الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

صياد اللؤلؤ

محمد سليمان عبدالمالك: تقديم الأعمال القديمة ليس فقرًا أو إفلاسًا بل يُثرى الفن المصرى

محمد سليمان عبدالمالك
محمد سليمان عبدالمالك

- أعمالى محاولة للاحتفاء بـ«كنوز فنية» تركها مبدعون عظماء.. وما أفعله تحدى فن قائم بذاته.. وأتمنى تكراره فى أعمالى المقبلة

- أعود إلى النص الأصلى مثلما فعل محسن زايد مع أعمال نجيب محفوظ.. ولا آخذ الأعمال القديمة كما هى وأضع عليها بصمتى الخاصة ككاتب

- تقديم نص كتبه إحسان عبدالقدوس وعمل عليه نجيب محفوظ «مخيف جدًا».. وإحسان عبدالقدوس عابر للأجيال 

- أنا ضد حصر السيناريست فى تخصص درامى معين لأن الكاتب ليس موظفًا

إلى جانب أعماله الفنية التى احتل بها مكانة خاصة فى عالم الكتابة للسينما والتليفزيون، ومن بينها مسلسلات: «تامر وشوقية»، و«باب الخلق»، و«اسم مؤقت»، و«فرق توقيت»، و«أبواب الخوف»، و«ممالك النار»، و«صوت وصورة»، إلى جانب فيلمى «عزبة آدم» و«شد أجزاء»، وغيرها الكثير، سلك السيناريست والكاتب محمد سليمان عبدالمالك طريقًا خاصًا به، يستحق أن يوصف بسببه بأنه «الباحث عن الكنوز».

ففى عام 2022، فاجأ «سليمان»، الذى أصبح اسمًا مهمًا بين كُتاب السيناريو فى الدراما العربية ككل، جمهوره، بكتابة سيناريو مسلسل جديد باسم «راجعين يا هوى»، مأخوذ عن مسلسل إذاعى قديم للكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة.

بعدها بعام واحد، كرر «الدكتور محمد» التجربة فى مسلسل «مذكرات زوج»، المأخوذ من كتاب للكاتب الصحفى أحمد بهجت، قبل أن يعاود الكرّة من جديد، من خلال مسلسل «إمبراطورية ميم»، الذى يعرض حاليًا فى الموسم الرمضانى، المأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، وسبق أن قدمته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة فى الفيلم الشهير، خلال سبعينيات القرن الماضى.

عن هذه الأعمال الثلاثة، وكيفية تقديمه إياها على الشاشة من جديد، والأسباب التى دفعته إلى ذلك من الأساس، وإذا ما كان يضيف إليها من إبداعه الخاص أم يأخذها كما هى، إلى جانب مجموعة من التفاصيل والكواليس الأخرى من مشواره الإبداعى، يدور حوار «حرف» التالى مع محمد سليمان عبدالمالك.

إمبراطورية ميم

■ فى السنوات الأخيرة، عُرضت ٣ أعمال من كتابة محمد سليمان عبدالمالك، مأخوذة عن نصوص لكُتاب آخرين مختلفين، بداية من «راجعين يا هوى» المأخوذ عن مسلسل إذاعى للأستاذ أسامة أنور عكاشة، ثم «مذكرات زوج» المأخوذ عن كتاب للكاتب الصحفى أحمد بهجت، وصولًا إلى «إمبراطورية ميم» المأخوذ عن قصة للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس.. لماذا اخترت هذه الأعمال بالتحديد؟

- دائمًا أقول وأحب أن أؤكد على فكرة مهمة للغاية، وهى أننى بدأت مشوارى فى عالم كتابة السيناريو بكتابة أعمال أصلية خاصة بى، وليس أعمالًا لغيرى، لم تُقدم أو قُدمت من قبل، حتى جاء مسلسل «راجعين يا هوى».

«راجعين يا هوى» كان مشروعًا بينى وبين المنتج تامر مرتضى، والمشرف على الإنتاج فى شركة «أروما»، مصطفى العوضى، برعاية الكاتب يسرى الفخرانى، ممثلًا عن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وذلك ضمن مشروع لإعادة تقديم الأفكار التى قدمها المؤلفون الكبار، مرة أخرى فى مسلسلات تليفزيونية.

هذا المشروع قائم على فكرة الاحتفاء بالإرث الذى تركه هؤلاء العظماء، وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، وفى ظل اختلاف الزمن، قررنا إعادة تقديم فكرة الكاتب الكبير بأسلوب عصرى وجديد، ويمكن قبوله فى الوقت الحالى.

ومؤخرًا رأينا أن هناك صناعًا آخرين يعودون إلى أعمال سبق تقديمها، لإعادة تقديمها مرة أخرى، مثل فيلم «أنف وثلاث عيون»، المأخوذ أيضًا عن قصة للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، ومن المقرر تقديمه كفيلم جديد من بطولة ظافر العابدين.

■ كيف ترى عودة كُتاب كبار مثل إحسان عبدالقدوس وأحمد بهجت وأسامة أنور عكاشة مرة أخرى على الشاشة، بعد مرور كل هذه السنوات؟

- دعنى هنا أتكلم أولًا عن التهمة التى يواجهها صناع هذه الأعمال، وأنا منهم، وهى أننا نذهب إلى هذه الأعمال بسبب الإفلاس فى تقديم أفكار جديدة وأصيلة.

أنا أرى عكس هذا تمامًا، وأنظر لإعادة تقديم الأعمال القديمة على أنه إثراء لكل ما يقدم على الشاشة، خاصة مع امتلاكنا كنوزًا فى تاريخنا الفنى، وإعادة تقديمها بعيون الأجيال الجديدة، سواء الصناع أو المشاهدون، هو أمر فى غاية الأهمية، لخلق تواصل بين الأجيال.

لدينا أسماء مهمة مثل أسامة أنور عكاشة، وأحمد بهجت، وإحسان عبدالقدوس، ونحتاج إلى العودة والبحث فى أعمالهم وإرثهم الذى تركوه، وإعادة تقديمه مرة أخرى، كإثراء للحالة الفنية ككل، كما ذكرت من قبل.

بدايتى مع هذا النهج كانت من خلال عمل للكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، وهو «راجعين يا هوى»، وفكرة تقديم مسلسل إذاعى للكاتب الكبير، لم ينل الشهرة الكافية وقت عرضه، كانت مغامرة كبيرة، أحمد الله على تكليلها بالنجاح، خاصة أنها لعلّامة فى تاريخ الدراما، والتى يمكن تقسيمها من الأساس إلى ما قبل أسامة أنور عكاشة وما بعده، فهو بمثابة عميد الكتابة التليفزيونية.

ورغم أن أحمد بهجت كاتب صحفى، فإن له إسهامات أدبية مميزة، وأعمالًا فنية رائعة فى التليفزيون والسينما، من بينها عمل «مذكرات زوج»، الذى جرى تقديمه كمسلسل فى ثمانينيات القرن الماضى، وأعدنا تقديمه بشكل جديد.

ثم تواصل تأثير هؤلاء الكتاب العظماء فى «إمبراطورية ميم»، للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، الذى كون وجدانه الدرامى من وجود والديه إلى جواره، خاصة والدته السيدة روز اليوسف. 

وأشير هنا إلى أن هذه الظاهرة حدثت من قبل، من خلال إعادة تقديم رواية «لا تطفئ الشمس»، المقتبسة من رواية لإحسان عبدالقدوس، فى مسلسل جديد عُرض فى ٢٠١٧. وكما قلت قبل قليل، أرى أن العودة إلى هذه الأعمال، تحدٍ مغرٍ جدًا بالنسبة لى ككاتب، وأتمنى أن أكرره فى أعمالى المقبلة.

صناع إمبراطورية ميم

■ لكن البعض ينتقد تحديدًا العودة إلى أعمال أو أفكار قُدمت فى حياة أصحابها، ويتساءل: لماذا لا تذهبون إلى أعمال وأفكار أخرى لم تُقدم فى وجودهم.. كيف ترى هذا الانتقاد؟

- الحقيقة أن اختيار أعمال قُدمت من قبل فى وجود أصحابها أو لم تُقدم، أمر غير مؤثر، و«راجعين يا هوى» مثلًا، علمت من أحد المنتجين أن أسامة أنور عكاشة فكر فى إعادة تقديمه من جديد على الشاشة، لكن لم يسعفه الوقت والعمر، وكذلك «مذكرات زوج» كتب سيناريو المسلسل القديم، صاحبه أحمد بهجت، ونفس الأمر بالنسبة لـ«إمبراطورية ميم».

■ سأسألك السؤال بطريقة أخرى، هل تصلح هذه الأعمال لزمننا الحالى؟ وما الذى يمكن أن نضيفه إليها؟ وهل هذا ممكن من الأساس؟

- إعادة تقديم أعمال قديمة يعتبر فنًا قائمًا بذاته، وهناك أعمال تُقدم منذ القدم وستظل إلى الأبد، مثل الدراما الإغريقية، وأعمال شكسبير، فهى عبارة عن «تيمات أدبية» تصلح لإعادة التقديم إلى الأبد.

وهذا دورنا كصُناع فن، وهو البحث عن الأعمال التى قُدمت قبل ذلك؛ لتقديم «مناطق جديدة» فيها، «مناطق» لم يتطرق إليها أحد من قبل. وعلى المستوى الشخصى، أظن أننى استطعت وضع بصمتى ككاتب على الأعمال الثلاثة التى قدمتها من هذه النوعية

أنا لا آخذ الأعمال القديمة كما هى، ورغم تهمة «الفقر والإفلاس»، فإننى أعتبر أن هذا «ثراء»، بل «ثراء شديدًا»، ومن المهم أن تكون لدينا الجرأة والشجاعة لإعادة تقديم مثل هذه الأعمال.

بوستر إمبراطورية ميم

■ إلى أى مدى تستطيع أن تغير فى الفكرة التى قُدمت بالفعل فى حياة صاحبها؟ وما حدود تدخلك؟ وكيف تستطيع خلق توازن بين جوهر الفكرة الأصلية وخيالك الخاص؟

- هذا السؤال مهم جدًا وأحييك عليه، الموضوع أشبه بالمعادلة، أنا دائمًا أعود إلى أصل الموضوع، فعلى الرغم من أن «إمبراطورية ميم» قُدمت من قبل فى فيلم سينمائى، فإننى عُدت إلى القصة الأصلية التى كتبها إحسان عبدالقدوس.

كذلك فى «مذكرات زوج» عُدت إلى النص الأدبى الأصلى، رغم أن أحمد بهجت نفسه هو كاتب السيناريو الذى سبق عرضه. ثم تكرر الأمر فى «راجعين يا هوى»، الذى احتاج أن «يتشرب روح أسامة أنور عكاشة»، ومعالجة بصرية تليق بعالمه.

أفضل دائمًا العودة إلى النص الأدبى الأصلى، ثم محاولة تقديم الرؤية الجديدة الخاصة بى ككاتب، ودائمًا ما أضرب المثل بالأعمال التى كتبها محسن زايد المستلهمة من أدب نجيب محفوظ، وهى أعمال عظيمة، كان آخرها مسلسل «حديث الصباح والمساء».

محسن زايد كان يعود إلى الأصول التى كتبها نجيب محفوظ، وكان «يتشرب روحه»، ويصبح على درجة كبيرة من استيعاب الفكرة، ثم يضع روحه وأفكاره ورؤيته الخاصة، من خلال السيناريو الذى يقدمه، ليصبح السؤال المهم هنا: كيف يمزج روح النص الأصلى مع روحه الخاصة كسيناريست حتى يتم إنتاج نص أصيل؟

■ كيف تستطيع كسيناريست «صُنع» مسلسل ٣٠ حلقة، كل حلقة لا تقل عن ٣٠ دقيقة، فى حين أن العمل الأدبى الذى استلهمت منه الفكرة هو قصة قصيرة لم تتجاوز ١٠ صفحات؟

- فى «إمبراطورية ميم»، الذى يعد الاستثناء بين أعمالى، من حيث أخذه عن قصة قصيرة، الفكرة مبنية على علاقة الأب بـ٦ أبناء، وهذه الفكرة تصلح للمعالجة فى عمل طويل، أى أن الفكرة هى التى فرضت صلاحية إعادة تقديمها فى عمل طويل. 

وأرى أن فيلم «إمبراطورية ميم»، الذى عُرض قبل أن نولد، لم يأخذ حقه فى عرض الخطوط الدرامية المتشابكة الناتجة عن علاقة الأم بأبنائها، التى كانت تحتاج إلى تداخل علاقات بشكل أكبر، وبالتالى تحتاج وقتًا أطول، وسردًا من نوع مختلف.

القصة هى التى تفرض الصورة النهائية، ويمكن أن تكون قصة أخرى معتمدة على لقطة أقل ثراءً وتشعبًا، غير صالحة لتقديمها فى مسلسل من ٣٠ حلقة، أو حتى ١٠ حلقات، وهذا عكس «إمبراطورية ميم»، التى فرضت طبيعتها تقديمها فى هذا الشكل.

محمد سليمان عبد المالك

■ من كتب المعالجة السينمائية فى فيلم «إمبراطورية ميم» هو أديب نوبل نجيب محفوظ، ألم تشعر برهبة من ذلك؟

- طبعًا، كان شيئًا مخيفًا جدًا العمل على فكرة عمل عليها نجيب محفوظ من قبل، بل وضع اسمك ككاتب لفكرة عمل على إنتاجها مبدعون عظماء، سواء نجيب محفوظ، أو إحسان عبدالقدوس الذى كتب الحوار، إلى جانب كوثر هيكل، مرورًا بالمخرج حسين كمال، والنجمة الكبيرة فاتن حمامة.

نحن وضعنا أنفسنا فى مقارنة مع عظماء، وهو ما جرى أيضًا فى «راجعين يا هوى» و«مذكرات زوج»، والمقارنة فيهما مع أسامة أنور عكاشة وأحمد بهجت. لكن يجب ألا يمثل هذا حاجزًا بيننا وبين إعادة تقديم الأعمال المهمة فى تراثنا السينمائى والتليفزيونى.

وبالنسبة لى، حاولت التحرر من هذا الضغط، هو شىء مخيف كما قلت قبل قليل، لكنه فى نفس الوقت يدعو للفخر، الأمر الذى يحتاج بالضرورة إلى جرأة، لأننا نحاول اقتحام عالم مبدعين عظماء، وإعادة تقديم ما أبدعوه مرة أخرى على الشاشة. 

■ فيلم «إمبراطورية ميم» طُرح فى وقت حساس للغاية، خلال الفترة بين «نكسة ٦٧» و«انتصار ٧٣»، لذا جرى تأويله على أنه يحمل رسائل ودلائل سياسية.. هل حرصت على مراعاة ذلك وإعادة تقديمه فى المسلسل الحالى بصورة تناسب وقتنا الحالى؟

- أظن أن مصر طوال الوقت تعيش فى ظل ظروف سياسية متغيرة، وهذه الظروف تستدعى رؤية جديدة للمعانى التى قدمها كبار الكتاب، سواء إحسان عبدالقدوس أو غيره، فكل هؤلاء الكتاب كانوا مهمومين بالأجواء المحيطة بهم، ولذلك عوالمهم مليئة بالإسقاطات، التى سيجدها من يحاول البحث والتفتيش بين السطور عن المعنى الذى يقصده إحسان عبدالقدوس فى القصة، أو ما يقصده صُناع الفيلم، ومن ثم المسلسل.

وبالنسبة لى، أرى أنه من السهل تقديم قصص سهلة وبسيطة، أو أفكار مستهلكة، لكن الدخول فى عالم بهذه الأهمية وهذا الثقل، وفى الوقت نفسه يقترب من الناس، والناس ترتبط به، يتطلب البحث عن معناه ودلالاته، ومحاولة خلق تفاعل بين الناس والأعمال الفنية المقدمة، فى أى وقت كان.

إمبراطورية ميم

■ ما نقاط التشابه بين الفيلم والمسلسل على مستوى المجتمع أو الأسرة؟

- حاولت تجنب هذه المقارنة بين الفيلم والمسلسل، ولذلك عدت إلى العمل الأدبى الأصلى، الذى يتناول علاقة الأب بأبنائه. وبالتأكيد الزمن اختلف منذ كتابة القصة وعرض الفيلم، فقد أتى أكثر من جيل، وعلاقة الأب بالأبناء تغيّرت بكل تأكيد، وكذلك لغة الحوار وطبيعة القضايا والأسئلة الشائكة والصعبة بينهم، وهو ما حاولنا تقديمه برؤية معاصرة، فى مسلسل «إمبراطورية ميم» هذا العام.

هذا فيما يخص صراع الأجيال، والتفاهم بين جيلى الآباء والأبناء. أما من ناحية إحسان عبدالقدوس، فأظن أنه كان يريد أن يناقش، فى قصته القصيرة، موضوع السلطة الأبوية، من خلال أصغر نواة فى المجتمع، وهى الأسرة.

وفى رأيى هو كان موفقًا جدًا فى طرح هذه القضية، بشكل عميق وبسيط فى الوقت نفسه، من خلال طرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بالسلطة الأبوية، بشكل يصل إلى القلب، وأظن أن هذه الأسئلة ستظل تناقش إلى يوم الدين، وهى ما حاولنا طرحه من خلال المسلسل، الذى استقبله الناس بشكل جيد حتى الآن.

■ يتم النظر الآن إلى بعض الأعمال التى قُدمت من قبل وتناقش قضايا الأسرة، على أنها أعمال سقطت فى فخ المباشرة، وأنها كانت أقرب إلى الوعظ الأخلاقى أكثر من كونها عملًا فنيًا.. كيف استطعت تجنب ذلك، على الرغم من احتياجك لشىء من المباشرة، لأنك فى النهاية تقدم عملًا يخاطب الأسرة فى المقام الأول؟!

- هذا صحيح، وهذه المسألة كانت أمامى منذ اللحظة الأولى التى عملت فيها على «إمبراطورية ميم»، رغم أن بعض الناس ترى المباشرة فى الفن شيئًا إيجابيًا، ولكنى لا أرى ذلك تمامًا، لأن المباشرة تفقد العمل الفنى جمالياته وعمقه، لأن من ثيمات العمل الفنى، الصدق والتأثير، والوصول إلى أكبر قاعدة من المشاهدين، كما قلت.

ولكن بالرغم من أن هذا السؤال، كان أمامى منذ البداية، لم أجعله يؤثر على طبيعة علاقة الأب بأبنائه، لأن علاقة الأب بالأبناء فيها جزء من توجيه النصيحة والإرشاد بشكل مباشر، وقصدت ذلك حتى لو رأى بعض المشاهدين أو النقاد أن الأب فشل بهذه الطريقة فى تربية أبنائه، أو أنه أساء أسلوب التربية.

■ تم عرض فيلم «أنف وثلاث عيون» للمخرج أمير رمسيس، فى العام نفسه الذى عرض فيه «إمبراطورية ميم».. كيف ترى هذه العودة لأعمال إحسان عبدالقدوس بالتحديد؟ أى لماذا لا يذهب كُتاب السيناريو الحاليون، ومنهم أنت، إلى قصص لم تعالج سينمائيًا أو دراميًا من قبل حتى لو كانت لنجيب محفوظ أو «الحكيم» أو حتى طه حسين، وغيرهم؟

- فى رأيى إحسان عبدالقدوس أديب يتميز بالسلاسة والسهولة، وأعماله تُقرأ حتى الآن فى كل أرجاء الوطن العربى بسهولة ويسر، وهذه البساطة والسلاسة والاهتمام بالجانب الإنسانى وتوظيفه الدرامى، اكتسبها من عائلته، وأيضًا من عمله اليومى فى الصحافة. ولذلك «إحسان» سيظل عابرًا للأجيال، وستظل كل أفكاره صالحة لأن تقدم سواء الآن أو فى المستقبل. 

ولكن هذا لا يعنى عدم وجود مناجم أخرى للأفكار، والثيمات الدرامية موجودة، وبشكل شخصى أحلم بتقديم عمل لتوفيق الحكيم أو نجيب محفوظ، كاستكمال للفكرة التى بدأتها مع القائمين على شركتى «أروما» و«المتحدة»، فى تقديم المزيد من الأعمال المأخوذة من مختلف الأدباء المميزين فى تاريخنا، لأنه حرام أن نترك هذا الكنز، دون أن نلتفت إليه، وهذه الأعمال ستظل صالحة للتقديم، لطالما نستطيع النظر إليها بعيون جديدة، وبروح مختلفة.

■ معنى ذلك أن لغة وأسلوب «إحسان» السهل بعض الشىء مقارنة بلغة وأسلوب أدباء آخرين، جعل كتاب السيناريو ومنهم أنت، يفضلون العودة إليه؟

- أظن أن هذا السبب أيضًا هو الذى دفع كتاب السيناريو فى وقت إحسان عبدالقدوس للذهاب إلى أعماله، ولذلك أكبر قدر من الأعمال فى هذا السياق والتى تمت معالجتها قبل ذلك، كانت مأخوذة عن أعمال «إحسان»، لأنها تتسم بالسلاسة والبساطة، وأظن أنها تندرج تحت فئة الأعمال التى يطلق عليها الآن «الأكثر مبيعًا» على مستوى القراءة، لأن البساطة فى التلقى مع عمق الفكرة ووصول شعورها للقارئ والمتلقى بسهولة، على كل الأصعدة بالطبع، تعطى للعمل فرصة للتقديم على الشاشة.

باب الخلق

■ نسمع كثيرًا عن النجم الذى يتدخل فى السيناريو، أو بعض الكُتاب الذين يبنون العمل على حسب اسم النجم، فيضعون له المساحة الأكبر.. ما رؤيتك لذلك؟

- ونسمع أيضًا عن بعض النجوم الذين يتدخلون فى كل شىء، ويكتبون لأنفسهم أو يتدخلون فى المونتاج، ولكن منذ بداية مسيرتى كسيناريست، قررت أننى لن أفعل ذلك، وهذا هو السبب وراء التعاون مع خالد النبوى فى أكثر من عمل، لأننا اخترنا بعضنا، ونشأ بيننا احترام متبادل، فهو يحترم دورى ككاتب وأنا أحترم دوره كبطل للعمل.

■ هل يمكن أن يضع السيناريست أمام عينيه من البداية صورة النجم الذى سيلعب دور البطولة قبل البدء فى الكتابة؟ على سبيل المثال هل فكرت فى «النبوى» منذ بدأت فى كتابة «إمبراطوية ميم»؟

- لكل عمل حالته الخاصة، فى بعض الأحيان تتم كتابة النص ثم يتم اختيار البطل، كما حدث فى مسلسل «زينهم» بطولة أحمد داود، أو «صوت وصورة» لحنان مطاوع، ولكن فى «إمبراطورية ميم»، كنت أعرف من البداية أن أحد أطراف العمل، هو خالد النبوى، أو أنه سيكون البطل.

ولكن هذا لم يحدث فى عمل آخر مع «النبوى» مثل «ممالك النار»، فهو لم يكن مرشحًا للعب دور البطولة «طومان باى»، ولكن أنا الذى تواصلت معه لأداء هذا الدور.

■ هل يمكن أن تشير على المخرج إذا رأيت أن الممثل الذى اختاره ليس مناسبًا للصورة التى رسمتها فى خيالك عند بدء الكتابة؟ وهل يمكن أن ترشح له ممثلا آخر؟

- اختيار الأبطال عملية تبادلية بين المنتج والمخرج والكاتب، ولا بد أن يكون الثلاثة متوافقين على العمل، ليس فقط على البطل، ولكن على المثلين الذين يؤدون الأدوار الثانوية، وفى حال لم أر شخصية بعينها للدور، أستمع إلى آراء هؤلاء، فأحيانًا يطرح المخرج بطلًا أو ممثلًا لم يأتِ فى ذهنى، وأشعر أنه ملائم بالفعل، وهذه القرارات تأتى بعد جلسات من القراءة والمناقشة.

وزيرة التضامن ومحمد سليمان عبدالمالك 

■ المطلع على أعمال محمد سليمان عبدالمالك يرى شيئًا أظنه فى غاية الأهمية، وهو أن الأعمال التى تكتبها لا تستند فى المقام الأول على بطل بعينه، بل إنك تعطى مساحات أخرى كبيرة لممثلين ثانويين.. هل تقصد ذلك؟

- هذا صحيح، ولكن أرى أن الكاتب والبطل والمخرج وشركة الإنتاج، يشتركون فى عمل جماعى، ولا يصح أن يتصدر واحد فينا للمهمة وحده، لأن من يفعلون ذلك لا تعيش أعمالهم طويلًا، حتى لو نجحت فى وقتها وتصدرت «الترند».

أنا مشغول بفكرة العمل الذى يعيش، وهو العمل القائم على عدم تحكم أحد عناصر العملية الفنية فيه بمفرده، وأنا من أنصار فكرة أن العمل يُكتب بشكل كامل، وأن كل شخصية تأخد مساحتها، وأننا نقدم مساحات لمختلف الممثلين المبدعين، فى أى دور.

■ دائمًا ما يقال إن السينما هى التاريخ الحقيقى لكل فنان سواء كاتبًا أو مخرجًا، والمتأمل لمسيرتك يجد أنك بعيد إلى حد ما عن السينما.. ما السبب؟

- لى فيلمان «عزبة آدم» و«شد أجزاء»، وأرى أن مقولة «السينما تعيش والتليفزيون لا يعيش» مقولة ابنة وقتها، ونتجت عن أن تقنيات السينما وقتها كانت مختلفة عن كاميرات التليفزيون، وكذلك طريقة الإنتاج. وكان يتم التعامل مع السينما، على أنها فن أرقى وأرفع من الفن التليفزيونى.

ولكن فى العشرية الثانية من الألفينيات، أظن أن هذه المقولة اختفت تمامًا، لأن التقنيات أصبحت واحدة، وربما أحد أسباب ذلك، هو الأزمة الأمنية التى حدثت بعد ٢٠١١، والتى جعلت الناس تتجه للدراما التليفزيونية، أكثر من الذهاب للسينما.

وفى هذا الوقت، لم يكن هناك فرق بين السينما أو التليفزيون، ولكن المهم أن تقدم عملًا محترمًا يليق بالمشاهد، وفى رأيى أنه فى السنوات الأخيرة تم تقديم أعمال لن تعيش فى السينما ولن يذكرها أحد مع الوقت، على عكس ما قُدم فى التليفزيون فى الوقت ذاته. 

بوستر مسلسل راجعين ياهوى

■ كيف ترى فكرة «المسلسلات الشعبية»؟ وكيف تحقق هذه النوعية الانتشار السريع والواسع لدى مختلف طبقات المتلقين؟!

من الممكن أن أحكم على هذا النوع كمتفرج وليس كصانع، لأننى كصانع لست من هواة البحث أو صنع هذا النوع من الدراما. وأظن أن هذا الانتشار للدراما الشعبية وتكرارها لفترة طويلة، أو حلب هذه التيمة الدرامية، التى يظهر فيها البطل المغوار الذى يتحدث بلهجة معينة، هى معادلة ظن البعض أنها ستنجح إلى الأبد، لمجرد أنها حققت نجاحًا فى وقت من الأوقات، ولكن اليوم حين تتكرر الحكاية تفقد القدرة على الإدهاش، ولكن حين يفكر الصانع فى أن التيمة المعينة هى سر النجاح، فهذا بالنسبة لى هو بداية النهاية، لأن الموضوع يصبح مملًا، والناس تشاهد الموضوع مرة واثنين وثلاثًا، فى وقت تحتاج فيه إلى المختلف والجديد. والموسم الرمضانى الحالى، أثبت مقولة إن الناس تبحث على المختلف.

■ يشتكى أغلب صُناع المسلسلات وبالتحديد المخرجين، من أزمة عدم اكتمال السيناريو عند بدء المشروع.. كيف تتعامل أنت مع هذه الأزمة؟

- هذه مشكلة بالفعل، ومنذ يومين قلت لنفسى، إن أهم قراراتى فى المستقبل، أننى لن أدخل إلى أى عمل تتم كتابته فى أثناء التصوير، وإننى سأدخل العمل بعد الانتهاء الكامل من الكتابة، مهما استغرقت من وقت، وأعرف أن هذا قرار من الصعب تنفيذه فى ظل هذه الصناعة القاسية، التى تضع العاملين بها دائمًا تحت الضغط، ولكن عن نفسى أرى أننا علينا أن نقف كصناع وقفة مع أنفسنا، ونبحث كيف ندير هذه المنظومة الصعبة والضاغطة، وفى المستقبل لا بد من وضع هذه الرؤية فى عين الاعتبار.

■ فى هذا الموسم يتم عرض مسلسلين من كتاباتك مختلفين تمامًا، فـ«إمبراطورية ميم» درامى من الدرجة الأولى، و«فراولة» يمكن تصنيفه بأنه كوميدى، كذلك فى العام الماضى عُرض لك «صوت وصورة» بالتوازى مع «زينهم».. كيف تستطيع ككاتب خلق التنوع؟ 

- أنا ضد التخصص فى الكتابة الدرامية، لأن هذا اختراع ليس له أصل، وهو فكرة أن كاتبًا معينًا يكتب الاجتماعى وآخر الكوميدى، وثالث الرومانسى أو التاريخى، رغم أننى بشكل شخصى أحب نوعًا معينًا، ولكن التقسيم بشكل عام يحوّل الدراما إلى ما يشبه التخصصات الطبية، وبالتالى يكون الأمر ضد الإبداع والفن. وهذه التخصصات من الآفات التى ابتليت بها مهنتنا، وأنا أهدف إلى كسر هذه التابوهات لأنها غير حقيقية، لأن الكاتب ليس موظفًا.

بوستر مسلسل مذاكرت زوج

■ بالنسبة لك أنت بدأت من عالم الكتابة الروائية والأدبية ثم انتقلت لعالم كتابة السيناريو.. هناك من يظن أن كلا العالمين متشابهان.. ما الفارق بين الرواية والسيناريو من وجهة نظرك؟

- أبرز الفروق بين العالمين أن الكتابة الروائية هى عمل فردى، فالكاتب الروائى لا يوجد بينه والمتلقى أى وسيط، والكلمة التى تكتبها هى التى تصل للمتلقى، ولكن فى السيناريو يصبح بينك والمتلقى مئات من العناصر، كالممثل والمخرج وعمال الصوت والإنتاج وباقى العمال والعناصر، حتى يصل ما كتبت للمتلقى، يمكن أن يكون قد تحول لشىء آخر غير الذى كتبته، أو غير ما قصدته. 

■ لو طلبنا من محمد سليمان عبدالمالك ترشيح مسلسل أو رواية أثرت فى نفسه.. أيها سيكون؟

- دائمًا ما أعود إلى «مئة عام من العزلة» لـ«ماركيز»، لأنها رواية بديعة، وغيّرت رؤيتى لكل شىء. ومن المسلسلات «أرابيسك»، لأنه جعلنى أقرر تقديم أعمال درامية للشاشة. ومن الأفلام «آيس كريم فى جليم» و«اللعب مع الكبار». وعلى المستوى العالمى أعتبر فيلم «Back to the Future» أحد الأعمال التى جعلتنى أريد أن أدخل إلى تلك الصناعة.

ممالك النار