الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

مِت يوم مات صلاح.. هل كان الانتحار قرار السندريلا المؤجل من الثمانينيات بعد موت جاهين؟

السندريلا  وصلاح
السندريلا وصلاح جاهين

- لغز الزيارة الأخيرة لصلاح جاهين إلى بيت سعاد حسنى قبل ساعات من دخوله مستشفى الصفا فى رقدته الأخيرة

- سمير فريد يحسم الجدل.. صلاح مات منتحرًا والساكت عن الحق شيطان أخرس

ساعتان فقط قضاهما صلاح جاهين فى بيت سعاد حسنى مساء يوم 17 أبريل ١٩٨٦ بعد أن أوصله شاب صغير تبناه فنيًا سوف يلمع اسمه لاحقًا وهو شريف منير.

ساعتان فقط كانتا آخر ما بين صلاح وسعاد من كلام وأخذ ورد.. حتى قطع استرساله سارينة سيارة شريف منير المنتظرة أسفل بلكونة سعاد بشقتها فى الزمالك، والذى أتى فى الميعاد المتفق عليه مع العم صلاح لإرجاعه إلى بيته، ودع صلاح سعاد ونزل لشريف الذى اصطحبه بهدوء إلى بيته وهو شارد الذهن فى ليل القاهرة الربيعى، وكأنه يشعر أو «ينوى» أن تكون تلك الليلة هى ليلته الأخيرة.

بعد أن نزل صلاح من عربة شريف وأغلق بابها استند على زجاجها موجهًا حديثه للفنان الشاب الذى يعيش بين جناحيه كواحد من أولاده منذ سنوات، وينظر صلاح إلى شريف معطيًا الدفقة الأخيرة من النصائح الأبوية الخالصة له بشكل أصاب شريف بالقلق عليه.. خاصة عندما تعلقت به عينيه وهو يذوب فى ظلام مدخل العمارة التى يقطن بها، وكأن على كتفيه حملًا ثقيلًا على مشارف التحلل منه.

لم يعرف شريف ماذا حدث لعمه صلاح عند سعاد فى الساعتين اللتين تركه فيهما كما طلب، لكنه على ما يبدو، وبالتخمين وفقا لما آلت إليه الأمور بعد ذلك، فقد كانت جلسة وداعية أيضًا يعطى فيه الأب والأستاذ والمعلم نصائح يوقن بأنها الأخيرة لتلميذته التى يعرف تمام المعرفة أن غيابه المفاجئ عن محيطها قد يدمرها تدميرًا؛ لذلك قد يكون رأى أن يمهد لها فكرة الغياب الحتمى المقبل بعد ساعات.

لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا قال صلاح لسعاد.. وقصة الساعتين جاءت فى معرض حكى شريف منير عن علاقته مع العم صلاح جاهين فى فيديو قديم له على اليوتيوب، ولم يتوقف أحد عندها، وبقيت تلك المدة القليلة التى مكثها صاحب الرباعيات فى بيت سعاد حسنى قبل سويعات قليلة من قراره بالرحيل.. غامضة لم تتحدث عنها سعاد بعد ذلك.. لأنها تلقت بعد سويعات أسوأ خبر ممكن أن تسمعه عبر سماعة الهاتف صباحًا: الحقى يا سعاد صلاح بيموت فى مستشفى الصفا بالمهندسين.. لتطوى السندريلا الحزينة الطريق من الزمالك إلى المهندسين قبل أن يرتد إليها وعيها بالفجيعة لتفاجأ بالرجل الذى بعثه القدر لها فى وقت لم تكن فى حاجة لأكثر من وجود شخص مثله فى حياتها، وقد تخللت جسده خراطيم صماء محاولة استرداد الحياة التى تتسرب من خلايا روحه.. تلك الروح التى ملأت الدنيا فنًا خالصًا استثنائيًا، لم وحتمًا لن يتكرر.

القدر جمعهما قبل أن تلتقى الوجوه

مثلما هو معروف بالضرورة أن الأقدار ترسم ملامح العلاقات بين البشر على مهل وبقدر كبير من التأنى والدرامية، هكذا طبخت العلاقة بين سعاد حسنى فاتنة الأجيال وصلاح جاهين الرجل الذى تكتظ المواهب داخله بشكل خيالى، بحيث لا يصدق عقل أن هذا الرجل البدين والمعلول صحيًا يستطيع أن يكتب ويرسم فى الصحافة ويصنع أفضل السيناريوهات وينظم أعظم الأشعار ويشخص أمام كاميرات السينما كممثل محترف، كل ذلك فى نفس الوقت وبنفس الكفاءة الاستثنائية.

الذى حدث أنه فى يوم من أيام آخر أعوام حقبة الخمسينيات، وبينما كان صلاح جاهين عاشق السينما يجلس مع أصدقائه فى سينما ديانا يشاهد فيلم عبدالرحمن الخميسى الجديد عن قصة حسن ونعيمة الشهيرة.. وعندما بدأ الفيلم وظهرت بطلته على الشاشة.. فتاة صغيرة لم تتعدَ الستة عشر عامًا ذات ملامح طفولية بريئة.. صرخ صلاح فى صديقه الذى يجلس بجانبه: «دى مين دى؟»

رد عليه قائلًا: اسمها سعاد حسنى، فقال صلاح: دى هتكسر الدنيا.

انتهى الموقف، كما حكاه صلاح، وصدقت نبوءته وأصبحت سعاد حديث الشارع بعد هذا الفيلم. ورشحها هذا النجاح لكى تشارك فى العام التالى بداية الستينيات فيلمًا للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، الذى كان قد استتبت له القمة الغنائية والسينمائية.

كان الفيلم هو «البنات والصيف»، لم تكن سعاد فيها البطلة الأولى حيث كانت أخت البطل.. لكن على ما يبدو أن شيئًا ما حدث فى قلب الاثنين خلف الكاميرات، وبدأت تتكون بذرة قصة حب مُلغزة لن تحل عقدتها أبدًا بعد ذلك. 

ثم جاءت الستينيات بكل عنفوانها، فصالت سعاد وجالت فيها طولًا وعرضًا لتصنع جُلّ مجدها الفنى من حيث الكم، وبدأت تتعدد المقابلات القدرية بين صلاح وسعاد فى إطار بعض الفعاليات الفنية التى كانت ترتبط بعرض فيلم جديد أو ندوة تقيمها الكواكب، مثلا تناقش فيها مشاكل السينمائيين ويكونان بين الحضور.. لكن لم تتعد تلك اللقاءات العابرة أكثر من سلامات معتادة جافة بين أبناء الكار الواحد بحكم المهنة.. حتى جاء اليوم الذى قابلت فيه ذلك الرجل الذى أعجب بطلّتها الأولى فى سينما ديانا منذ سنوات.. مقابلة إنسانية قربت القلوب وشعرت سعاد أنها تحتاج لوجود هذا الرجل فى حياتها.. لعب يوسف شاهين دور البطولة فى هذا الموقف ولا بأس أن نحكيه.

فى موقف قدرى للغاية كان صلاح جاهين يعالج من الاكتئاب فى روسيا بعد آثار نكسة يونيو التى كسرت حلمه وأفقدته الإيمان بكل ما يكتب، وفى نفس الوقت كان المخرج العالمى يصور فيلم «الناس والنيل» عن معجزة السد العالى فى موسكو، وبينما كان يجلس شاهين مع بطلة فيلمه سعاد حسنى، قال لها «ماتيجى نزور صلاح جاهين فى المستشفى»، وبالفعل صافحت سعاد لأول مرة بهذه الحميمية معجبها الأهم والأول بعد سنوات من مشاهدته الأولى لها عبر شاشة سينما ديانا فى وسط القاهرة، لكنهما احتاجا أن يذهبا لبلاد الصقيع فى روسيا حتى يتقابلا بهذا القرب الإنسانى.

وبدأت هنا وفى هذه اللحظة بالذات علاقة شديدة الخصوصية بين الاثنين.. وكأنهما وجدا بعضهما البعض أخيرًا بعد طول معاناة.. فسعاد على ما يبدو وجدت فيه الحضن الذى يستوعب كل انكساراتها المختزنة داخلها.. منذ طفولتها البائسة الغارقة فى الأمية وعدم الاهتمام من الأب، وصلاح وجد فى سعاد سلوانه وعزاءه عن كسرة قلبه وانهيار أحلامه مع بقية جيله على مذبح النكسة.

ثم تمر السبعينيات بحلوها ومرها وتزداد سعاد التصاقًا بصلاح جاهين، ويصبح هو الملجأ الوحيد لها ويصير هو الوصى عليها فنيًا، وتترك هى كل مقاليد أمورها لهذا الرجل الذى رأت فيه صورة الأب التى فقدتها وبحثت عنها كثيرًا من أول مكتشفها عبدالرحمن الخميسى، لكنها لم تجد من يسد تلك الثغرة الإنسانية داخلها غير صلاح جاهين، وكأنه منحة قدرية لها فى وقت ازدحمت حياتها بالمطبات الحياتية والكراكيب التى أسفرت عنها علاقات عاطفية فاشلة وأحيانًا ظروف سياسية يعيشها البلد، وبسببها وجدت نفسها بشكل أو بآخر موضوعة فى جملة مفيدة داخل تلك الدوامة التى دخلها عهد عبدالناصر برمته قبيل وبعد نكسة ٦٧.. كلها مطبات إنسانية أصابتها بحزن مقيم فى عينيها يستشعره المشاهد فى أكثر أدوارها مرحًا. 

رجاء لم  يتحقق: ماتسبنيش ياصلاح

أستطيع أن أجزم بكل ثقة أن تلك المكالمة المشئومة التى استيقظت سعاد حسنى عليها هذا اليوم الأغبر، والتى كان عمادها جملة واحدة «الحقى يا سعاد صلاح بيموت فى المستشفى» هى أسوأ كابوس عاشته سعاد حسنى على الرغم من كثرة آلامها طوال حياتها.. بالتأكيد شعرت سعاد بأن الخيط المتين الذى تشبثت به لحفظ حياتها على وشك الانهيار.. وهو الذى انعكس على حالها طوال أيام احتضار صلاح فى أسفل خراطيم العناية المركزة لمستشفى الصفا بالمهندسين.. حالة فقدان تام للسيطرة على العواطف لدرجة حولت زيارتها اليومية الطويلة له إلى مصدر إزعاج لإدارة المستشفى التى عبرت عن هذا الإزعاج بشكل رسمى إلى وجدى الحكيم الإذاعى المخضرم والصديق الوفى للاثنين صلاح وسعاد.

بقى أن تعرف كيف مرت تلك الأيام على سعاد حسنى وهنا نترك وجدى الحكيم نفسه ليحكى هو ما حدث.. حيث يقول وجدى إن سعاد كانت تذهب يوميًا لتجلس أسفل سرير صلاح الراقد فى غيبوبة، وهى تصرخ وتبكى بهستيريا لا تتوقف.. هكذا يوميًا حتى جاءت شكوى لإدارة المستشفى من تبرم المرضى وأهلهم من علو الصوت.. وهنا تدخل وجدى وأملى شروطه على سعاد عارضًا عليها أن يصطحبها يوميًا من بيتها لتزور صلاح لمدة ربع الساعة فقط؛ شريطة ألا تزعج المرضى بنحيبها الذى لا ينقطع.. وبالفعل التزمت سعاد لكنها كانت تدخل وتجلس أمامه ثم تقرب فمها من أذنه وتتحدث إليه وكأنه يسمعها وتترجاه ألا يتركها لأنها لن تستطيع مواجهة العالم بدونه. 

«ماتسبنيش ياصلاح» جملتها الأثيرة التى لازمت لسان سعاد طوال جلوسها بجوار سريره طبقًا لحكاية الحكيم، وهى حكاية لا تملك إلا أن تشتم رائحة الصدق فيها وعدم المبالغة لأن تتابع الحوادث تدلل على مدى احتياج سعاد فعلًا لصلاح جاهين وإحساسها بفداحة فقدها له وهو الذى كان يجلس معها لمدة ساعتين قبل سقوطه بساعات قليلة، وكأنه يؤهبها لهذا الغياب.. وقد تكون راجعت كلامه لها فى تلك الليلة وتحاول استنباط ما يوحى من بين الكلمات والنصائح أنه قرر الغياب للأبد.. وأغلب الظن أنها شعرت بالذنب لأنها لم تدرك أنه اتخذ القرار وكان لقاؤه بها وداعيًا حتى لو أخذ صبغة العمل، حيث سلمها آخر قصيدة كتبها لابنته سامية باسم «ربنا»، بالتأكيد تمنت سعاد لو عادت لها الفرصة بهذا اللقاء لأقنعته بألا يتخلى عن الحياة التى طالما أحبها وراقصها وغازلها فى أشعاره. 

لكن القدر لا يمكن رده وذهب صلاح جاهين مكتئبًا يوم ٢١ أبريل ١٩٨٦ ليترك الدنيا التى ضاقت عليه.. لكنها أصبحت بعد ذهابه واسعة أشبه بصحراء شاسعة بامتداد البصر دون زرع أو ماء وفى وسطها امرأة حزينة منكسرة اسمها سعاد حسنى.

سعاد شعرت بأن الدنيا دارت فوق رأسها وودت أن تدخل القبر مع صلاح لتستأنس به.. ودخلت سعاد فى حالة اكتئاب شديد وأغلب الظن أنها قررت بينها وبين نفسها أنها انتهت وعزمت على أن تطوى الأيام الثقال كما هى بحلوها ومرها عسى أن تمر سريعًا وتذهب إلى حبيبها وقدوتها صلاح جاهين.. وعندما وجدت أن الحياة طالت أكثر من اللازم لم يكن أمامها إلا بلكونة لندن المُقبضة لتلقى بنفسها وبهمومها أمامها ليرتطما سويًا فى أسفلت الإنجليز القاسى، وينتهى كل شىء سيئ.

موت مؤجل من الثمانينيات

يوم ٢١ يونيو ٢٠٠١ وبينما كانت لندن غارقة فى ضبابها المقبض الأبدى الذى لا ينتهى، سمع فى أحد شوارعها وتحديدًا أسفل برج ستيوارت تاور صرخة مكتومة، ثم ارتطام بأسفلت الشارع القاسى.. والنتيجة جثة ساكنة ارتاحت من عذاب ظل ساكنًا بالضرورة داخلها حتى تخلصت منه بتخلصها من حياتها.

لم يعرف المارة ماهية تلك الجثة، وبالتأكيد لم يستوعبوا أن هذا الجسد الساكن أمامهم قد ملأ الدنيا مرحًا قبل سنوات هناك فى أرض الفراعنة فى مصر.. إنها سعاد حسنى.

وانكشف المستور وعرف الجميع أن سعاد انتحرت لتسجل من ضمن وفيات هذا اليوم.. لكن ما لم يستوعبه الجميع أن سعاد عمليًا كانت قد ماتت قبل هذا التاريخ بحوالى خمسة عشر عامًا وتحديدًا يوم ٢١ أبريل ١٩٨٦، وهو اليوم الذى سجلت فيه حالة وفاة أخرى لرجل ملأ الدنيا ضجيجًا وإبداعًا لا ينتهى ولا ينضب.. هذا الرجل كان صلاح جاهين.

موت جاهين منتحرًا كان بمثابة قطم رقبة لسعاد، وهى التى أصبح صلاح بالنسبة لها هو المرجعية فى كل شىء.. رأت فيه العوض عن كل نقائصها.. شفاها صلاح جاهين من كل ذلك بأن نفخ من روحه الطائرة ليعيد للسندريلا عنفوانها وتبدع أعظم أعمالها.

والغريب أن موت صلاح منتحرًا لم يكن محسومًا إلا عن طريق همهمات بين بعض القريبين الذين يعرفون الحقيقة، ولكن يخشون غضب الأهل.. حتى جاء الناقد الكبير سمير فريد وكتب مقالًا سنة ٢٠٠٦ ليحسم به هذا الجدل وعنوانه وحده كفيل بالحسم، حيث يقول «صلاح جاهين مات منتحرًا»، ثم تحدى الجميع داخل المقال بقوله نصًا «أنا لا يعنينى هنا من ينكرون انتحاره وكأنه جريمة، فقد عاصرت الموقف بنفسى، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وعاصرت محاولات المنتج السينمائى حسين القلا، وهو يأتى بالدواء المضاد للحبات التى تناولها صلاح جاهين، ولكنها وصلت من سويسرا بعد فوات الأوان».

إذن بقى صلاح فى المستشفى أيامًا منتظرًا ترياق الحياة من سويسرا.. ثم لم ينتظر وذهب تاركًا غصة حزينة فى قلب الجميع وأكثرهم بالطبع كانت سعاد، التى على ما يبدو أنها استلهمت من قرار صلاح بالتخلى عن حياته؛ حتى قرر هو بملء إرادته أن يتركها ويترك الدنيا مكتئبًا ومكتفيًا فى سنة ١٩٨٦ لتجد سعاد نفسها وحيدة دون سند.. وتمر بها السنوات ثقيلة إلى أن اكتفت هى الأخرى من كل شىء فى بداية الألفية عندما قررت أن تلقى الدنيا خلف ظهرها، ثم تلقى نفسها من بلكونة كئيبة فى مدينة الضباب.