الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

بسمة جاهين تكتب: الطريق

الطريق
الطريق

أتوقف عن الحفر، وأمسح التراب العالق بيدىّ الدامية فى جلبابى. على عكس الأيام السابقة لا تؤلمنى يداى وظهرى، فأبتهج لهذه الفكرة. أجلس على الأرض بجوار كومة التراب التى رفعتها، وأشاهد الشمس وهى تغيب. لقد كان الشيخ محقًا فى عبارته: «لا خوف هنا، فالمكان منسىّ فى ظلال العالم البارقة». لم أفهم ما كان يعنيه بهذه الكلمات، وكلمات أخرى كان يرددها دائمًا، وكان هو يبصر هذا من صمتى، فيتبع كلماته بأنها «كلمات علوية»، لأحدق أنا بالأرض وأومئ برأسى. 

أعود للعشة وأسير بخفة تجاه مجلس الشيخ، يبدو وقع خطواتى مضحكًا، بهذه العشة التى تؤوى فصائل لا حصر لها من الحيوانات. يتنفس الشيخ بصعوبة، فأتأكد أنه لم يفارق الحياة بعد. يفتح جفونه، فيظهر البياض بعينيه. أمسد يده الرقيقة، حتى يطمئن أننى مَن بجواره، فيغمض عينيه مجددًا، ويعود إلى نوم مستحق، يبدو مع ذلك غير هادئ. أتجه بخطواتى إلى مجلسى وأتنهد.

مضت تسعة أيام منذ آخر يوم سرح فيه الشيخ بالطريق، ومنذ أن تناول كسرة خبز. علمتُ أنه يتوجع منذ مدة، خاصة عندما كان يحكم قبضته على ساعدى وأنا أسنده، بينما نتجول فى شوارع المدينة الكبيرة وحواريها وأزقتها. لم يشتكِ وقتها، لذلك كان القلق ضيفًا خفيفًا، ولكن عندما أيقظته ذات يوم لكى نخرج، ولم يستطع، تحول القلق إلى ضيف خبيث. عدتُ لحظتها لمجلسى خائفة حتى اليوم التالى، اليوم الذى تغلب فيه الجوع على الخوف، ودفعنى للخروج وحدى للمرة الأولى، فى محاولة للبحث عن طعام نأكله.

حمتُ حول عدد من المحلات التى كان أصحابها يعطفون علينا، ولكن لم ينتبه إلىّ أحد منهم. حاولتُ أن أتذكر الأناشيد التى كان الشيخ يتغنى بها عن الحق والبطولة والحب والانتصار، فتجذب إلينا صنوفًا مختلفة من البشر، إلا أننى- وبالرغم من مجاورتى له لسنوات لا أعرف عددها- لم أستطع تذكر أى منها. 

سرتُ بلا هدف وبلا أمل، حتى أوشكتُ أن أصل إلى العشة. بمعدة فارغة وقلب خائف، وجدتُ فصائل الحيوانات التى تقاسمنا عشتنا وهى تحوم حول مقلب القمامة الذى يجاورنا. فكرتُ لحظتها أن هذا ربما يكون هو الحق الذى يتحدث عنه الشيخ، الحق الذى ينشده الأبطال المنتصرون دائمًا: تقاسمنا الحيوانات عشتنا، والآن نقاسمها مقلب القمامة. شعرتُ بالراحة، وشرعتُ بالبحث، وأنا أتساءل لماذا لم نلجأ إلى هذا المقلب من قبل؟! وجدتُ عدة أرغفة من الخبز، وبعض حبات البرتقال. تخلصتُ من العطن بها، وجزأتها إلى حصتين، تناولتُ حصتى، وعدت بحصة الشيخ إلى العشة بمعدة ممتلئة وقلب قوى، لأجده ما زال نائمًا. حاولتُ أن أجعله يستيقظ ليتناول الطعام، ولكنه لم يستطع.

لم يتناول الشيخ شيئًا خلال التسعة أيام الماضية. إننى متأكدة من موته عما قريب، ولكنى لا أشعر بالخوف كالسابق، هذا المكان السفلى منسى فعلًا فى ظلال العالم العلوية. أحاول مرة أخرى من أجل صحبة السنوات الماضية أن أتذكر أناشيد الشيخ، ولكنى لا أستطيع. لا علاقة لى بالبطولة والحب والانتصار. وفجأة، كأن الاعتراف بذلك هو تعويذتى، تنكشف الغمامة ويصفو عقلى، فتنساب الأغانى الجديدة على لسانى، يصاحبها صرير الصراصير ونقيق الضفادع. أسمع لحظتها حشرجة قادمة من الشيخ، أنهض من مجلسى، وأنظر إلى بياض عينيه النظرة الأخيرة.