس ولا خبر»، وستتبعهم أسماء أخرى موجودة فى فترتنا الحالية.

الزخم النقدى يشكله نقاد حقيقيون يكتبون بكل وعى، لا أريد أن أقع فى فخ «ألزهايمر»، لكن أذكر مع حفظ الألقاب: مدحت صفوت ويسرى عبدالله ومحمود الضبع وسيد الوكيل وحسام جايل وسيد ضيف الله ومجدى نصار وحنان ماهر وأحمد حلمى، وغيرهم.

■ هل تراجع دور النقد أو تقلص رغم ما تشهده الساحة الثقافية المصرية من زخم أدبى؟

- النقد تراجع لصالح الجوائز الإبداعية، الجوائز الكبرى صارت تمثل تفكيرًا نقديًا، وتوجه القراء نحو كتب بعينها، لكن كما قلت سابقًا، هناك تيار نقدى متصاعد، لكنه لا يستطيع احتواء هذا الزخم الكتابى.

قراء النقد جمهور محدود، بالتبعية المساحات الممنوحة للنقد تبدو قليلة، لكن هناك دور نشر بدأت منح مساحات مقبولة لكتب متخصصة فى النقد، تابعتها خلال معرض الكتاب الأخير، وهذا مهم جدًا.

■ خلال كتابتك لعمل ما روائى أو قصصى، هل تتقافز لذهنك من وحى مجريات هذا العمل فكرة أو أفكار لأعمال أخرى، أم تعالجها فى نفس العمل الذى تكتبه؟

- عندما أكتب، لا مجال لأى كتابة أخرى، وكما ذكرت لكِ فى السؤال الأول، حدث مرة وحيدة فى رواية «ليلى وفرانز»، لكن لم أتوقف عن كتابة «روح»، ولم أبدأ فى «ليلى وفرانز» فعليًا إلا بعد الانتهاء من «روح».

■ عندما حازت أليس مونرو جائزة «نوبل»، وهى ليست روائية، استنكر كثيرون هذا الفوز، فدائمًا ما يُنظر إلى القصة القصيرة بنظرة أقل من الرواية.. ما رأيك فى هذه النظرة الدونية إلى القصة القصيرة؟

- حتى لو كتبت «مونرو» روايات وقصائد، ستجد من يستنكر فوزها، تلك طبيعة الحياة، من ينظر إلى نوع أدبى بدونية أمام نوع آخر فهو يحتاج إما للعلاج أو للمعرفة. تخيلى معى أن الله يقول: «لا فضل لعربى على أعجمى»، ونحن نقيم تفضيلات لمجرد جنس إبداعى على آخر.

الاهتمامات الأكاديمية قضية أخرى، لها توجهات لا تختلف فى قسوتها عن توجهات المجموعات القرائية على وسائل التواصل الاجتماعى، التطور النقدى الأكاديمى لن يحدث سوى بتولى نقاد مغايرين لكراسى «الأستذة» فى الجامعات المصرية.

■ هل تخصص الكاتب فى جنس أدبى معين يطغى على إمكانية كتابته لجنس آخر؟

- على المبدع أن يقدم منجزه الإبداعى لكى أستطيع الحكم بموضوعية على هذا التساؤل، يظل نموذج صلاح جاهين حاضرًا بقوة لنفى فكرة التخصص، كما أن كتابات العظيم محمد مستجاب فى القصة القصيرة والرواية يتنافسان فى الجمال الإبداعى.

■ ما مقومات الرواية الناجحة من وجهة نظرك؟

- أنا أقرأ كى أستمتع، إن حدثت المتعة نجحت الرواية، ولن تنجح رواية دون أن يكون لها عالم روائى شُيد بعناية، مع ضبط العلاقات بين الأبطال، واحتفاظ كل شخصية بصوتها.

■ البعض يعتبر التطرق إلى ثالوث «السياسة/ الدين/ الجنس» ضروريًا لنجاح عمل روائى أو أدبى أيًا كان جنسه.. هل تتفق مع ذلك؟

- من الأشياء التى تستحق التأمل والدراسة قدرة هذا التساؤل على الوجود حتى الآن. العالم الحقيقى تخطى تلك الأسئلة، بينما فى «جروبات القراءة» تحدث «خناقة متجددة» عن «الأدب النظيف».

تلك أسئلة تبعد المبدع عن كتابة حرة. أنا لا أستوعب أن كتابة مشهد جنسى يستطيع أن يخدش حياء شعب هو الأول على مستوى العالم فى استخدام محرك البحث لعرض مواقع «البورنو».

يجب التعامل مع هذه القضايا ككل القضايا الأخرى، كيف ينفصل المبدع عن السياسة والدين والجنس فى أى عمل إبداعى؟ لو كتبت مثلًا فى رواية أن فلانًا فقير وجائع، هذه جملة بها نقد سياسى ودينى بكل بساطة. سيتحدث البعض عن طريقة الكتابة، بسيطة جدًا، على كل قارئ أن يعتزل ما يؤذيه.

■ هل هناك طريقة ما أو شروط أو أساليب تُمكن الروائى من تناول «الثالوث المحرم» أم أن حرية الكاتب فى التناول مطلقة؟

- لنتحدث عن أمثلة مباشرة، «ألف ليلة وليلة» ككتاب تراثى، و«يوسا» فى روايته «امتداح الخالة»، لو كان لهم طرق أو شروط ما كنا لنقرأ هذا الإبداع المتميز. أنا لا ألجأ إلى استخدام كلمات أو مشاهد بتعبيرات قاسية إلا إن تحتم ذلك فى العمل الروائى. لم أكن أتخيل ما استخدمته من ألفاظ فى رواية «حجر بيت خلاف»، لكنها مشيئة الرواية.

■ بماذا تفسر انتشار ظاهرة الروايات التاريخية، خاصة تلك التى تتناول شخصيات حقيقية عاشت فى زمن ما؟ وهل للجوائز الأدبية دخل فى ذلك؟

- لا يوجد شىء اسمه «رواية تاريخية»، هناك «رواية» فقط. التناول الجاف لشخصية أو حدث قديم أولى به كتب التراجم والسيرة. هناك من يريد أن يكتب من باب «الوجاهة الاجتماعية»، يذهب إلى «جوجل» و«ويكيبيديا»، وينسخ ٤٠ ألف كلمة، ويكتب رواية عن المغول أو الفاطميين، ثم تبدأ «جروبات القراءة» فى «تسييد» هذه الكتابة، ومن بعدها لجان مشبوهة تحكم بعض المسابقات.

- لكن ماذا إن بذلنا جهدًا وقرأنا على سبيل المثال رواية «الزينى بركات»، هل تورط جمال الغيطانى وقال إنه يكتب رواية تاريخية؟ نجيب محفوظ كتب عن الثورة فى «الثلاثية»، فهل قال إنه كتب رواية تاريخية؟ بل بالعكس نحن أمام رواية بها قضايا اجتماعية واقتصادية وإنسانية بإمتياز، وتتعرض إلى فترة وحدث تاريخى من خلال أبطالها.

■ مِن الشعر والقصة القصيرة إلى السرد الروائى، أين تجد ذاتك الإبداعية أكثر؟

- سؤال مرعب، أحاول استيعاب تعبير «ذاتك الإبداعية»، لا أستطيع إخفاء تعلقى بالمتتالية القصصية «أنت حر ما دمت عبدى»، هى ليست كتابتى الأفضل، هى كتابتى الأقرب، الأكثر صفوًا وبراءة وشرًا أيضًا.

أنا لم أعد قادرًا على كتابة الشعر بدافع العجز، لا أجد ما أقدمه إبداعيًا بعدما قرأت والت وايتمان، شعرت بالاكتفاء، واتخذت قرارًا بعد كتابة متتالية «أنت حر ما دمت عبدى»، ومن قبلها مجموعة «تأريخ لا يروق لكم»، بالتوقف عن كتابة القصة القصيرة، الاكتفاء هنا والتشبع كان داخليًا وذاتيًا، لا أكتب حاليًا سوى الرواية، وبتعبيرك ذاتى كمبدع موجود فى الوقت الحالى داخل رواياتى فقط.

■ نلت العديد من الجوائز، بينها جوائز الهيئة العامة لقصور الثقافة ٣ مرات، وجائزة جمال الغيطانى، والقائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية. ما الذى تمثله الجوائز لك؟

- سأكون صادقًا تمامًا، كل مرحلة فى حياتى كانت الجوائز تمثل لها قيمة، فى بداياتى كان مهمًا أن أفوز. منذ ٢٤ عامًا فزت بجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد كانت لها سطوتها وهيبتها فى هذا التوقيت، كان الفوز بها بمثابة تأكيد لفكرة أن هذا الشاب يكتب بشكل جيد، كانت حافزًا مهمًا للاستمرار. كما كنت سعيدًا جدًا بجائزة الثقافة الجديدة فى ٢٠١٠، وحيثيات الفوز المقدمة من لجنة التحكيم.

هناك مرحلة تالية كانت الجائزة بالنسبة لى مجرد رقم مالى فقط، رغم هذا المنطق فلقد توقفت أمام حيثيات لجنة جائزة جمال الغيطانى، شعرت بسعادة حقيقية وقتها. الآن أنا لا أقدم سوى فى جوائز بعينها، تحقق لى قيمة نفسية وتقديرية، وتوقفت عن المشاركة فى جوائز كبرى، لاعتراضى على إجراءات تخص طريقة تفكيرهم وكيفية اختيارهم لجان التحكيم.

الصفحة الرابعة عشر من العدد الثانى والعشرين من حرف

■ مع ثورة «الذكاء الاصطناعى» ودخوله المجال الإبداعى حتى فى كتابة القصص والروايات، هل ترى أنه قادر على إزاحة الخيال البشرى أو حتى منافسته؟

- منذ فترة قريبة شاهدت لقاءً تلفزيونيًا مع الصديق والروائى مينا عادل جيد، وضيف آخر للأسف لا أتذكر اسمه، كان الضيف يتحدث عن هذا التساؤل، وقدم نماذج لما قدمه الذكاء الاصطناعى فى مجال الإبداع الكتابى، وأعتقد أنها كتابة بلا روح، كتابة ميكانيكية، بلا دموع، لكن كعادتى لا أستطيع أن أسلب الناس حقوقهم، سننتظر ماذا سيقدمون من جديد، ونقرأ ونصدر أحكامنا غير النهائية.

■ ما مشروعاتك الإبداعية المقبلة؟ وهل لك طقوس بعينها فى الكتابة؟

- لدى رواية باسم «الإسرائيلية»، تجاوزت ٤ سنوات فى التخطيط لها، هى رواية مرهقة وصعبة، لا بد أن تأخذ وقتها، أرجو أن أنتهى منها قبل ديسمبر المقبل. طقس الكتابة الرئيسى الامتناع عن القراءة فى ذات التوقيت، والهدوء، والتدخين بشراهة.

■ ما أحب الشخصيات الروائية التى أبدعتها إلى قلبك؟

- هناك العديد من الشخصيات الروائية، لكن «زكريا/ القرد الفرو» فى رواية «أعلمها اللمس» كان استثنائيًا. على مستوى الشخصيات من لحم ودم، فأكيد «صالح الجعفرى»، فى نفس الرواية، وكل شخصيات «حجر بيت خلاف» دون استثناء. ويظل «أحمد الرشيدى» شخصية فريدة داخل هذه الرواية، فهو من صنع وجوده داخل الرواية رغمًا عنى، وقلدته «أولجا» و«خالد الضوى» فى رواية «ليلى وفرانز».. تلك هى الشخصيات التى لها وجود استثنائى، لكن إن تحدثنا عن المحبة فتتقاسمها شخصيتان: «روح» و«فارس الدشناوى».