الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

بهية.. ابنا محسنة توفيق يختصان «حرف» بأول ظهور فى الصحافة المصرية

محسنة توفيق
محسنة توفيق

- كانت تغنى لنا فى الزنزانة «فاكراك ومش هنساك مهما الزمان قساك»

- تعرضت للتضييق والمنع من العمل لسنوات طويلة بسبب السياسة

- وائل وعزة خليل: أحبت عبدالناصر رغم السجن.. وكرهت السادات كُره العمى

«زعلت» من يوسف شاهين بسبب استعانته بداليدا بدلًا منها فى «اليوم السادس»

الحديث عن النجمة الكبيرة محسنة توفيق لا يحتاج إلى مناسبة، والحوار عنها لا يحتاج إلى أسباب أو مقدمات، فهى حكاية كبيرة من حكايات الفن المصرى والعربى، بل والحركة النضالية والاشتباك مع قضايا الشعب.

ولا يوجد أفضل من وائل وعزة خليل، ابنى الفنانة الراحلة، لكشف أهم أسرار هذه الحكاية، وكيف دفعت والدتهما ثمن مواقفها المشرفة، لتُبعد مُجبرة عن الساحة الفنية لسنوات طويلة، إلى جانب أهم كواليس مسيرتها الفنية الحافلة. 

فى السطور التالية، يحكى «وائل» و«عزة» لـ«حرف»، فى ظهورهما الصحفى الأول، عن حياة محسنة توفيق، التى سجنت فى عهد عبدالناصر، وأُبعدت فى عهد السادات، ولم تحظ بالتقدير الذى تستحقه فى عهد مبارك.

الصفحة الثامنة عشر من العدد الحادى والعشرين لحرف

الخطاب الذى أشعل غضب السادات

بدأ وائل خليل حديثه مع «حرف» بالإشارة إلى وجود العلم الفلسطينى وصورة لـ«جيفارا» رسمها والده فى منزلهم، مؤكدًا أن الحديث الدائم داخل المنزل حول ما يدور حولهم من أحداث سياسية واجتماعية كان من الأمور التى شكلت وعيه منذ طفولته المبكرة، هو وشقيقته «عزة».

تطرق «وائل» بعدها إلى ما يمكن أن نسميه «سنوات العزل الفنى» ، تلك التى عاشتها والدته، بعد توقيعها ضمن مجموعة من المثقفين على خطاب مُرسل إلى الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، لمطالبته باتخاذ قرار الحرب.

الخطاب كتبه الكاتب الكبير توفيق الحكيم، وجاء فى مقدمته: «لما كان الشباب هو الجزء الحساس فى الأمة، وهو الذى يعنيه المستقبل أكثر من غيره، فهو لا يرى أمامه إلا الغد الكئيب. أما بقية المواطنين فهم يعيشون بالنسبة إليه فى حياة صعبة سيئة الخدمات. هذا يقتضى النظر فى تغيير بعض الإجراءات التى تسير عليها الدولة اليوم، ومنها حرية الرأى والفكر وحرية المناقشة».

وحسب كتاب «الثورة المضادة فى مصر» للكاتب غالى شكرى، فإن الخطاب الذى وقعه مجموعة من الكُتاب والأدباء، وصدر فى ٨ يناير عام ١٩٧٣، تضامنًا مع مظاهرات الشباب المطالبين بحسم القضية وتحرير سيناء، واجه غضبًا كبيرًا من قِبل «السادات»، حتى إن «الاتحاد الاشتراكى» فصل ٦٤ كاتبًا ممن وقعوا على الخطاب، بعد صدوره بأقل من شهر.

ووصل عدد الموقعين على الخطاب أكثر من ١٠٠ كاتب وأديب من كبار الكُتاب فى مصر، منهم توفيق الحكيم الذى كتب الخطاب ووقعه بإمضائه، إلى جانب الأديب العالمى نجيب محفوظ، ويوسف السباعى، ولويس عوض، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، وغيرهم.

وكانت الفنانة محسنة توفيق بين مَن تعرضوا للتضييق بسبب هذا الخطاب، وفق نجلها، الذى قال: «كان الأمر صعبًا جدًا على والدتى، خاصة أنه لم يكن هناك قرار رسمى بمنعها من العمل، بل كان قرارًا شفهيًا، ما جعل الأمر مؤلمًا جدًا ومؤثرًا على حالتها النفسية».

وأشار إلى موقف والديه من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قائلًا: «كان موقفًا مرتبكًا كغيرهما، وخلال عهده أُلقى القبض على والدتى، قبل أن تخرج بعد عام ونصف العام من الاحتجاز بوساطة من خالتى فضيلة، إذ كان من المفترض أن تقضى ٥ سنوات كاملة فى السجن».

محسنة توفيق

قصة حب يسارية

كشف وائل خليل عن أن لقاء والده ووالدته كان بالصدفة البحتة، على الرغم من أنهما أبناء حى واحد هو العباسية، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء جرى فى إطار حراك سياسى لشاب وشابة ضمن الحملة الانتخابية لعبد العظيم أنيس، والتى كانت تضم ماركسيين ويساريين وشيوعيين، وكان الغرض منها الاشتباك وطرح الرؤى والأفكار المختلفة.

وأضاف: «ليس صحيحًا أن والدىّ التقيا فى كلية الزراعة، كما هو مكتوب على مواقع الإنترنت، بل كان لقاؤهما الأول فى الحملة الانتخابية سالفة الذكر»، مشيرًا إلى أن والده «خليل» كان محبًا للرسم والنحت والطبخ والحياكة.

وواصل: «والدتى من مواليد ٢٩ ديسمبر عام ١٩٣٧، وليس عام ١٩٣٩ كما هو مكتوب على مواقع التواصل الاجتماعى. ووالدى لم يُكمل تعليمه الجامعى، وعمل بشهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها فى قطاع البترول». وأكمل: «والداى ليسا من أصول ريفية، بل قاهريين أبًا عن جد، وأقول لك على سر لا يعرفه أحد، إن جدى لوالدتى هو المؤرخ الكبير الجبرتى، بينما كان جدى لأبى ضابطًا كبيرًا فى الجيش المصرى» .

وكشف عن أن والدته كانت تغنى طوال الوقت لـ«فيروز» و«عبدالحليم» وكل مطربى هذا الجيل، وورثت حلاوة الصوت من والدها قارئ القرآن توفيق إسماعيل، بجانب شقيقتها «الأبلة فضيلة» صاحبة الصوت المميز، علاوة على شقيقتهما الثالثة الأصغر «يُسر»، التى كانت مطربة فى الأوبرا قبل أن تهاجر، بينما شقيقهن الوحيد «على» ، الذى رحل عن دنيانا عام ١٩٨٧، لم يكن مهتمًا بالفن.

وعاد ليؤكد أن «سنوات العزل الفنى» كانت الأصعب فى مشوار والدتها، مشيرًا إلى أنها كانت سعيدة جدًا بالعمل مع المخرج الكبير خيرى بشارة، فى آخر أعمالها «أهل إسكندرية»، المسلسل الذى لم يُعرض، وكان قد حقق حلمها بالغناء، فقد غنت فيه، وكانت تتمنى مشاهدته قبل رحيلها.

سجال مع فردوس عبدالحميد

فجّر وائل خليل مفاجأة كبرى بالكشف عن رفض والدته المشاركة فى الجزء السادس من مسلسل «ليالى الحلمية»، لأنها لم تحب النص والدور الذى عرض عليها، مضيفًا: «كانت مُحقة فى ذلك تمامًا، لأن هذا الجزء من المسلسل لم يحقق أى نجاح يُذكر بعد عرضه».

وواصل: «كانت مترددة أن تأتى بدلًا من الفنانة فردوس عبدالحميد، فى الجزء الثانى من مسلسل (ليالى الحلمية)، فى دور (أنيسة)، وأخذت رأيى فشجعتها جدًا على هذه الخطوة، وبصراحة هى أعطت للدور بُعدًا آخر غير فردوس عبدالحميد فى الجزء الأول».

وأكمل: «ولعلمك كانت هناك حالة من السجال بينها وبين الفنانة فردوس عبدالحميد، خاصة أن الأخيرة جاءت بدلًا منها فى فيلم (الطوق والإسورة) للمخرج الكبير خيرى بشارة، ووالدتى جاءت بدلًا منها فى مسلسل (ليالى الحلمية)»، متابعًا: «أعتقد من وجهة نظرى أن والدتى لم تحزن على ضياع دور منها غير دور (الطوق والإسورة)». 

مع الناس دائمًا 

قال وائل خليل إنه رأى والدته على المسرح، وكانت مبهرة فى مسرحيات كثيرة وسعيدة بالعمل فيها، مثل «منين أجيب ناس؟»، و«حاملات القرابين»، و«الدخان» لميخائيل رومان، و«عفاريت مصر الجديدة»، وغيرها من العروض المسرحية. كما كانت سعيدة بالعمل مع المخرج المسرحى الكبير منير مراد.

وأضاف «خليل»: «فى السينما أحبت دورها فى فيلم (الحب قبل الخبز أحيانًا)، وفى فيلم (بيت القاصرات) على الرغم من كونه ظهورًا خاصًا، وأعتقد أن ترشيحها لدور (بهية) فى فيلم (العصفور) كان ورطة بالنسبة لها، لأنها لعبت دور أم لشابة فى الـ٢٥، وكانت وقتها تبلغ من العمر ٣٥ عامًا».

وواصل: «كما أن والدتى أحبت دور (فضيلة) فى فيلم (البؤساء) للمخرج عاطف سالم، كما أحبت ظهورها كضيف شرف فى فيلم (ديل السمكة)، خاصة أنه دور لسيدة قعيدة على كرسى متحرك»، مشيرًا إلى أن آخر مسلسلاتها التليفزيونية كان «المرسى والبحار» مع النجم الكبير يحيى الفخرانى، فى عام ٢٠٠٥، قبل أن تغيب ٩ سنوات كاملة، حتى تصوير آخر مسلسلاتها الذى لم يعرض وهو «أهل إسكندرية».

ورأى أن السياسة أضرت والدته، معتبرًا أنه من حسن حظ العائلة أنها لم تتورط فى مدح حاكم أو سلطة أو نظام معين، وكانت مع الناس ووسطهم طوال الوقت، لافتًا إلى أن والديه كانا من أوائل الفنانين الذين نزلوا إلى ميدان التحرير، فى ٢٥ يناير ٢٠١١.

عبدالناصر والسادات

انتقل الحديث إلى عزة خليل، التى قالت إن والدتها الفنانة محسنة توفيق «زعلت» من يوسف شاهين، بعدما جاء بالنجمة العالمية داليدا للعب دور «صديقة» بدلًا منها فى فيلم «اليوم السادس»، مع الفنان محسن محيى الدين، خاصة أنها سجلت أغنية بصوتها للفيلم، مضيفة: «كان الموضوع مجرد زعل وليس مقاطعة أو خصامًا».

وأكدت أن والدتها كانت مثابرة جدًا وصادقة، وشديدة المذاكرة والاطلاع، وعندها قدرة رهيبة على الرفض، مضيفة: «لا أنسى مذاكرتها العنيفة لشخصية هند بنت عتبة.. كانت تعيش الشخصية تمامًا قبل تمثيلها».

وتطرقت إلى مرحلة السجن فى حياة والدتها، قائلة: «كانت فترة صعبة جدًا عليها، خاصة أنها كانت صغيرة فى السن، ولا تزال فى مرحلة التكوين الفكرى، وكنت قلقة جدًا عليها، لكنها كانت تغنى لنا فى الزنزانة أغنية نجاة على (فاكراك ومش هنساك مهما الزمان قساك)، والتى كانت من أقرب الأغانى لها، وتذكرها بأيام السجن وذكرياته. كما تعرفت فى السجن على السيدة وداد مترى، التى كانت أكبر منها، وصارت مثل أختها الكبرى، إلى جانب أخريات».

هنا تدخل «وائل» قائلًا: إن والدته كانت تحب جمال عبدالناصر، رغم أنها سُجنت فى عهده، وفى المقابل «تكره السادات كره العمى». وعن فترة «مبارك» قالت «عزة»: «كانت والدتى من أوائل الناس التى انضمت لحركة (كفاية)، ونزلت التحرير للمطالبة برحيله، بينما أحبت عبدالناصر، وترى أن العالم كله ضده ويرفض زعامته».

وأضافت «عزة»: «كان لدى والدتى شعور بأنها دفعت ثمن اختياراتها، وفترة عزلها فنيًا بسبب السياسة كانت من أصعب الفترات فى حياتها، بل تكاد تكون الفترة الأصعب، وربما أكثر من السجن فى عهد عبدالناصر، لأنها لم تعرف فى حياتها سوى التمثيل والشغل».

الصفحة التاسعة عشر من العدد الحادى والعشرين لحرف

التكريم الأخير

أكدت عزة خليل أن والدتها كانت مثل الكتاب المفتوح، ليست لديها أى أسرار، مضيفة: «كانت رياضية جدًا، وتحب البحر والعوم لأقصى درجة، وشعرت بسعادة كبيرة جدًا عندما جرى تكريمها فى مهرجان أسوان الدولى لسينما المرأة، عام ٢٠١٩».

وواصلت: «كنت بصحبتها، آنذاك، فى هذا التكريم، وشعرت بإحساس فنانة كبيرة جاءتها الفرصة لمقابلة جمهورها الكبير، وتملكها رضا تام بحصيلة تجربتها الفنية فى النهاية»، مشيرة إلى أنها فى سنواتها الأخيرة كانت مهتمة أكثر بمتابعة الأعمال الأجنبية، خاصة التركية.

وأكملت: «استمتعت بالعمل مع خيرى بشارة فى مسلسل أهل إسكندرية، الذى لم يعرض للأسف، وفيه قدمت أغنية (يا دنيا يا غرامى) لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بصوتها».

وأشارت إلى أن والدتها كانت سعيدة جدًا بكل المواسم التى عملت بها فى مسلسل «ليالى الحلمية»، مؤكدة أنها لم تكن من الفنانات اللاتى يهتمن بحجم الدور، وكان الأهم بالنسبة لها هو بناء الشخصية وتركيبتها، وتأثيرها فى الأحداث.

وأتمت بقولها: «الثمن الذى دفعته والدتى بسبب اختياراتها السياسية لفترة طويلة، جعلها لا تعمل فى الفن، وبالتالى كان سببًا رئيسيًا لندرة أعمالها، لكنها فى المجمل كانت راضية جدًا عن اختياراتها ومشوارها الفنى ككل».