الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

تعليق متطرف على موضوع مُتزن

نوال السعداوى أمى «متطرفة» وليست «داعية ليبرالية» وأنا مثلها ونفتخر

نوال السعداوى
نوال السعداوى

صباح الأربعاء 12 يونيو 2024، أرتشف قهوة الصباح، وأنا فى مزاج رائق جدًا، وهذا نادرًا ما يحدث. والسبب أنه بالأمس، صدر الكتاب الذى قمت بإعداده وتحريره، عنوانه: «نوال السعداوى.. التمرد المبدع» عن دار العين. أتأمل الغلاف، عليه صورة نوال أمى، ألمس صفحات الكتاب، غير مصدقة أن الفكرة التى عبرت خيالى، قد أصبحت حقيقة بعد خمسة شهور.

لكن دوام الروقان لا يدوم، خاصة فى بلادنا. 

أخذت أتصفح آخر عدد من جريدة «حرف». وجدت عنوانا: «حلاوة الأيام.. حكاياتى مع الأبنودى ونوال السعداوى وبينهما الأمير» كتبه صحفى لا أعرفه.

هناك ثلاثة عناوين بالبنط الأحمر الثقيل، تسبق الموضوع: 

• سعيت جاهدًا للقاء الأمير الحسن بن طلال باعتباره واحدًا من المفكرين العرب ذوى الرأى وأصحاب المواقف. 

• نجحت فى اقتناص حوار طويل مع الخال على غير المتفق عليه. 

• بسبب سؤال كادت نوال السعداوى أن تقذف بى من شقتها فى الطابق السابع والعشرين.

من خبرتى الطويلة مع الصحفيين المصريين، عندما يكتبون عن نوال السعداوى أمى، توقعت مسبقًا الذى سأقرأه، وأكدته العناوين الحمراء بالبنط الثقيل. لكننى قلت فى نفسى، ربما بعد حدوث ثورتين فى مصر، والتطلع إلى عهد جديد من الفكر والثقافة والأخلاق، سأكون مخطئة فى ظنى. خاصة أن جريدة «حرف» تخطو خطواتها الأولى، وتريد أن تكون نقلة نوعية متكاملة، فى الصحافة المصرية، أو كما قال د. محمد الباز: «نريد استعادة سطوة الكلمة وسلطتها». وبكل أسف، كان ظنى فى محله. 

الصفحة الرابعة عشر من العدد الرابع والعشرين لحرف

وتتلخص ملاحظاتى كما يلى: 

أولًا: توضح الثلاثة عناوين المبروزة، أن الأمير شخصية لها رأى، ومواقف، لأن الصحفى «سعى جاهدًا لعمل اللقاء»، والخال أيضًا كذلك، لأن الصحفى «نجح فى اقتناص حوار طويل معه»، وأن نوال السعداوى غير متزنة التفكير والسلوك، لأنها كما عبر الصحفى: «بسبب سؤال كادت تقذف به من شقتها فى الطابق السابع والعشرين». 

الأسلوب الصحفى نفسه، يتكرر وما زال موجودًا، مزيج من الكذب والخبث وعدم المعرفة، وجذب الانتباه بأى شكل، وتضمين إيحاءات لا ترضى، إلا الذوق الصحفى المستهلك. وقد عهدنا ذلك فى شيوع «الصحافة الصفراء» التى تعتمد على الإثارة والفضائح وتضخيم الانحياز، واللعب على جهل القراء، ومغازلة انحيازاتهم وعواطفهم الانفعالية، واستخدام أنواع رديئة ورخيصة من التهكم، والتصريح باتهامات بدون أدلة.

هذا الصحفى لم يجد فى اللغة العربية الثرية، ما يعبر به إلا: «نوال فوجئت بالسؤال فكادت تلقيه من الطابق السابع والعشرين». ما هذا التعبير؟. ما هذا المستوى؟. ما هذه اللغة، التى فقدت المهنية، والنزاهة؟. وما هو الغرض منها بالضبط؟. واضح جدًا موقفه الشخصى من أفكارها.

ثانيًا: قال الصحفى إن سؤاله المفاجئ، لنوال، كان معناه: «أنها تتاجر باعتقال السادات لها، وأن إحدى زميلاتها قالت له إنها وشت بها وبغيرها، حتى يفرج عنها قبل الجميع». وهنا يقول: «هاجت السعداوى الداعية الليبرالية، وكادت تقذف بى من شقتها من الدور السابع والعشرين». لمعلومات هذا الصحفى، هو الدور الـ٢٦، وليس الـ٢٧.

ما هذه اللغة المبتذلة، المتدنية، المخزية، يترفع عن استخدامها القلم الصحفى الراقى النزيه، ذو النوايا الحسنة. ولماذا لم يذكر الصحفى اسم الزميلة؟. كلام مرسل رخيص. وبالطبع وضع جملة «الداعية الليبرالية» لنفهم أنها غير ليبرالية. وكيف بكل هذه الجرأة، والسهولة والأريحية، يتهم امرأة دفعت ثمنًا باهظًا، لأنها لا تتاجر مثل أغلب النخب الفاسدة، المحتلة الفضاء العام.

وكيف تتاجر باعتقال السادات لها؟. لم يقل لنا الصحفى. كل ما أعرفه، أن أمى، استغلت فترة اعتقالها، وأضافت إلى المكتبة العربية، واحدًا من أهم وأجمل كتبها ومؤلفات أدب السجون: «مذكراتى فى سجن النساء»، ١٩٨١، كتبته بقلم حواجب إحدى السجينات، وعلى ورق تواليت، والتى استحقت عنه دخول قائمة: «مائة أشهر امرأة وأكثرهن تأثيرًا فى العالم خلال القرن العشرين» من مجلة التايم الأمريكية. وتصدرت صورة نوال غلاف مجلة التايم لعام ١٩٨١. وترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات، فور نشره.

ثالثًا: يقول الصحفى: «بعد عدة شهور، حدثت لها أزمة مع الأزهر، واضطرت إلى ترك مصر إلى كندا، لتنجو بنفسها، ورغم موقفها السابق معى، رأيت أن من حقها أن تدلى برأيها فى أزمتها، وأن يسمعها الناس بوضوح، وعملت معها حوارًا، أظن أنه كان بابًا لعودتها إلى مصر». 

الصحفى يظهر نفسه، بمظهر المدافع عن حرية التعبير، والموضوعية، وشرف الكلمة، الذى يتغاضى عن «الشخصنة» من أجل نزاهة المهنة. فها هو يقرر عمل حوار مع الدكتورة نوال، رغم موقفها السابق معه. أى موقف سابق؟. هى لم تقذف به من الشرفة لأنه حى يرزق. أو ربما توقع أن من حقه، اتهامها بأى شىء. وترد مبتسمة، وهادئة، بعد أن تبين لها غرض أسئلته المنحازة سلفًا ضدها.

ثم لماذا، لم يذكر ما حدث، إذا كان يتوخى الحقيقة والدقة؟. اكتفى بأن «حدثت لها أزمة مع الأزهر». وهذه من معالم الصحافة الصفراء. تقول كلمة أو جملة مثيرة، وتجرى تاركة مئات الاحتمالات. 

لمعلومات هذا الصحفى، فإن نوال «لم تحدث لها أزمة مع الأزهر». بل الأزهر هو الذى كانت معه، أزمة مع نوال. بعد روايتها: «الإله يقدم استقالته فى اجتماع القمة»، رفع الأزهر قضية ازدراء أديان، وإهانة الذات العليا، والإساءة إلى الرسل والأنبياء، ضدها، وطالب مع بعض المحامين المتاجرين بالوطن المزايدين على الدين، بسحب الجنسية المصرية منها. ولم تذهب نوال إلى كندا، لتنجو بنفسها كما قال الصحفى. ولكن الذى حدث أنها بالصدفة، وفى التوقيت نفسه، تلقت عدة عروض للتدريس فى بعض الجامعات الأمريكية المستقلة، وسافرت بالفعل. كان المفروض وتمشيًا مع أهداف الصحافة النزيهة، أن يتساءل هذا الصحفى، كيف ترفع كل هذه القضايا، بسبب رواية، أى كلمات وتخيلات على الورق؟. وهل هذا فى صالح الدولة المدنية، وحرية التعبير والفكر والإبداع؟. 

يظن الصحفى بأن حواره، كان بابًا لعودة نوال إلى مصر. أنا بجد، لا أصدق كل هذا الهبد والكذب والتزوير العلنى، وأيضًا الغرور. أحوار كهذا، يكون بابًا لعودة نوال السعداوى إلى مصر، وطنها؟!. فعلًا.. شىء مضحك، ومثير للشفقة، وحال بائس مزرٍ. لكننا فى بلادنا، تعودنا أن أى أحد، يهبد أى كلام، فى أى حاجة، بكل استعلاء، ولا أحد يراجع وراءه، ويطالبه بالدلائل، وصحة التواريخ، وتفاصيل القضايا. 

لمعلومات هذا الصحفى مرة أخرى، أن أمى، نوال، لم تعد إلى مصر، إلا بعد انتهاء مدة العقود التى التزمت بها، مع عدد من الجامعات الأمريكية المستقلة. ولمعلومات هذا الصحفى أيضًا، أن جميع القضايا التى رُفعت ضد أمى، بسبب مؤلفاتها، تم حفظها. وبالمناسبة، كل المحامين كانوا قامات فى مجالهم، وتطوعوا من تلقاء أنفسهم، لتمثيلها، والدفاع عنها. وكان بالتأكيد، انتصارًا لأمى. لكنه انتصار أيضًا، لمصر، التى لن تخلو من الضمائر العادلة، النزيهة، ولن تسمح بتراجع مسيرة التنوير، والتى من أعمدتها حرية التفكير، وحرية الإبداع. 

يذكر الصحفى بأنه تقدم بهذا الحوار المذاع، فى «مهرجان القاهرة للإعلام العربى»، موضحًا أنه علم أنه كان مثار جدل، فى لجنة التحكيم، بين مؤيد ومعارض لأفكار نوال السعداوى.. إن القضية لم تكن تقييمًا لآراء نوال، ولكن تقييم للمادة الإذاعية، ولذلك انحازوا فى النهاية للمهنة، وانتصروا له كمحاور، وأخذ ميدالية فضية. ويختم أن الجائزة، كانت توافقًا للمؤيدين لفكرة محاورة أصحاب الرؤى المتطرفة، أو حجب أفكارهم عن المجتمع.

بالطبع «نوال» هى المقصودة بأصحاب الرؤى المتطرفة، التى سببت الجدل فى لجنة التحكيم. لكنهم «يتسامحون»، و«يتساهلون». وكأن المجتمع مملوك للجنة التحكيم، تحدد ما هو التطرف، وما هو غير متطرف، وماذا يظهر، وماذا يحجب.. وما إذا كانت أخلاقيات المهنة متوفرة، أو منعدمة!. 

أعتقد أن الصحفى تكبد عناء نشر هذا الموضوع، فقط، لينبهنا أن آراء نوال السعداوى «متطرفة»، وأنها ليست «داعية ليبرالية» لموقفه الشخصى هو أصلًا، ضد آرائها وشخصيتها الحرة، وصراحتها غير المألوفة. فهى كما عبرت: «كل جريمتى أننى حرة، وهم يريدون الجوارى والعبيد». بالإضافة إلى ذلك، كانت ناجحة ومشهورة عالميًا، دون أى دعم داخل بلدها من السلطة الرسمية، وهذا غير مألوف فى بلادنا، وغير مرغوب. فقط الأحرار، من النساء والرجال، وهم قلة، الذين يحبونها، وتعجبهم شخصيتها، وردود أفعالها. ولإخفاء الحقيقة، روجوا لإشاعة أنها «تكتب ما يحبه الغرب». وهم جاهلون، لا يعلمون أن الغرب ليس سلة واحدة. ولذلك فإن الجامعات الأمريكية التى دعتها للتدريس بها، لم تكن الحكومية، التابعة للنظام، بل الجامعات المستقلة الخاصة. وكانت فى محاضراتها، داخل أمريكا، تتحدث ضد الإدارة الأمريكية.. ثم إن أمى، معروفة أيضًا فى الشرق، وكتبها مترجمة إلى الصينية واليابانية والإندونيسية والهندية. وكذلك يعرفونها فى بلاد إفريقيا السمراء، حيت ترجمت بعض أعمالها إلى السواحيلية. 

وعلى الهامش، يخبرنا عن حصوله على ميدالية. فالموضوع برمته، لا يضيف أى قيمة حقيقية واحدة، تحرك العقل، وتثرى الوجدان. وهو متخم بعبارات المديح والإطراء والتبجيل والامتنان، التى يضفيها على ضيوفه، والتى تعبر عن رأيه الشخصى هو، فقط لا غير. 

كانت أمى نوال، محقة فى عدم ثقتها فى الصحفيين. فالصحافة الصفراء، أو الإعلام الأصفر، عامة، اشتغل عليها طول الوقت، حتى بعد رحيلها. وعشت معها بالتفاصيل مئات المواقف من صحفيات، وصحفيين، يشتهرون من الكذب، والتلفيق، والصيد فى الماء العكر، وركوب الموجة الرائجة. 

أعطت أمى، نوال، آلاف الحوارات الصحفية فى مصر، وخارجها. وكنت أقارن الصحفى المصرى، بالصحفى الأجنبى. فرق هائل وشاسع. فالصحفى مثلًا من إنجلترا، أو فرنسا، أو إيطاليا، لا يقابل أمى، إلا إذا قرأ على الأقل، نصف كتبها، ويتابع مؤتمراتها، وأنشطتها، ويذاكر جيدًا محطات حياتها. ولذلك كانت أمى، ترحب بالحوار، وتستمتع بمحاوره، وتندهش من إبداع، وتواضع وتهذيب وأدب والتزام بالوقت، وثقافة وسعة اطلاع الصحفى الأجنبى. ويُنشر الحوار بالضبط دون تغيير حرف واحد، وفى الموعد المتفق عليه. 

أما الصحفى من بلادنا، فلا مقارنة أصلًا. فهو لم يقرأ شيئًا. كل حصيلته، ما سمعه هنا وهناك، من إشاعات واتهامات وشخصنة، يرددها دون فهم، وبكل غطرسة وغرور. وهو لا يهتم إلا بالعناوين المثيرة، والتشويه، وتغليب الجزء الذى يشعل الهجوم، ليتنجم، وتزيد مبيعات المطبوعة، وبعد ذلك، يتكلم عن أخلاقيات المهنة، وشرف الكلمة، ونهضة الصحافة والإعلام والليبرالية. 

جاء صحفى مرة إلى أمى فى البيت، لعمل حوار، وتأخر نصف ساعة. وعندما واجهته أمى غاضبة، لعدم الالتزام، ورفضت إجراء الحوار، وسألته: «لو ميعادك مع وزير كنت هتتأخر ساعة؟». أصبح يهاجمها، ويشوه صورتها، بمناسبة، وغير مناسبة. 

وهناك صحفيون يبدأون الحوار الأدبى والثقافى: «هل أنت مسلمة يا دكتورة؟».

وكان هناك صحفى، ينشر عن أمى أخبارًا كاذبة، رغم أننا لا نعرفه أصلًا. واتضح الأمر، عندما طلبت امرأة مجهولة، مقابلة أمى. وفعلًا جاءت، وعرفت نفسها بأنها طليقة هذا الصحفى. حكت عن زواجها التعيس، سبع سنوات، وكيف كانت تتعرض للإهانة والتعنيف اللفظى والجسدى، وتحملت من أجل أولادها. وعندما تقاومه، وترد عليه أنها ذات كرامة مثله، ولا تقبل معاملته. كان رده: «نوال السعداوى هى السبب». وكان هذا هو السبب الحقيقى، وراء هجومه المستمر على أمى، وكراهيته لها. 

وعندما تصدر أمى، رواية جديدة، أو تتم ترجمة إحدى رواياتها أو كتبها، أو ترشح لجائزة عالمية مرموقة، كانت الصحافة تتجاهل الخبر، أو تذكره فى مكان غير مرئى، فى حين تبروز وتلون أخبارًا هايفة. هى الصحافة نفسها التى تصف نفسها بالحيادية، والصدق، وتوخى الحقيقة والدقة والنزاهة. 

هذه أمثلة من ضمن آلاف الأسباب، التى توضح لماذا نحن فى ذيل الأمم حضاريًا، وثقافيًا وأخلاقيًا!. 

لم تكن نوال، أمى، ترد على مثل هذه الأشياء، وتحثنى أنا الأخرى، على عدم المبالاة. وتقول: «لا تعكرى مزاجك، ولا تهدرى وقتك وجهدك، إلا فى الكتابة». عفوًا أمى.. مش بالساهل أضيع مذاق القهوة.