الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

طبيب البيت الأبيض.. أنتونى فاوتشى: «ترامب» كان مؤمنًا بأن «كورونا» خدعة

أنتونى فاوتشى
أنتونى فاوتشى

- الرئيس الأمريكى السابق تعامل مع الوباء وكأنه يلعب مباراة ملاكمة

- مستشار «ترامب» عارض الإغلاق وقال: «الأمل فى مناعة القطيع»

- سيناتور أمريكى اتهمنى أمام البرلمان بتخليق الفيروس داخل المعمل 

يمكن القول إن الدكتور أنتونى فاوتشى هو أشهر طبيب فى العالم والأكثر إثارة للجدل، فقد كان كبير المستشارين الطبيين فى البيت الأبيض، وقدم المشورة الطبية لـ7 رؤساء أمريكيين، وكانت له إسهامات ضخمة فى مكافحة فيروس كورونا عام 2020 وما بعدها، رغم سنه الكبيرة، حيث يبلغ من العمر حاليًا 83 عامًا.

هذا التاريخ الكبير من العمل الطبى، دفع مجلة «بيبول» الأمريكية ذائعة الصيت لتصنيفه ضمن أفضل 4 أطباء لعام 2020، بسبب توجيهاته خلال فترة الجائحة، وإسهاماته خلال فترة عمله مديرًا للمعهد الوطنى للحساسية والأمراض المعدية فى الولايات المتحدة لمدة 4 عقود، ومساعدته فى توجيه السياسة العامة بشأن أخطر الفيروسات، على رأسها نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» والجمرة الخبيثة و«سارس»، وإنفلونزا الطيور والخنازير و«زيكا» و«إيبولا».

وفى يوم الأربعاء الماضى، أصدر الطبيب فاوتشى مذكراته تحت عنوان «تحت الطلب: رحلة طبيب فى مجال الخدمة العامة»، عن دار النشر «فايكينج»، وسرعان ما تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعًا.

وأثارت المذكرات حالة من الجدل بسبب تناولها مسيرة الطبيب فى مواجهة وباء «كورونا» وغيره، حيث تساءل القراء عن مدى فاعلية النصائح التى وجهها للمرضى حينها، إلى جانب تناولها علاقته بكثير من الرؤساء السابقين للولايات المتحدة خاصة دونالد ترامب.

وتناول الطبيب الشهير فى مذكراته الكثير من التفاصيل حول مهنة الطب، محللًا جدوى المناوبات اليومية للأطباء فى المستشفيات وفاعليتها، كما كشف عن الكثير مما كان يدور فى كواليس السياسة الأمريكية فى فترة الجائحة، وكيف تعاملت إدارة الرئيس السابق ترامب مع أزمة الوباء، وتفاصيل أخرى تستعرضها «حرف» خلال السطور التالية. 

أنتونى فاوتشى مع ترامب

معركة «الإيدز»

تجيب المذكرات المؤلفة من ٤٨٠ صفحة، عن سؤالين هامين، هما ما غرض فاوتشى من تأليفها؟، وهل كتبها فعلًا ليدافع عن مسيرته خاصة فى ما يتعلق بفيروس كورونا الذى يعتبر التحدى الأكبر له؟

وكشف الطبيب، فى مذكراته، كيف استفاد من أزمة فيروس نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» فى تحقيق شهرته، وهى القضية التى أفرد لها صفحات كثيرة، وكذلك كيف مثّل «كوفيد ١٩»، التحدى الأكبر له خلال فترة عمله مديرًا للمعهد الوطنى للحساسية والأمراض المعدية.

وواجه «فاوتشى» فى فترة انتشار «الإيدز»، الكثير من الانتقادات لدرجة أنه وصف بالقاتل، لأنه لم يتحرك بسرعة كافية فى البحث عن علاج للمرض، واتُهم بأنه مسئول شخصيًا عن الوفيات واسعة النطاق التى حدثت بسببه، لكنه تمكن من تحويل الهجوم عليه إلى نصر، حيث استطاع أن يزيل العقبات التى وضعها أمامه خصومه ولم يهتم بالضجة المثارة حوله، وخاض حربًا لإقناع الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بالخطة الطارئة للإغاثة من مرض الإيدز عام ٢٠٠٣.

ويعتبر «فاوتشى» أن عمله فى مجال مكافحة فيروس الإيدز هو الإنجاز الحقيقى له، حيث بدأ العمل عليه فى عام ١٩٨١، وكان يراقب مرضاه وهم يموتون ببطء بشكل مؤلم ولأسباب غير معروفة.

واشتبك «فاوتشى» مع النشطاء الذين هاجموا الحكومة ووصفوا استجابتها للأزمة بأنها غير كافية، وفى ذروة تفشى المرض قدم برنامجًا يسمى خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز، التى تم إقرارها خلال إدارة جورج دبليو بوش، وأدت وفقًا لما يرويه فى مذكراته، إلى إنقاذ ٢٥ مليون حياة وإنقاذ العالم النامى.

ولأنه ذكى اجتماعيًا وسياسيًا، وظف الاتهامات التى تلقتها الحكومة خلال فترة انتشار الإيدز لزيادة تمويل المعهد الوطنى للحساسية والأمراض المعدية، وفى نفس الوقت عمل على تغيير نهج المعهد عبر البحث والتطوير وتسويق الأدوية العلاجية الجيدة، وكانت النتيجة صناعة نظام سريع للعلاج وتمويل مختبرات الأدوية والأجهزة الطبية.

وكانت حالة الهلع الناتجة عن «الإيدز» أبرز الدوافع لـ«فاوتشى» لتعلم مهارات استخدام المناورة السياسية، وكانت نتائج ذلك الحصول على تمويل للمعهد، حيث بدأ فترة عمله مديرًا له بميزانية قدرها ٣٧٠ مليون دولار فى أوائل عام ١٩٨٥، وبعد مرور ٣٨ عامًا، تمكن من زيادة الميزانية بنحو ٢٠ ضعفًا، ونتيجة لذلك، نما نشاط المكان وانتقل فى ترتيب المنشآت الأكثر ميزانية من المركز السادس إلى الثانى، وأصبح الأكبر ميزانية فى المعاهد الوطنية للصحة، ما زاد عدد المراكز التابعة له إلى أكثر من الضعف.

وعلى إثر تلك الإنجازات، تلقى اتهامات عديدة بالتركيز على المكاسب المالية الشخصية، لكنه رد على ذلك فى مذكراته قائلًا إن «طموحه تمثل فى امتلاك النفوذ والإمكانيات للحصول على الأدوية والأجهزة وليس المال»، ولكن خصومه ظلوا يجادلونه قائلين إن «إنفاق المزيد من المال لا يعنى أنك ستحقق النجاح المؤكد». 

ورغم أنه لا يزال يواجه انتقادات بسبب دوره فى أزمة فيروس الإيدز، فإنه تمكن من تكوين صداقات مع العديد من النشطاء فى مجال مكافحة المرض والتشاور معهم حول استراتيجيات الصحة العامة، دون انحياز إلى وجهات نظره فى الأشياء.

صدمة «كورونا»

رغم أن فترة عمله على مكافحة وباء كورونا لا تشكل سوى جزء صغير من مسيرته المهنية، اهتم القراء بما كتبه «فاوتشى» فى مذكراته حول تلك الجائحة.

وربما يرجع اهتمام الناس تحديدًا بتلك الفترة فى مذكراته إلى الضوء الكبير الذى كان مسلطًا على «فاوتشى» حينها، وسط الحديث الذى كان دائرًا حول كيفية ارتداء الكمامات وتصنيع اللقاحات والحديث بنظرية المؤامرة حول تخليق الفيروس فى المختبرات.

وتعرض الطبيب الشهير حينها إلى اللوم والانتقاد من قطاعات من الناس، بسبب عدم استجابته السريعة للتعامل مع المرض، إلى جانب عدم نجاح الكثير من نصائحه التى أعطاها للمرضى، فتعاملوا معه وكأنه نادل قدم لهم الوجبة الخطأ فى أحد المطاعم ثم اختفى سريعًا داخل المطبخ، لدرجة أنه تلقى تهديدات بالقتل له ولعائلته، وتطلب الأمر منه تخصيص حراسة أمنية حول منزله.

وحكى «فاوتشى»، فى مذكراته، عن كواليس عودته إلى العمل فى البيت الأبيض خلال فترة الجائحة، وكيف عمل على إنقاذ الأمريكيين من خطر هذا الوباء القاتل، عبر تسخير كل إمكانياته وقدراته.

وقال: «بعد توقف دام ٣ سنوات عقب رحيل إدارة أوباما، كنت سعيدًا بالعودة إلى العمل فى البيت الأبيض، وحين توحش الوباء كان علىّ أن أقول الحقيقة للشعب الأمريكى، وإلا فإننى كنت سأتنازل عن نزاهتى وأتخلى عن مسئوليتى تجاه مرضاى».

وتحدث أيضًا فى مذكراته عن خلافه الشهير مع الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، فى كيفية مكافحة الوباء وكيف انتصر لرأيه فى النهاية، قائلًا: «لقد أصبحت على الفور بطلًا فى نظر الملايين من الأمريكيين الذين رأونى طبيبًا يدافع بشجاعة عن العلم والحقيقة واتخاذ القرار العقلانى»، واصفًا نفسه بأنه رجل علم متواضع ومخلص وكان مستعدًا للاستغناء عن طموحه الشخصى من أجل مصلحة المجتمع.

وحكى عن كواليس إدارته أزمة كورونا ونصائحه للناس، قائلًا: «كانت أيام شهر مارس ٢٠٢٠ مخيفة حيث اجتاح العالم فجأة مرض غير مرئى وغامض ومميت»، مضيفًا أنه أصدر تعليماته للناس بعدم ارتداء الكمامات للحفاظ على مخزونها وتوفيرها للعاملين فى المجال الطبى.

وقال إن العلم فى ذلك الوقت لم يثبت أن الكمامات وسائل حماية فعالة ضد المرض، ولكن البعض وصف حديثه هذا بالهفوة أو الكذبة البيضاء، وأنه اضطر لخداع الناس من أجل حماية العاملين فى المجال الطبى.

وبعد فترة من تلك النصائح، أصدر إرشادات أخرى بوجوب ارتداء الكمامات والأقنعة، خاصة بعد الأضرار والإصابات الجسيمة التى حدثت لأعداد ضخمة من المواطنين الذين لم يلتزموا بارتدائها، وهو ما أحدث أزمة ثقة بينه والرئيس ترامب، واتهمه الطبيب بأنه كان يسعى للحفاظ على صورته العامة عبر التعامل مع الوباء على أنه مباراة ملاكمة. 

وكان موقفه تجاه اللقاحات مثيرًا للجدل، حيث فضل التعامل مع أعراض كورونا عبر الأدوية المناسبة، واتهمه البعض بأنه لم يكن يمتلك الشجاعة للاعتراف بأن اللقاحات أنقذت أرواحًا أكثر من كل العلاجات الأخرى مجتمعة، ومع ذلك، رأى المعهد الوطنى للحساسية والأمراض المعدية أن نجاح اللقاحات كان محدودًا، بل رأى أن الجرعات المعززة لها تعمل على تقليل شدة المرض، بدلًا من تحقيق هدفها الأصلى المتمثل فى منع انتقال الفيروس.

وقال «فاوتشى»، فى مذكراته مدافعًا عن طريقة عمله: «الناس يربطون العلم بأحكام مطلقة غير قابلة للتغيير، فى حين أن العلم فى الواقع عبارة عن عملية متجددة تكشف باستمرار عن معلومات جديدة، فقد يلجأ الناس إلى العلوم الطبية للحصول على إجابات محددة، لكنى كنت أنصحهم أثناء الوباء بالبحث عن حلول جديدة».

وتابع: «لو أننا عرفنا فى الأشهر الأولى من الوباء ما نعرفه الآن، لكان من الممكن تنفيذ إجراءات كثيرة بشكل مختلف، لقد تعلمنا على سبيل المثال، أن انتقال العدوى عبر الهواء أمر وارد، وعلمنا أن إصابة البعض بالفيروس دون أعراض ودون معرفتهم تسببت فى نقل العدوى لأعداد هائلة من البشر، وهذه المعرفة أثرت على التوصيات التى أصدرتها بشأن ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعى والتهوية». 

هزيمة الوباء

تحدث الطبيب الشهير باستفاضة عن كواليس تعاونه وعمله مع الرئيس السابق دونالد ترامب خلال فترة مكافحة الوباء.

وقال: «ترامب رجل معقد، وحدثت بيننا مكالمة هاتفية فى إحدى ليالى فبراير ٢٠٢٠، ونصحته بعدم التقليل من خطورة الوضع، واقترحت عليه أن يكون صادقًا بشأن حقيقة الوباء لأن ذلك سيكسبه احترام البلاد، ولكنى فوجئت فى اليوم التالى، بأنه ذهب إلى تجمع حاشد فى منطقة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا، ووصف فيروس كورونا بأنه خدعة الديمقراطيين الجديدة».

وعبّر عن إعجابه بموافقة «ترامب» على إغلاق البلاد لمدة ١٥ يومًا فى مارس ٢٠٢٠، على الرغم من العواقب الاقتصادية، لكنه اعترف بأنه واجه صعوبة فى محاولة تمديد فترة الإغلاق.

وقال: «أعتقد أن دونالد ترامب توهم أن كورونا سيكون مرضًا مؤقتًا وسينتهى سريعًا وسيعود الجميع إلى العمل، ولكن مع رؤية الواقع المروع المتمثل فى أن الوباء لن يختفى، بدأ ترامب فى البحث عن علاج من شأنه أن يحل الأزمة، وبدأ الرئيس نفسه الترويج لفوائد عقار هيدروكسى كلوروكين المستخدم كعلاج». 

وأدرك «فاوتشى» حينها أنه عاجلًا أم آجلًا سيضطر إلى مواجهة «ترامب»، لكنه كان يعلم أن الصحافة ستستغل هذه المواجهة لتغذية الانقسامات بين ترامب وفريقه لمكافحة المرض. 

وكشف أنه كان يتمتع بعلاقات ودية مع الكثير من أفراد إدارة «ترامب»، ومنهم نائبه مايك بنس ومارك شورت كبير موظفى نائب الرئيس، وهوب هيكس مديرة الاتصالات فى البيت الأبيض الداعمين له.

أما المسئولون الذى انتقدهم «فاوتشى» بشدة فى مذكراته فكانوا، رئيس موظفى البيت الأبيض مارك ميدوز، والسكرتيرة الصحفية كايلى ماكنانى، والتى شعر بأنها تحاول إسكاته، وبيتر نافارو المستشار الاقتصادى الذى وبخه بشأن معارضته علاج هيدروكسى كلوروكين، وأيضًا سكوت أطلس، الطبيب الذى أصبح مستشار «ترامب» الخاص لشئون فيروس كورونا، والذى عارض إجراءات الإغلاق ووضع ثقته فى تحقيق نظرية مناعة القطيع.

ووصف «فاوتشى» مَن يروجون إلى أن الفيروس نشأ مما يوصف بـ«تسرب مختبرى» فى ووهان الصينية، أو بسبب التجارب المعملية الممولة من الحكومة الأمريكية، بأنهم يتحدثون بنظرية المؤامرة.

وقال، فى مذكراته: «فى جلسة استماع للجنة المساعدة فى مجلس الشيوخ فى ١١ مايو ٢٠٢١، حاول السيناتور راند بول تغذية نظرية المؤامرة لدى النواب، وحمّلنى بشكل أساسى المسئولية الشخصية عن ما وصفه بتخليق الفيروس الذى تسبب فى الجائحة قائلًا: أنت تحاول إخفاء المسئولية عن وفاة ٤ ملايين شخص حول العالم بسبب الوباء، وقد صدمت وغضبت من ذلك».