الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مصعب السيد يكتب: الغرق فى المياه المالحة

الغرق فى المياه المالحة
الغرق فى المياه المالحة

لن أبكى اليوم.

سأنتظر حتى تعجز ساقى عن حمل جسدى الثقيل.

سأحتفظ بالماء داخلى كالجمال.

كما أن عينى لم تعد تعمل كما كانت؛

تؤلمنى إذا فتحتها فى النور،

وتتبخر الدموع فور سقوطها منها.

لا أستطيع أن أرى الجانب المشرق إلا عندما أغمضها.

قلَّ منسوب المياه فى الغرفة 

ولم أعد مضطرًا إلى السير بحذر خوفًا من أن أدوس الأسماك.

لا تعط الرجل سمكة.

ولا تعلمه الصيد.

‏بل أَرِهِ كيف يمشى بتؤدة واطمئنان فى الوحل؛

وكيف يشرب من البرك ويأكل من خشاش الأرض.

‏ثم أعطه سلاحًا ورصاصة.

واذهب ولا تنظر خلفك 

حتى تسمع صوت خفق أجنحة الطيور الخائفة.

الطيور ليست وحدها من يخاف.

كل من فى العالم يخاف كل من فى العالم.

أنا وحدى أعرف أربعة أشخاص يخافون من القطط

واثنين يخافان من الكلاب

وعشرين يخافون من التحدث أمام الجموع

وتسعة يخافون من الزمن

ومائة يخافون من الموت

وشخصًا واحدًا يخاف من الظلام.

الظلام يأكل الشارع بالتدريج

تُنار اللمبات فى البيوت والشرفات واحدة تلو الأخرى

وتبدأ السيارات فى تشغيل الكشافات.

تمر الساعات حتى تغطى العتمة كل شىء

أنام عندما تدق الساعة التاسعة،

وأستيقظ فى الرابعة فجرًا.

لأجد أن عينى لم تعد تعمل كما كانت.

تؤلمنى إذا فتحتها فى النور

وتُغرق الغرفة فى المياه المالحة.

لسوء الحظ لم يعلمنى أبى السباحة قبل أن يموت.

لا أستطيع أن أرى الجانب السيئ إلا عندما أغمضها.

كل شىء مغطى بأخضر يبعث على الغثيان.

مر وقت طويل

وأظن أننى لن أبكى اليوم.