الجمعة 24 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

اللحن الخالد.. مذكرات هانى شنودة: تعلمت الموسيقى من السيد البدوى

هانى شنودة مع مصطفى
هانى شنودة مع مصطفى حمدى

- رفض فى البداية كتابة مذكراته وكان يرى أنه لم ينل التقدير الذى يستحقه

- والدته كانت عاشقة للموسيقى تعزف البيانو وتمتلك صوتًا جميلًا

- كان يستمع للموشحات والإنشاد.. والموسيقى الغربية عبر «البرنامج الأوروبى»

- نصح منير بالبحث عن هويته الحقيقية والتخلى عن البدلة والكرافتة

- رفض إطلاق اسم «المجانين» على فرقة المصريين وتمسك باسمها الشهير

- استوحى اسم الفرقة من مقال فى «الأهرام» بعنوان «المصريون قادمون»

- حوار مع نجيب محفوظ رسّخ فى عقله فكرة إنشاء الفرقة بروح مصرية 

- المطرب عمر فتحى كان موجودًا فى بدايات الفرقة باسم «محمد هندى»

- شقيق محمد منير هو الذى كان مطروحًا للغناء فى البداية

برحيل الموسيقار هانى شنودة، فقدت الموسيقى المصرية أحد أبرز رواد التجديد وصناع التحولات الكبرى فى تاريخ الأغنية الحديثة، فقد ترك وراءه مشروعًا فنيًا تجاوز حدود التلحين والتوزيع الموسيقى، وأسهم فى اكتشاف أجيال من المطربين، وفتح آفاقًا جديدة أمام الموسيقى المصرية.

من بين أبرز الأعمال التى وثقت هذه المسيرة، يأتى كتاب «مذكرات عرّاب الموسيقى هانى شنودة»، للكاتب الصحفى مصطفى حمدى، الصادر عن دار «ريشة» للنشر والتوزيع، والذى يعد أول توثيق شامل لتجربة الموسيقار الراحل، مستندًا إلى سلسلة طويلة من الجلسات التى جمعته بالمؤلف على مدار 8 أشهر.

مصطفى حمدى مؤلف «عرّاب الموسيقى»: الكتاب نتاج 8 أشهر من الجلسات معه

فى هذا الحوار مع «حرف»، يستعيد مصطفى حمدى كواليس تلك الرحلة، ويتحدث عن تفاصيل لم تُروَ من قبل، بداية من طفولة هانى شنودة فى طنطا، وتأسيس فرقة «المصريين»، وعلاقته بنجيب محفوظ وصلاح جاهين، وصولًا إلى كواليس اكتشاف محمد منير وعمرو دياب، ورؤيته للتجديد الموسيقى، والجوانب الإنسانية التى شكّلت شخصية أحد أبرز رموز الموسيقى المصرية.

 

■ بداية.. كيف تلقيت خبر رحيل الموسيقار هانى شنودة؟ 

- فى البداية، أتقدم بخالص العزاء إلى الوسط الثقافى الفنى المصرى والعربى، وإلى أسرة الموسيقار الكبير هانى شنودة، وكل محبيه الذين ارتبطوا بموسيقاه وأغانيه، والتى أصبحت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الفنية المصرية والعربية، وإرثًا موسيقيًا سيظل حاضرًا فى وجدان أجيال كاملة.

قبل عدة أشهر كنت على تواصل معه، وأجريت معه مكالمة هاتفية للاطمئنان على صحته، خاصة بعدما مر بأزمة صحية العام الماضى ثم تعافى منها. ومنذ ذلك الوقت كنت أحرص على التواصل معه بين الحين والآخر، وكان صوته يمنحنى دائمًا شعورًا بالطمأنينة، لذلك جاء خبر دخوله المستشفى ثم رحيله صادمًا بالنسبة لى.

الحقيقة أن حزنى لم يكن فقط على رحيل فنان كبير، وإنما على فقدان إنسان ارتبطت به بعلاقة خاصة امتدت لسنوات. ما جمعنى به لم يكن مجرد لقاءات صحفية لتوثيق مسيرته، بل كانت هناك علاقة إنسانية نشأت خلال جلسات طويلة، استمعت فيها إلى تفاصيل حياته وأفكاره وتجربته، ورؤيته للفن والحياة.

لذلك أعتبر كتاب «مذكرات عرّاب الموسيقى هانى شنودة» تجربة إنسانية قبل أن يكون كتابًا توثيقيًا أو صحفيًا، ويحمل مكانة خاصة جدًا بالنسبة لى، لأنه يوثق رحلة فنان استثنائى وصاحب مشروع موسيقى أحدث تحولًا حقيقيًا فى تاريخ الأغنية المصرية.

■ نعود إلى بداية فكرة كتاب «مذكرات عرّاب الموسيقى هانى شنودة».. كيف جاءت فكرة توثيق رحلة حياة الموسيقار الكبير؟

- بدأت فكرة الكتاب أثناء عملى على كتابى الأول «شريط كوكتيل»، الذى تناول تاريخ الأغنية المصرية فى الثمانينيات والتسعينيات. خلال رحلة البحث والكتابة أدركت أن كثيرًا من التحولات التى شهدتها الأغنية المصرية كانت امتدادًا لما قدمه هانى شنودة. لذلك كتبت فى مقدمة الكتاب أن «أول من أطلق الرصاصة الأولى لتغيير شكل الأغنية المصرية الحديثة كان هانى شنودة، ثم جاءت بعد ذلك تجارب أخرى، من أبرزها تجربة حميد الشاعرى».

بعد صدور «شريط كوكتيل» عام ٢٠١٧، شعرت بأن تجربة هانى شنودة تستحق أن تُروى بصورة كاملة، فتواصلت معه فى عام ٢٠١٨، لكننى أوضحت له منذ البداية أننى لا أبحث عن حوار صحفى تقليدى، وإنما أرغب فى توثيق مسيرته من خلال سلسلة طويلة من الجلسات تتحول فى النهاية إلى كتاب يروى رحلته كاملة.

فى البداية لم يكن متحمسًا للفكرة، وكان يرى أن ما قدمه لم ينل التقدير الذى يستحقه، وأن الفنان لا ينبغى أن يتحدث كثيرًا عن نفسه، بل يترك أعماله تتحدث عنه. لذلك ذهبت إليه ومعى نسخة من كتاب «شريط كوكتيل»، وطلبت منه أن يقرأه أولًا قبل أن يحسم موقفه من المشروع.

فى صباح اليوم التالى فوجئت باتصال هاتفى منه، أخبرنى بأنه انتهى من قراءة الكتاب، وأن أكثر ما لفت انتباهه الجملة التى وصفتُه فيها بأنه أول من أحدث التغيير الحقيقى فى شكل الأغنية المصرية. وقال لى إن هذه العبارة أسعدته كثيرًا، ثم أضاف: «تعال نتكلم... اسمع منى الأول، وبعدها حضّر أسئلتك واسألنى».

من هنا بدأت الرحلة. كان أول لقاء بيننا فى نهاية عام ٢٠١٨ داخل الاستوديو الخاص به فى منزله بمنطقة الهرم، ثم تحولت هذه الجلسة إلى سلسلة لقاءات منتظمة استمرت نحو ٨ أشهر، كنا نلتقى خلالها بصورة شبه أسبوعية، حتى اكتملت ملامح الكتاب ووثقت تفاصيل هذه التجربة الاستثنائية.

■ يمثل الكتاب شهادة نادرة من الموسيقار الكبير عن حياته ومشواره الفنى.. كيف تعاملت مع مسئولية كتابة أول مذكرات كاملة عن تجربته؟

- استمرت جلسات العمل مع هانى شنودة قرابة ٨ أشهر، كنت ألتقيه كل أسبوعين تقريبًا، ونقضى معًا ساعتين أو ٣ ساعات فى كل جلسة. وبعد كل لقاء أعود لأراجع التسجيلات وأرتب الأفكار، ثم أعود إليه بأسئلة جديدة لاستكمال التفاصيل أو مراجعة بعض الوقائع، حتى خرجت الصورة كاملة كما أردتها.

لم أنظر إلى التجربة باعتبارها عبئًا أو مسئولية ثقيلة بقدر ما اعتبرتها فرصة لتقديم ما يستحقه هذا الفنان الكبير من توثيق واحتفاء. كان هدفى منذ البداية أن أقدم سيرته بالشكل الذى يليق بقيمته الفنية والإنسانية، وأن أضع بين يدى القارئ شهادة صادقة عن أحد أهم المجددين فى تاريخ الموسيقى المصرية. وأعتقد أن نجاح الكتاب والاهتمام الذى حظى به بعد صدوره منحانى شعورًا بأن هذه الرحلة وصلت إلى الجمهور كما تمنيت، وأن تجربة هانى شنودة وجدت أخيرًا التوثيق الذى تستحقه.

■ لماذا اخترت عنوان «عرّاب الموسيقى هانى شنودة»؟ وما الذى جعله يستحق هذا الوصف من وجهة نظرك؟

- كان اختيار عنوان «مذكرات عرّاب الموسيقى هانى شنودة» آخر خطوة تقريبًا قبل صدور الكتاب، ففى البداية لم أكن قد اتفقت مع دار نشر، لكننى نشرت فصلين من المذكرات فى بوابة «أخبار اليوم»، ولاقت الفكرة اهتمامًا كبيرًا. بعدها تحمس الناشر حسين عثمان، وكذلك الكاتب الصحفى محمد توفيق، من دار «ريشة» للنشر والتوزيع، وسألانى عما إذا كانت المذكرات قد اكتملت، ومن هنا بدأت إجراءات إصدار الكتاب.

بعد الانتهاء من كتابة المذكرات، استغرقت وقتًا فى التفكير بالعنوان المناسب، لأننى كنت أبحث عن وصف يلخص مكانة هانى شنودة الحقيقية فى تاريخ الموسيقى المصرية. وفى النهاية وجدت أن كلمة «العرّاب» هى الأقرب إلى دوره وتأثيره، خاصة أننى كنت قد وصفتُه منذ كتاب «شريط كوكتيل» بأنه «صاحب الرصاصة الأولى فى تغيير شكل الأغنية المصرية الحديثة».

■ يضم الكتاب ١٨ فصلًا تتناول مراحل مختلفة من حياته.. ما أبرز المحطات التى حرصت على تسجيلها، خاصة تلك التى لم يعرفها الجمهور من قبل؟

- يتكون الكتاب من ١٨ فصلًا، لكن الحقيقة أن ما رواه لى هانى شنودة خلال جلساتنا كان أكبر بكثير مما تضمنته صفحات الكتاب. استبعدت عددًا من التفاصيل الفنية الدقيقة، ليس لأنها غير مهمة، وإنما حتى لا يتحول الكتاب إلى عمل ضخم يصعب على القارئ غير المتخصص متابعته، فقد كنت حريصًا منذ البداية على أن تكون كتبى قريبة من القارئ العادى، خاصة الشباب، لأن هدفى لم يكن مخاطبة المتخصصين فقط، وإنما تعريف الأجيال الجديدة بهذه التجارب الفنية الكبرى، وتقديمها بلغة بسيطة وممتعة.

من أكثر المحطات التى حرصت على إبرازها مرحلة التكوين الأولى فى حياة هانى شنودة، لأنها تكشف كيف تشكلت شخصيته قبل الشهرة. فقد نشأ فى مدينة طنطا داخل أسرة متوسطة، وكان والده صيدليًا يؤمن بقيمة العلم، بينما كانت والدته عاشقة للموسيقى، تعزف البيانو وتمتلك صوتًا جميلًا، وهو ما وفر له بيئة جمعت بين الثقافة والفن منذ سنواته الأولى.

كما اهتممت بإبراز جوانب ربما لم تكن معروفة للجمهور، مثل رؤيته للحياة والعلاقات الإنسانية والزواج، إلى جانب علاقته بعدد من كبار المبدعين، وفى مقدمتهم الموسيقار محمد عبدالوهاب، والأديب نجيب محفوظ، والشاعر صلاح جاهين، فضلًا عن تفاصيل دخوله عالم الموسيقى التصويرية من خلال فيلم «ولا عزاء للسيدات»، وكواليس تأسيس فرقة «المصريين»، التى شكلت نقطة تحول حقيقية فى مسيرته الفنية.

■ تحدث هانى شنودة فى المذكرات عن نشأته فى طنطا وبداياته مع الموسيقى.. كيف شكّلت هذه المرحلة شخصية الموسيقار الذى أصبح لاحقًا أحد رواد التجديد؟

- من أكثر الجوانب التى جذبتنى فى شخصية هانى شنودة تلك المرحلة المبكرة من حياته، لأنها تكشف كيف تشكل وجدانه الموسيقى والإنسانى. تحدث باستفاضة عن طفولته فى مدينة طنطا، وكيف كانت البيئة التى نشأ فيها غنية بتجارب سمعية وثقافية متنوعة، أسهمت فى تكوين شخصيته الفنية فيما بعد.

كان يحرص على حضور مولد السيد البدوى، ويستمع إلى الموشحات وحلقات الذكر والإنشاد الدينى، وفى الوقت نفسه كان يتابع الموسيقى الغربية عبر «البرنامج الأوروبى» فى الإذاعة، إلى جانب اهتمامه المبكر بتعلم العزف على البيانو والكمان. 

رغم نشأته فى أسرة مسيحية، فإنه كان شديد الارتباط بالموروث الروحى المصرى، وكان يرى أن الهوية الوطنية تتسع للجميع، وأن التنوع الدينى والثقافى يمثل أحد عناصر ثراء الشخصية المصرية، وهو ما انعكس بوضوح على مشروعه الفنى، الذى ابتعد عن أى نزعة انغلاق، وانطلق من إيمان عميق بأن الفن لغة جامعة.

بعد انتقاله إلى القاهرة بدأت مرحلة جديدة فى حياته، بعمله عازفًا فى عدد من الفرق الموسيقية الصغيرة، قبل أن ينضم إلى فرقة «لو بيتى شاه»، وهى التجربة التى كان يعتبرها من أهم محطات تكوينه الفنى.

كان يحكى أن هذه المرحلة جاءت فى وقت غادر فيه كثير من العازفين الأجانب مصر خلال ستينيات القرن الماضى، فأصبحت هناك حاجة إلى جيل جديد يحمل مسئولية تقديم الموسيقى فى الفنادق والأماكن الفنية.

لذلك وجد هو وأبناء جيله أنفسهم أمام تحدٍ حقيقى لإثبات قدرتهم على تقديم موسيقى حديثة بمستوى احترافى، وهو ما تطلب سنوات من العمل الشاق والتدريب المستمر، حتى إنه كان يقضى ساعات طويلة فى العمل، ولم يكن يجد إلا وقتًا قليلًا للراحة.

■ كانت فرقة «المصريين» نقطة تحول فى تاريخ الأغنية المصرية.. ماذا كشف لك هانى شنودة عن كواليس تأسيس الفرقة؟

- كشف لى هانى شنودة خلال جلسات المذكرات عن كثير من التفاصيل التى لم تكن معروفة حول تأسيس فرقة «المصريين»، سواء فيما يتعلق بفكرة المشروع نفسها، أو الخلافات التى صاحبت انطلاقته.

من أبرز ما رواه أن المنتج عاطف منتصر، صاحب شركة «صوت الحب»، كان يرغب فى إطلاق اسم «المجانين» على الفرقة. بينما تمسك هانى شنودة باسم «المصريين»، لأنه كان يرى أنه يعبر بصورة أدق عن هوية المشروع الذى يسعى إلى تقديمه. أخبرنى أن الاسم استوحاه من عنوان مقال قرأه فى جريدة «الأهرام» بعنوان «المصريون قادمون»، وشعر وقتها بأن الكلمة تختصر الفكرة التى يحملها.

كما أشار إلى أن البذرة الأولى للمشروع تعود إلى حوار جمعه بالأديب الكبير نجيب محفوظ، حين كان يعزف ضمن فرقة «لو بيتى شاه». سأله «محفوظ» وقتها: «إذا كنتم ترون أن الموسيقى الغربية أكثر تطورًا، فلماذا لا تقدمون كلمات مصرية على هذه الموسيقى؟».

هذه الفكرة ظلت عالقة فى ذهنه، وتحولت فيما بعد إلى الأساس الذى قامت عليه فرقة «المصريين»، القائمة على تقديم أغنية مصرية بروح موسيقية جديدة، دون التخلى عن الهوية المحلية.

كما تحدث عن الدور الذى لعبه الشاعر الكبير صلاح جاهين فى دعم التجربة، إلى جانب مجموعة من الشعراء الذين آمنوا بالمشروع منذ بدايته، وأسهموا فى صياغة أغنيات تعبر عن الواقع الاجتماعى، بعيدًا عن القوالب التقليدية التى كانت تهيمن على الأغنية المصرية آنذاك.

ومن التفاصيل اللافتة أيضًا أن المطرب عمر فتحى كان حاضرًا فى البدايات الأولى للفرقة، وكان اسمه آنذاك محمد هندى، قبل أن يتغير إلى عمر جوهر، ثم يستقر لاحقًا على اسم عمر فتحى مع انطلاق مسيرته الفنية المستقلة.

وأكد هانى شنودة لى أن الهدف الأساسى من تأسيس «المصريين» لم يكن مجرد تقديم لون موسيقى مختلف، بل صناعة أغنية تعبر عن المجتمع المصرى وقضاياه اليومية، وتتجاوز النمط التقليدى الذى كانت تدور حوله الأغانى فى ذلك الوقت.

وتناول أيضًا كواليس تسجيل الألبوم الأول، والخلافات التى صاحبت اختيار الأغنيات، وصولًا إلى النجاح الكبير الذى حققه ألبوم «بحبك لا»، الذى مثل نقطة الانطلاق الحقيقية للفرقة، ورسخ مكانتها باعتبارها واحدة من أهم التجارب الموسيقية فى تاريخ الأغنية المصرية.

■ ارتبط اسم هانى شنودة باكتشاف عدد من أهم نجوم الغناء، وعلى رأسهم محمد منير وعمرو دياب.. ماذا روى لك عن لحظات اكتشافهما وبدايات تعاونه معهما؟

- كان الحديث عن اكتشاف المواهب من أكثر الأجزاء ثراءً فى جلسات المذكرات، لأن هانى شنودة لم يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد تقديم أصوات جديدة، بل كان يرى أنه يشارك فى صناعة مشروع فنى متكامل لكل مطرب، يبدأ من اختيار الأغنيات وحتى تشكيل الهوية الفنية.

فيما يتعلق بمحمد منير، روى لى أن البداية لم تكن معه، بل مع شقيقه فاروق أبو يزيد، الذى كان مطروحًا للغناء فى البداية، قبل أن يتقدم محمد منير لخوض التجربة بنفسه بعد انتقاله إلى القاهرة للدراسة فى كلية الفنون التطبيقية. تعرف هانى شنودة إليه من خلال الشاعر عبدالرحيم منصور والموسيقار أحمد منيب، ومنذ اللقاء الأول أدرك أنه أمام صوت مختلف يمتلك شخصية خاصة.

وأوضح أن محمد منير كان قد سجل بالفعل بعض الأغنيات مع الموسيقار بليغ حمدى، لكنها جاءت بطابع كلاسيكى لا يعبر عن شخصيته أو البيئة التى خرج منها. لذلك نصحه بأن يبحث عن هويته الحقيقية، وأن يقدم أغنيات تنطلق من جذوره وثقافته، وتعبر عن الإنسان البسيط وهمومه، لا أن يكرر القوالب الغنائية السائدة آنذاك.

من هذا المنطلق تشكل المشروع الفنى لمحمد منير. حتى عندما طلب الانضمام إلى فرقة «المصريين»، رفض هانى شنودة الفكرة، لأنه كان مقتنعًا بأن «منير» يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون مشروع مطرب مستقلًا، لا مجرد عضو فى فرقة موسيقية.

كان يهتم أيضًا بالتفاصيل التى تصنع صورة الفنان أمام الجمهور، فحكى لى أنه نصح محمد منير فى إحدى حفلاته الأولى بالتخلى عن البدلة والكرافتة، والظهور بملابس بسيطة تعكس شخصيته الحقيقية، مؤمنًا بأن الشكل الخارجى يجب أن يكون امتدادًا للهوية الفنية، لا مجرد مظهر.

تواصل التعاون بينهما بعد ذلك من خلال عدد من الأعمال التى أصبحت من العلامات البارزة فى مسيرة محمد منير، من بينها «كل الحاجات بتفكرنى» و«بنتولد» و«أمانة يا بحر» و«علمونى عنيكى» و«يا عذاب النفس»، وغيرها من الأغنيات التى أسهمت فى ترسيخ مشروعه الغنائى.

■ وعمرو دياب؟

- قصة عمرو دياب كانت مختلفة تمامًا، فقد حكى لى هانى شنودة أن اللقاء الأول جمعهما عقب إحدى حفلات فرقة «المصريين» فى بورسعيد، عندما اقترب منه شاب صغير وقال له بثقة: «أنا عايز أبقى حاجة».

يقول هانى شنودة إنه رأى فى عينى عمرو دياب إصرارًا حقيقيًا على النجاح، فطلب منه الحضور إلى القاهرة، لكنه فوجئ فى اليوم التالى بالشاب نفسه ينتظره أمام الفندق ليصعد مع الفرقة إلى الأتوبيس.

ساعده بعد ذلك فى الالتحاق بالمعهد العالى للموسيقى، ودعمه فى إجراءات اعتماده بالإذاعة، وكان حريصًا على تطوير أدائه، مؤكدًا أنه يمتلك موهبة حقيقية تحتاج فقط إلى الصقل والعمل المستمر.

وأشار إلى أنه قدمه للجمهور من خلال ألبوم «يا طريق»، وكان يتخيل أن يصبح المعادل المصرى للمطرب العالمى مات مونرو، لذلك صاغ له أغنية «الزمن» بهذا التوجه الموسيقى.

كان هانى شنودة يرى أن أبرز ما يميز عمرو دياب هو ذكاؤه الفنى، وقدرته الدائمة على التطوير، إلى جانب حرصه على التعلم من أصحاب الخبرة. فقد كان يجلس باستمرار مع هانى شنودة وصلاح جاهين وعبدالرحيم منصور وفؤاد حداد، يستمع إلى آرائهم، ويستفيد من تجاربهم.

كان يردد دائمًا أن عمرو دياب واحد من أنجب تلاميذه، وأن ما حققه لاحقًا لم يكن مصادفة، بل نتيجة موهبة حقيقية، وإصرار متواصل على التطور والتعلم.

■ من خلال جلساتك معه، كيف كان يرى هانى شنودة تأثيره على شكل الأغنية المصرية، ودوره فى إدخال مفاهيم جديدة مثل «الهارمونى» والتوزيع الموسيقى الحديث؟

- كان هانى شنودة مؤمنًا بأن الموسيقى العربية لا ينبغى أن تظل أسيرة قالب واحد، وأن تطورها مرهون بالانفتاح على التجارب الموسيقية العالمية، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على الهوية المصرية. كان يرى أن الموسيقى لغة عالمية، وأن الفنان الحقيقى هو القادر على الاستفادة من المدارس المختلفة دون أن يفقد خصوصيته.

من هذا المنطلق، عمل طوال مسيرته على إدخال مفاهيم موسيقية جديدة إلى الأغنية المصرية، مثل «الهارمونى» و«الكونتربوينت»، إلى جانب تطوير أساليب التوزيع الموسيقى، واستخدام تقنيات لم تكن مألوفة فى ذلك الوقت. كان يؤمن بأن هذه العناصر ليست ترفًا فنيًا، وإنما أدوات ضرورية لتطوير الموسيقى والارتقاء بها.

كان يضرب دائمًا مثالًا بأغنية «زحمة يا دنيا زحمة» للفنان أحمد عدوية، معتبرًا أنها من المحطات المهمة التى شهدت إدخال آلة «الدرامز» إلى الأغنية الشرقية والشعبية بهذا الشكل، وهو ما فتح الباب أمام شكل جديد فى التوزيع الموسيقى.

كما كان حريصًا على توظيف آلات لم تكن مستخدمة على نطاق واسع فى الأغنية المصرية آنذاك، مثل آلات النفخ، والآلات النحاسية، والكيبورد، والدرامز، انطلاقًا من قناعته بأن الموسيقى المصرية تستحق أن تواكب التطورات العالمية، وأن تقدم نفسها بصورة تنافس المدارس الموسيقية المختلفة، لا أن تظل بعيدة عن حركة التجديد.

كان يشعر دائمًا بأن الأغنية العربية تأخرت كثيرًا عن مواكبة التطور الموسيقى فى العالم، لذلك اعتبر أن مسئوليته لا تقتصر على تقديم ألحان ناجحة، وإنما تمتد إلى المساهمة فى تطوير شكل الأغنية المصرية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال التالية.

■ هل كشف لك هانى شنودة عن جوانب إنسانية فى شخصيته بعيدًا عن الموسيقى، ربما لا يعرفها الجمهور؟

- بالتأكيد، وربما كان هذا الجانب من أكثر ما أضفى خصوصية على جلسات المذكرات، لأن هانى شنودة لم يكن يتحدث عن الموسيقى فقط، بل فتح لى أبوابًا كثيرة من حياته الشخصية، وتحدث بصراحة عن رؤيته للحياة والعلاقات الإنسانية، وهى تفاصيل لم يكن يعرفها كثيرون.

كان يرى أن الزواج لا يقوم على المشاعر وحدها، وإنما على التوافق والتفاهم بين الطرفين. كان يؤمن بأن نجاح أى علاقة إنسانية يحتاج إلى قدر كبير من الاحترام المتبادل والانسجام، وهى رؤية كان يرددها كثيرًا خلال جلساتنا.

روى لى موقفًا طريفًا من سنوات شبابه، حين ألقى القبض عليه بالخطأ أثناء إحدى مظاهرات الطلبة، رغم أنه لم يكن منخرطًا فى أى نشاط سياسى. وأوضح أن الأمر انتهى سريعًا بعد التحقيق معه، ليتبين أنه كان موجودًا فى المكان مصادفة. كان يروى هذه الواقعة دائمًا بروح مرحة، باعتبارها واحدة من أغرب المواقف التى تعرض لها فى حياته.

ومن الجوانب التى لفتت انتباهى أيضًا أسلوب حياته الشخصى، فقد كان شديد الانضباط، ولم يكن مدخنًا، ولم يتناول الكحول طوال حياته، وكان يرفض الصورة النمطية التى تربط الفنان بالفوضى أو عدم الالتزام.

كان يؤكد دائمًا أن الفنان الحقيقى لا تقاس قيمته بموهبته فقط، وإنما أيضًا بطريقة حياته واحترامه لفنه وجمهوره، لذلك كان يرى أن الإبداع مسئولية قبل أن يكون موهبة، وأن الفنان مُطالب بأن يقدم نموذجًا يليق بما يقدمه من فن، وهى قناعة ظل متمسكًا بها حتى آخر سنوات حياته.