الثلاثاء 28 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

الخالة سَكينة والحاجة رتيبة.. أم أحمد زكى الحقيقية

أحمد زكى
أحمد زكى

- والدة أحمد تكشف المستور فى علاقتها بابنها: لست جاحدة كما تظنوننى و«نكشت» تراب قبره لأنى لم أحضر الدفن!

فى مثل تلك الأيام وتحديدًا يوم ٢٧ مارس ٢٠٠٥ أعلن قلب أحمد زكى عن قراره النهائى بالهزيمة بعد معافرة مع الدنيا استمرت ٥٩ عامًا.. اقتنص خلالها ابن الزقازيق لحظات ألق وتوهج لم يصل إليها فنان قبله.

كان موت الفتى الأسمر المتوقع صدمة زلزلت كيان الوطن الذى ذاب أحمد حبًا فيه.. وكتبت الصحف مرثياتها المطولة فى وداع ذلك الفنان الاستثنائى فى كل شىء.. وكان السؤال الذى شغل الكثيرين وقتها: أين أم أحمد زكى «السيدة رتيبة».. تلك المرأة الغامضة التى شعر الكل فى حياته أن ثمة غصة داخله تجاهها دون أن يعرف أحد السبب بوضوح.. وبحث عنها الصحفيون ولم يجدوها فى الجنازة، مما زاد التكهنات والحكايات عن تاريخها مع ابنها من الزقازيق إلى سرير الموت فى القاهرة. 

قبل هذا المشهد تقريبًا بخمسة عشر عامًا كان أحمد زكى يقف أمام كاميرا عاطف الطيب لإبداع مرثيته الخالدة فى فيلم «الهروب»، وهى مرثية منتصر الشاب الصعيدى المسكون بحب بلدته «الحاجر»، والمشتاق لانتشال نفسه من مستنقع المدينة الآسن العطن، بأمثال مدحت صديقه الخائن، ونجوان القوادة التى اختطفت حبيبته.. والهروب إلى حضن أمه «الخالة سَكينة».

علاقة منتصر بأمه فى اعتقادى كانت العلاقة الأصدق ومحرك الأحداث فى هذا الفيلم.. حيث ظلت نظرة الأم لمنتصر هى أساس تصرفاته، وكان المشهد الأول الذى تظهر فيه الأم «سَكينة» خلال أحداث الفيلم عبر حلم منتصر الجميل، الذى اختلط بواقع أليم، عندما كان صوتها هو نقطة الوصل بين جمال الحلم وقبح الواقع، وهى تنادى عليه من وسط الخضرة «منتصر.. منتصر» حتى يفتح عينيه على اقتحام الشرطة حجرته؛ ليبدأ أول مقالب الزمن باكتشافها المخدرات التى خبأها صديقه الخائن مدحت تحت وسادته.

فى المشهد التالى مباشرة كان منتصر خلف القضبان وأول وجه يبحث عنه هو وجه أمه، كما أن أول جملة يقولها، هو سؤاله لها قائلًا: «مصدقانى يا أمه».

لترد الخالة سَكينة: «مصدقاك يا ولدى.. ربنا يفك ضيقتك».

وعن الحاجة رتيبة أم أحمد زكى، والخالة سَكينة أم منتصر عبدالغفار يدور هذا الموضوع.

الحاجة رتيبة.. الأيام تداوى الجراح

بعد وفاة أحمد زكى فى ٢٠٠٥ ظلت فجيعة فقده مسيطرة على الصحافة المصرية لأيام وتبارت الصحف فى التنقيب خلف حياة الفتى الأسمر الأولى فى الزقازيق، البلدة التى استوعبته وليدًا، لكنها لم تستوعبه شابًا يافعًا موهوبًا يبحث عن شغفه بالفن، فهرب إلى العاصمة.

وكان السؤال السائد أين أهل أحمد ذكى.. وخاصة أمه تلك المرأة التى تركته صغيرًا وصنعت لها حياة زوجية جديدة.

ويبدو أن بعض التغطيات الصحفية قد جانبتها الإنسانية، وأفردت حكايات مختلقة عن الأم رتيبة استنادًا إلى معلومة تركها أحمد صغيرًا وزواجها.. وهو الأمر الذى استفز صحفية قديرة بحجم عائشة صالح كانت موضع ثقة أحمد، لتكتب فى المصور مقال كوميديا سوداء بعد وفاة أحمد تحديدًا فى عدد ١٥ أبريل ٢٠٠٥ بعنوان «بحثًا عن فرقعة صحفية واستغلالًا للظروف وسط هذه الهوجة.. لماذا لا أكتب أنا أيضًا عن علاقة أحمد زكى بأمه؟».

وجهت عائشة انتقادًا قاسيًا لزملائها الصحفيين الذى استغلوا موت أحمد، وكلٌ أدلى بدلوه فى علاقته بأمه استنادا إلى تصريح أو تلميح له قيل فى موقف قديم.. وحسمت عائشة الجدل حول الحاجة رتيبة قائلة إنها لم تتعمد أن تسأل أحمد زكى عن علاقته بأمه.. بل هو الذى قال.. فقد كان يتكلم عن طفولته، فكان لابد أن يتكلم عن أمه.. وهذا نص ما حكاه لعائشة:

«والدى مات وأنا ما زلت فى بطن أمى، وأمى تزوجت قبل أن أعرف الدنيا.. كان عمرى سنتين.. أحلى سنين العمر هى الطفولة.. هى دى فعلًا.. الأيام الطيبة.. كانت بالنسبة لى أيامًا موجعة.. علشان كده أنا بقول عن أيام طفولتى أسوأ أيامى الطيبة.. لأن أمى أصبح لها بيت وزوج وأولاد.

فى البداية عشت مع جدتى أم أمى.. ماتت.. أصبحت بلا بيت. أصر أهلى على استضافتى حتى لا أعيش فى بيت رجل غريب عنى.. عند خالى شوية.. عند خالتى شوية. عند عمتى.. أقارب كثر، أنتقل بين بيوت كثيرة فأحس بالغربة بينهم.. ليس لى بيت.. بيت بتاعى أنا. به أشيائى الخاصة. غرفتى.. دولابى.. سريرى.. مخدتى.. لحافى الخاص بى.. أقاربى يوصون بعض ما حدش يزعل أحمد؛ لأنه يتيم. حتى عندما أخطئ لا أحد يؤنبنى مثلما يؤنبون أولادهم حرصًا عليهم. أما أنا فالكل يتحرج من عقابى حتى لا يقال إنهم يضيقون بى.

من المؤكد أنهم يحبوننى، لكن أولادهم أهم. أشعر أن حياتى غير طبيعية، فالطبيعى أن أعيش فى بيت يضمنى مع أبى وأمى، لكن أبى مات وأمى أصبح لها بيت جديد وزوج آخر وأولاد غيرى.

أفتقد أمى التى أزورها لفترة محددة دون أن أعيش معها، أفتقد حضنها الدائم ولمسة حنان من يدها وهى تغطينى كل ليلة، المهم كل ليلة دون أن أضطر أن أقاسى ألم البعاد.. وأبكى وحدى على غياب أبى الذى تركنى، رغم أننى لا أذكره. ليظل الأب هو السند الحقيقى. 

تعودت أن أكتم آلامى حتى لا أزعج أحدًا. لم ينقدنى من آلامى إلا مسرح المدرسة، أجد فيه نفسى، أصرخ وأضج وأعيط وأنبسط.. أعمل حاجات تأخذنى من أحزانى، حياتى ليس فيها فرحة فكنت أفرح على خشبة المسرح».

انتهى مقال عائشة.. إذن الحاجة رتيبة لم تكن كما صورت الحكايات المتداولة عن تلك الأم التى ألقت بابنها الصغير فى بيوت الأقارب حتى يخلو لها الجو لزيجة جديدة.. صحيح أن أحمد زكى فى اعترافه لعائشة صالح أبرز تأثره النفسى وحاجته لدور أكبر لأمه.. بالتأكيد أم من نوعية الخالة سَكينة التى رأها بعينه أثناء تمثيله فيلم «الهروب» لكنه عندما كبر وخاض مرحلة الزواج ثم الطلاق وترك ابنه الوحيد هيثم لتربيه جدته التمس لأمه العذر، وتغيرت المعاملة على ما يبدو، وهو الأمر الذى كشفته الحاجة رتيبة نفسها فى حوارها المهم بعد الوفاة مباشرة، والتى انفردت به أيضًا المصور على يد محررها الشاب وقتها خالد ناجح، رئيس تحرير كتاب الهلال الآن.

واجهها خالد بالسؤال الأهم الذى أثار عليها الأقاويل، وقال لها هل حضرت الدفن؟ ردت الأم المكلومة «حين وصلت لمقبرة المرحوم كان قد دفن بالفعل.. دخلت المقبرة وأنا لا أصدق ما يحدث.. وطيت على الأرض و«نكشت» الرمل عليه، وأنا أبكى وأقرأ له الفاتحة وأدعيله بعدها، فى العزاء.. جلست بين الفنانات، وتلقيت العزاء فى أحمد واستقبلتنى أولًا هدى سلطان ويسرا، محافظ الشرقية قال لى إن هناك عزاء سيقام فى المحافظة لأحمد، وهنا جاءتنى سناء يونس وقفت معى يومًا كاملًا وزارتنى ياسمين الخيام أيضًا!

وبادرها ناجح بسؤال آخر هل كنت تزورينه فى المستشفى؟

تجيب: نعم كنت أزوره بالليل و«أملى عيونى منه» وأحضنه، دخلت عليه وكان فى وعيه، وقلت له «أنا راضية عليك»، ودعوت له فكلمنى ورد علىّ، وبعدها خرجت منهارة.

وفى الوقت الذى دخل فيه أحمد الغيبوبة، دخلت فى غيبوبة سكر وضغط دم «.. تبكى» أنا مش بأنام إلا بالمهدئات، ولما كنت أروح أزوره بتعب جدًا من المشوار، وأعود إلى البيت «خلصانة» تمامًا.. أنا ست كبيرة وعندى سكر وضغط.

ثم أكمل صحفى المصور انفراده بسؤالها عن طفولة أحمد وعلاقته بها؛ لتكشف الأم جوانب جديدة لم يتاجر بها أحمد يومًا، حيث قالت بالنص:

- من صغره كان أحمد ودودًا، حنونًا.. ترك له أبوه «شنطة» بها «فلوس كثيرة» وابن عم والده أخد الشنطة وأودعها البنك، وكل شهر كان أحمد ينفق من هذه الفلوس، وكان يجيب لى منها هدايا، ولما كبر وربنا غناه ما حرمنيش من حاجة، وكان يحضر لى أو يرسل لى ما أحتاجه، ولم أكن حتى مضطرة إلى أن أطلب منه بلسانى، كان يفهمنى ويحبنى ويرسل لى ما أريده!

■ هل لأحمد أشقاء من الأب والأم؟

- لا، كانت له أخت شقيقة أنجبتها من والده بعده فى أواخر الأربعينيات «أحمد» من مواليد ١٩٤٧، وكان اسمها «صباح»، وماتت وعمرها أربع سنوات.. ولما توفى زكى- والد أحمد- جاء ابن عمه الحاج عبدالقادر ومعه الشنطة، وفتحها أمامى وقال لى دى فلوس ومصاحف وأوراق وصور المرحوم وح أصرف منها على أحمد. ولما مات والد أحمد، عشت- وأحمد- فى دار والدى «بيت العيلة»، ورفضت الزواج بعد المرحوم ٧ سنوات، لكن والدى يرحمه الله أجبرنى على الزواج علشان كلام الناس وعادات أهل الريف، فاشترطت عليه أن أتزوج فى بيت العائلة؛ لأضمن لأحمد الحياة الكريمة، لذلك تربى أحمد فى بيت جده، بفلوس المرحوم أبيه ورعاية أخواله.

■ هل كان أحمد زكى ابنًا بارًا؟

- تبكى مجددًا.. «أحمد ابن لا يعوض، أنفق علىّ لكى أحج مرتين، وعمرات كثيرة، أنا وبناتى وكثيرين من العائلة، وأقول كل شهر كان يرسل مظاريف مغلقة لكل واحد وواحدة من العائلة باسمه، وفى الأعياد كان يرسل لنا فلوس وهدايا وعيديات نشترى منها كل شىء ولا يتأخر علينا أو ينسانا ولو مرة واحدة، كان يرسل لنا هذه الأشياء قبل العيد بأسبوعين، للجميع من الصغير إلى الكبير.

وعندما سألها ناجح هل كان يقابلكم وسط انشغاله الدائم بفنه؟ كان الرد معبرًا عن حاجة أحمد لحضن الأسرة، وخاصة أمه، حيث قالت: 

«كان مخصصًا للعائلة يومًا فى كل شهر، وكنا نسافر إليه جميعًا لنزوره فى بيته وكان دائمًا يوم ثلاثاء.. وكان يأخذ كلًا منا «على جنب» ويسأله: عايز حاجة؟ وأى فرد من العائلة كان يتعرض لمشكلة كان أحمد يحلها له، ولم يكن يخبر أحدًا منا عن مشكلة الآخر، كان كتومًا لأسرارنا، ويحرص على أن يحضر «هيثم» هذه المقابلة أحيانًا.. وكنا نعتبر هذا اليوم عيدًا ننتظره من شهر إلى شهر!

■ وكان يتصل بك تليفونيًا؟

- كان يتصل بى دائمًا.. يقول لى ادعيلى يا أمه، أنا بحبك، فأدعو له وأقول له بحبك.. لم يكن ولدى فقط، كان أيضًا أخى وصديقى.. وكل بناتى- «شقيقاته من الأم فقط»- يعتبرنه أباهن، ويقلن له «يا بابا» وكان يقول لهن: بأحب اسمع كلمة بابا منكم، وأزعل لما تقولوا لى يا أخويا.

الخالة سَكينة .. المرأة التى احتوت جنوح منتصر

أمى يا سالم 

لم يقل منتصر غير تلك الجملة لصديق الطفولة والظابط المكلف بالقبض عليه «الرائد سالم زيدان»، مأمور قسم «ساقلتة»، عندما دخل عليه نقطة الشرطة؛ ليطمئن على أمه القابعة فى الحجز. 

كانت الأم هى الطعم الذى يتم جلب منتصر الهارب به، وقد كان، فبمجرد أن عرف خبر القبض عليها ألقى نفسه على سطح القطار فى المشهد الأيقونى الذى حفره عاطف الطيب ومدير تصويره محسن نصر فى تكوين بديع خلاق لم يقدر عليه غيره.

وعندما وصل الابن البار عرض عليه صديقه سالم سيجارة، ريثما يحضر الظابط أمه من الحجز، لكنه رفض وهو المدخن الشره؛ ليفسر لنا سالم سبب الرفض، قائلا: «لساك تخاف تدخن قدامها».

وتدخل الأم وهى تحمل فى عينيها دفقة هائلة من مشاعر أمومة غير طبيعية، أصبغت عليها زوزو نبيل روحها؛ ليخرج مشهد احتضانها له دون كلام، لكنه حمل خلاصة معنى الأمومة، التى كان يحتاجها منتصر فى تلك اللحظة الفارقة، كما كان يحتاجها على ما يبدو أحمد زكى، الذى حرم من تلك المشاعر الفياضة فى تلك الفترة من حياته. 

الحقيقة أنه لم يكن هناك أحق من زوزو نبيل لتؤدى دور «الخالة سَكينة» أم منتصر، التى تطوى البلاد خلفه دون أن يقلل ذلك من حبها له.. فهو صورة الأب الغائب «زين الرجال» على حد قولها وهو الذى عاش غريبًا ومات غريبًا، حيث كان صقار يخرج بشباكه لشهور طويلة يجوب الصحراء جاثيًا وراء صقر حتى يقع فى شباكه.. وعندما سألها منتصر فى زيارتها الوحيدة له فى السجن وعن سبب حرقها شباك الأب بعد وفاته، فأسرت الأم الحانية بسرها الدفين:

«كان بيتهيألى أقدر أقعدك لكن ملقيتش فايدة.. طول عمرك عيشت معلق بين السما والأرض»،

وعندها نظر إليها منتصر حزينًا لحالها قائلًا: «تعبتك معايا يا أمه». 

فيجىء الرد القاطع: «طلتك عليا بالدنيا يا ولدى.. كنت تغيب وقت ما تغيب وأحلف بكل يمين لما ترجع هعمل فيك وأسوى.. وتو ما تهل عليا أشوف طلته فى عينيك.. كل شىء يروح لحاله وقلبى يصفالك زى ندى الفجر.. الله يرحمك يا أبو عبدالله»

وتستمر أحداث الفيلم لنصل إلى ذورتها بوفاة الأم ورغبة الابن فى دفنها مع استحالة الأمر نظريًا، حيث إنه حبيس قفص المحكمة، لكنه بمساعدة رجال الحاجر الذين يدركون قيمة الخالة سَكينة فى حياة منتصر استطاعوا أن يهربوه من قاعة المحكمة؛ ليظهر فى جنازتها وسط الأهل أمام أعين رجال الأمن، الذين خشوا أن يهاجموه أثناء المراسم، فيتحول الأمر إلى مذبحة.

وينتهى الأمر بمشهد دفن منتصر أمه وكأنه دفن روحه معها.. فمن أين له بأم مثلها تحتوى شططه وتتقبل جنونه ولا تلقى بهمومه على الآخرين.