الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

حرف تفتح الملف الذى يتهرب منه الجميع

القصة الكاملة لرحلة فساد وإفساد الصحافة الثقافية فى مصر والعالم العربى

الغيطانى
الغيطانى

- ألا يوجد مبدعون فى العالم العربى من غير العاملين فى المطبوعات الأدبية والجهات المنظمة للمؤتمرات مدفوعة التكاليف؟! وهل يصلح كل محرر ثقافى لكتابة الأدب وتقديم نفسه كمبدع كبير؟!

هذه القصة حقيقية تمامًا، ومتكررة غالبًا، ويعرف أسماء أبطالها كل من له علاقة بالوسط الثقافى فى مصر وبعض الدول العربية.. ربما تتغير الأسماء والشخصيات فى قصص مشابهة حسب زمن حدوثها، وطبيعة الظروف المصاحبة والمحيطة وعلاقات الأفراد والمؤسسات، وربما تتكرر ذات الأسماء، بعضها أو كلها، ويختلف رواتها بحسب مواقعهم من القصة، ودرجة استفادتهم أو تضررهم منها، غير أن المدهش فى الأمر، أن الجميع يعرفون الكثير من كواليس مثل هذه القصة، ويحكون عن قصص أخرى، تتشابه فى المضمون والمقصد النهائى، وتختلف فى تفاصيل الزمان والمكان والأشخاص، فيما يُشَّكِل التفاصيل الكاملة لرحلة فساد وإفساد الصحافة الثقافية فى مصر والعالم العربى.. كيف بدأت؟! وكيف تواصلت فصولها، وانتقلت من جيل إلى جيل، ومن دولة إلى أخرى؟!.. كيف امتد تأثيرها إلى الثقافة المصرية ذاتها، فتراجعت مكانتها، وفقدت قوتها وتأثيرها فى محيطها العربى والدولى؟! وهو ما أحاول تتبع مصادره فى هذه السطور التى قد تطول قليلًا، لكن عذرى أن الأمر بالفعل مهم، يهمنا جميعًا، كما يهمنا استعادة موقع الثقافة المصرية كفاعل قوى ومهم ومؤثر فى المشهد العالمى.. لا العربى وحده، فالواقع أن الجميع يضجون بالشكوى من هذه الظاهرة، ولكنهم لا يتحركون لمواجهتها، بل ربما لا أكون مغاليًا إذا ما ذهبت إلى أن الجميع يتهربون من مواجهتها، يتحدثون عنها، ويتناقلون تفاصيلها الكاملة والدقيقة، يشكون مما يظنون أنهم تعرضوا له من إنكار أو ظلم أو ضياع حق، إذا ما مسهم الأمر وتعارض مع مصالحهم، ولكنهم يصمتون تمامًا حين يخص الإنكار والظلم والحق الضائع آخرين، حين يكون الضحية كاتبًا آخر، أو حين يكون الجور بعيدًا عن أرجلهم.. يتحدثون بمرارة كبيرة حين يكونون طرفًا فى القصة، ويصمتون تمامًا، أو يديرون وجوههم، حين يكون لديهم مطمع فى بعض المكاسب التافهة أو المغانم الرخيصة.. وهو ما يدفعنى للذهاب إلى أن الجميع مدانون، شركاء فى هذه الجريمة التى ارتكبت، وما زال يتم ارتكابها، فى حق الثقافة المصرية، الجميع فى هذه المعركة فاسدون، «لا أستثنى أحدًا.. حتى بالصمتِ العاجز، الموافق، قليل الحيلة»، بتعبير العظيم بشير الديك فى المرافعة التى يختم بها أحمد زكى مشاهده فى فيلم «ضد الحكومة»..

وخامسهم الفائز بالجائزة

والقصة باختصار أرجو ألا يكون مخلًا، أن إحدى لجان تحكيم واحدة من المسابقات الأدبية فى فرع من فروعها، تشكلت فى سنة ليست بعيدة، وفى غفلة متعمدة أو غير متعمدة من قبل رئيسها، من أربعة محررين ثقافيين بمطبوعة قومية حكومية، إلى جانب اثنين أو ثلاثة من الكتاب الأكبر سنًا، ولأن الجائزة التى تقدمها المسابقة ليست ضعيفة من حيث القيمة المادية، رغم أنها لا تقارن بالمبالغ التى تضخها جوائز دول الخليج العربى فى «سوق الأدب»، تقدم لها غالبية الأدباء ممن نشروا أعمالهم فى الفترة الزمنية المشترطة لتلك الجائزة، ومنهم كتاب كبار من حيث القيمة والمكانة فى الوسط الثقافى المصرى، ومنهم أيضًا آخرون صغار ومتوسطو الموهبة.. المهم هنا أن أحد المتقدمين لتلك الجائزة، من كتاب الفئة الثانية، كان يعمل بذات المطبوعة الحكومية، بل ويشغل المكتب الخامس بذات الحجرة التى تجمع رباعى لجنة تحكيم الفرع.. هذه الدورة من الجائزة شهدت اعتذار بعض أعضاء لجان تحكيمها لأسباب لم يفصحوا للإعلام عنها، وإن «فضفضوا» بها للأصدقاء ورفاق المقهى وأماكن السهر، ومنهم أديب يملك دار نشر قال لأحد المتقدمين لجائزة ذات الفرع إنه استشعر الحرج من التصويت لكتابه لأنه صادر عن الدار التى يملكها، لكن رباعى الصحيفة الحكومية لم يعتذر منهم أحد، ولم يجد أى منهم أى حرج فى التحكيم فى مسابقة يتسابق بها زميلهم الذى لا بد تجمعهم به جلسات إفطار أو غداء.. نكات وقفشات وخلافات، نقاشات طويلة وحادة أحيانًا ومرحة فى أحيان أخرى، وغيرها من الأمور الطبيعية والمعتادة، والتى تحدث وفقًا لقوانين الحياة الطبيعية والبسيطة بين خمسة أشخاص يجلسون أكثر من نصف اليوم فى حجرة واحدة.. وأغلب الظن أن قيمة مكافأة عضو لجنة التحكيم كانت أهم من أن يجد أى منهم أى حرج فى استمراره بلجنة تحكيم يتسابق فيها رفيقه، بل وأهم من أن يجمعوا على فوزه بالجائزة، ولو كان فوزًا مغتصَبًا، ثم يحتفلون بهذا الفوز المغتصَب، ويتربحون منه، إذ يسارعون بعدها إلى تدشين موهبة الفائز «الفذة» والترويج لها، وتصويره بالكاتب المغامر والمبدع الذى لم يأتِ الزمان بمثله، بينما حقيقة الأمر أنهم يحلبون الجائزة التى رمت بنفسها فى غرفتهم البائسة حتى آخر قطرة، فيجرى أحدهم حوارًا معه، ثم يرسله للنشر فى مطبوعة خليجية يراسلها من مكتبه الفقير بوسط القاهرة، ويكتب آخر مقالة مطولة عن جمال وتفرد أعماله ومواطن روعتها، ويرسلها إلى مطبوعة أخرى لبنانية يراسلها من ذات الحجرة التى يسكن أركانها عطن الأتربة والكتب التى لم يتصفحها أحدهم منذ سنوات بعيدة، بينما يكتب الثالث تقريرًا مطولًا عن الآراء الاحتفائية للأصدقاء من الكتاب والمبدعين والمؤلفة قلوبهم بفوزه بالجائزة التى تتحول، بالطبع، إلى حدث ثقافى مهم، وفق عدد الصحف والمواقع والقنوات التى تنشر عنها، وتمتدح أسماء الفائزين بها، والمشاركين فى لجان تحكيمها، ومن حضروا حفلها السنوى.. رغم أن الأمر كله مرتب منذ البداية، وفاسد وردىء ومُسىء، منذ اللحظة الأولى للتفكير فى اختيار أسماء مجلس الأمناء، ولجان التحكيم، وحتى حفل التتويج والاحتفال.. فمانح الجائزة يعرف لماذا اختارهم، وهم يعرفون، والفائز يعرف، والخاسر أيضًا يعرف.. حتى من لا ناقة له فى الأمر ولا جمل يعرف، لكن الجميع يكتفون بمصمصة الشفاه، وانتظار اللحظة التى ربما ينالهم فيها بعض من حظ الرضا.. ولتذهب الثقافة المصرية والعربية إلى حيث هى الآن..

أن تكون صحفيًا بدرجة صفحة وفيات

لن أتحدث عن القيمة الفنية أو الأدبية لعمل زميل الغرفة التى يشاركه فيها حفنة من الفقراء، رغم أن تلك مهمة النقاد المتخصصين، وهؤلاء لا أمل يرجى منهم، ففيهم ما فيهم من العبر والاحتياجات والضعف البشرى غير المبرر، من وجهة نظرى الشخصية على الأقل.. لكننى أدعو الجميع إلى مواجهة أنفسهم، والتوقف عن الكلام فى المقاهى والجلسات الخاصة.. أدعوهم إلى الكتابة عما لديهم من قصص ومواقف مشابهة أو حتى مغايرة، وهى بحسب معلوماتى كثيرة ومثيرة وكاشفة، وأعرف تفاصيلها كاملة، فهذه ليست القصة الوحيدة، وتلك الجائزة ليست الوحيدة التى شهدت وتشهد وقائع فساد وإفساد للصحافة الثقافية فى مصر والعالم العربى.. جميع الجوائز العربية شهدت وقائع وأحداثًا لا تختلف فى شىء عما ذكرته، بل ربما كان ما تشهده من وقائع ومؤامرات أكبر وأشد سوءًا، بحكم القيمة المالية المضاعفة على الأقل، وأغلب ظنى أننا جميعًا مشاركون بصورة أو بأخرى فى استمرار تلك الحالة من التردى والسقوط، ولن يستقيم الحال إلا بمواجهة شاملة، واضحة، وحاسمة، ومتواصلة أيضًا، فهذه الحالة ليست وليدة الصدفة، ولا بنت اليوم أو السنوات القليلة الماضية.. هى رحلة طويلة تحول معها المحرر الثقافى إلى مؤسسة علاقات عامة متنقلة، ربما كانت بدايتها تعود إلى سنوات طويلة تسبق سنوات التحاقى ببلاط صاحبة الجلالة، لكننى سوف أعود إلى ما عاصرته شخصيًا من أحداث ووقائع كاشفة لمراحل فساد وإفساد أجيال من المحررين الثقافيين فى مصر والعالم العربى، وتحول كثير منهم إلى مؤسسات خاصة وشخصية جدًا، تتربح من الجميع، ويخطب ودها كثيرون، ومنهم من يتبجحون على الجميع باتصالاتهم وعملهم فى الكثير من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية المصرية والعربية، خليجية أو لبنانية أو مغاربية، بما فيها المطبوعات الخاصة والمملوكة لرجال أعمال، والممولة من جهات لا يعلم بما تخفيه من نوايا وأهداف خبيثة إلا الله، حتى إن أحدهم يردد عن نفسه المقولة التى كانت تقال قديمًا عن صفحة الوفيات بجريدة الأهرام، والتى كان يقال إن «من لم تنشر الأهرام نعيه لم يمت»، هذا المحرر يردد علانية أن الكتاب الذى لا تصله نسخة موقعة من مؤلفه لم يصدر.. وسيكون مصيره التجاهل والصمت التام، فلن تنشر الصحف والمواقع التى يعمل بها حرفًا عنه أو عن مؤلفه، ولن يتجاوز مرحلة الفرز الأولى فى أى جائزة يتقدم لها، ويكون صاحبنا على صلة بلجان تحكيمها، إن لم يكن مشاركًا فيها.

هل يعرفه أحد؟!

تعرفونه جميعًا؟!

لن أذكر اسمه إذن، فهو بالتأكيد لا يستحق.

هل فى ذلك أى فساد؟! ما عدد الكتاب الذين حدث معهم مثل هذا الأمر؟!

لن أجيب على السؤال الأخير، لكننى سوف أرجع إلى إجابة الكاتب والمؤرخ الثقافى شعبان يوسف على سؤال الزميل إيهاب مصطفى فى حواره بالعدد السادس والعشرين من «حرف» بخصوص ما يبحث عنه فى أرشيف الثقافة المصرية الضخم والمتسع.. يقول شعبان يوسف ما نصه إن «ظاهرة الاستبعاد قديمة جدًا، هناك شعراء وأدباء وكتّاب من مصر، تم استبعادهم لأسباب عديدة، منها السياسى، ومنها الشخصى، ومنها الفكرى، ومنها الدينى، وحتى الآن هذا الأمر يحدث بقوة، ووجدت أن ذلك الاستبعاد ينال بعضًا من الكتاب المعاصرين».. وهو ما يشير من طرف خفى إلى أن مسألة تحول كتاب محدودين وأنصاف موهوبين إلى الأكثر شهرة وحضورًا ليست جديدة، لكنها لا تتحدث عن ذلك بصراحة ووضوح، ولا تتحدث عن الملابسات والظروف التى تؤدى إليها، ولا النتائج التى تترتب عليها، وربما كانت تتهرب منها.. على أنها مسألة ليست صعبة بالمناسبة، فالسيناريو جاهز، وتم تجريبه واختباره من قبل أدباء وكتاب كانوا يعملون فى أكثر من مطبوعة ومؤسسة صحفية، خصوصًا تلك التى تملك الوفورات المالية الكافية لتغطية نفقات سفر منتسبيها إلى جميع أركان الأرض، دون مشقة أو تدابير احتياطية، وفى مقدمتها بالطبع مؤسستا «الأخبار» و»الأهرام» فى مصر، و«الاتحاد» والبيان» فى دولة الإمارات، أو «الحياة اللندنية» ورفيقتها «الشرق الأوسط» السعوديتان، وغيرها من الصحف التى كان لديها حصيلة إعلانية ضخمة، وموارد مالية أخرى واسعة ومتشعبة، معلومة أو مجهولة أو تحيط بها الشبهات، لا يهم..

كم من طواويس صنعتها المعرفة فى مصر

ما يعنينا هنا هو ما يخص مصر، إذ يكفى أن تكون محررًا بإحدى المطبوعات التى تصدر عن أى من المؤسستين «الأهرام» أو «الأخبار»، خصوصًا تلك التى تهتم بتغطية الأخبار الثقافية حول العالم، لكى لا تجد مشكلة فى تمويل السفر إلى المعارض والمؤتمرات والندوات فى أى مكان فى العالم، ويكون الأمر أكثر سهولة إذا كنت قريبًا أو مقربًا من رئيس أو رئيسة التحرير، سواء بما تقدمه من أخبار وتقارير وحوارات ومواد صحفية، أو عبر خدمات أخرى خاصة خارج إطار العمل، أو أى طريقة أخرى، مناسبة أو غير مناسبة، المهم هنا أن رضا رئيس أو رئيسة التحرير يجعل من إجراءات الموافقة على تغطية نفقات السفر أسهل، وأكثر مرونة، بلا تعقيدات، ولا أوراق، ولا موافقات مؤجلة، فتنفتح خزائن المؤسسة بسهولة ويسر، ولا يبقى عليك إلا كيفية التعريف بنفسك فى المؤتمر أو الندوة بالبلد المضيف، وما تقدمه من خدمات للحاضرين من كتاب ومبدعين ومسئولين حكوميين ونافذين، لا يهم إن كان ما يكتبونه ذا قيمة تستحق الكتابة عنه والتعريف به أم لا، ولكن ما يمكن أن يقدموه من خدمات فى مقابل التعريف بهم فى أم الدنيا، والكتابة عنهم فى مطبوعات تصدر عن مؤسسات كبرى مثل «الأهرام» و«الأخبار»، هى الأكثر حضورًا وتأثيرًا فى وقتها.. وكم من كتاب محدودين أو غير مؤثرين، بل ومدعين، غير موهوبين على الإطلاق، تحولوا إلى نجوم فى بلادهم لمجرد الكتابة عنهم فى مصر، حتى تحولوا إلى طواويس لا تقبل النقد أو المراجعة، حتى إننى أذكر أن كاتبًا من دول عربية سألنى فى إحدى المرات عن رأيى فى قصة طويلة نشرها باعتبارها رواية، وكنت قرأتها قبلها بأيام أو أسابيع قليلة، ولأننى لا أحتمل المجاملة فى الكتابة والإبداع، قلت له إنها تحتاج إلى إعادة كتابة لافتقارها إلى عناصر كثيرة، وقبل أن أوضح له ما العناصر الغائبة عن عمله الذى يسميه رواية وهو لا يزيد عن قصة طويلة مبتسرة، راح يصرخ فى غضب، وأخذ يحدثنى عمن كتبوا عنه من كتاب وصحفيين مصريين، فضحكت وتركته ومضيت، لكننى قبل أن أمضى قلت له إن هؤلاء كتبوا ما كتبوا تحت وطأة الحاجة إلى مكافأة النشر لا أكثر ولا أقل، فكانت القطيعة.

ولعل كثيرون يذكرون معى ما كان يردده كاتب عراقى بلا موهبة، حول «أفضاله» على صحفيين وكتاب وشعراء مصريين، ويملأ المقاهى والبارات كلامًا بشأن مغامراته فى القاهرة، فيما يدعم كلامه بما يكتبونه ويفردونه من صفحات عنه وعن شعره وترجماته، والاحتفاء بما تنشره دار النشر الألمانية التى يملكها، بل ويتحداهم، فى حضورهم، بوقاحة متناهية، ألا ينشروا عنه، والمدهش أنهم يصمتون تمامًا، ثم يواصلون الكتابة والنشر وفرد الصفحات، فإذا ما واجهتهم بدناءة سلوكهم، يقولون لك «كان سكرانًا، وليس على السكران حرج»!! أما من لا تصلهم كتبه من المصريين فلا حس ولا خبر.. لا حضور لحفل توقيع أو ندوة أو مؤتمر، وليس عليك إلا أن تلقى نظرة سريعة على عدد ونوعية الحاضرين فى كثير من الندوات التى تشهدها مدينة القاهرة وحدها على مدار الأسبوع، وأتحداك أن تجد بها صحفيًا من أى مطبوعة من هؤلاء الذين تجدهم فى ندوات جدة والرياض ودبى والكويت وبيروت والدار البيضاء.. فهذه لا «بدلات» للسفر إليها لأنها لا تحتاج إلا إلى «خطفة رجل»، لا استضافة إضافية على حساب الدولة المضيفة بتوصية من الأديب والكاتب «الفذ» الذى يفردون له صفحات مطبوعاتهم التى بعد تحولها «عزب» خاصة، ويلحون فى ذكره أيًا كان الموضوع، ومهما كانت المناسبة.

قليل من الأسئلة لايضر

أخيرًا.. هل لاحظت معى أن كتابًا مثل عبدالرحمن الشرقاوى وفتحى غانم وعبدالله الطوخى، مثلًا، لا يحظون بذات الشهرة التى يحظى بها جمال الغيطانى ويوسف إدريس وأحمد بهجت وأحمد الشهاوى فى دول الخليج ولبنان والمغرب العربى؟! وبعيدًا عن أحكام القيمة الأدبية، أو المقارنة فيما يتعلق بالمنتج الإبداعى والمعرفى.. هل فكرت فى الأسباب التى أدت إلى ذلك؟!

هل توقفت ولو للحظة للسؤال عن أسباب غياب كاتب كبير، وقامة ثقافية مصرية مثل الروائى محمد جبريل عن المؤتمرات والجوائز والتكريمات العربية والخليجية، فيما تحتفى ذات الجهات بتلاميذ تخرجوا من ندوات كان هو مؤسسها وراعيها، بل وكان هو أول من قدم لهم يد العون، وفتح لهم أبواب النشر فى صحيفة «المساء»، والصفحات الثقافية بمؤسسة «دار التحرير»، قبل أن ينتقلوا للعمل كمحررين ثقافيين بمطبوعات تصدر عن «الأهرام» و«الأخبار»؟!

هل فكرت فى المقارنة بين الرحلات التى كانت تمولها «روزاليوسف» و«صباح الخير» لمحرريها من المبدعين الكبار، وما نتج عنها من إبداعات مفارقة ما زالت متعة قراءتها تخايل القراء حول العالم، كرواية «فساد الأمكنة» للمبدع الكبير صبرى موسى، و«رباعية النهر» للراحل الكبير عبدالله الطوخى، وبين رحلات اللاشىء التى تمولها مطبوعات ومؤسسات أخرى؟!

هل يصلح كل محرر فى مطبوعة أو صفحة ثقافية أو أدبية لكتابة الأدب وتقديم نفسه كمبدع كبير؟!

ألا يوجد مبدعون ونقاد فى مصر والعالم العربى من غير العاملين فى المطبوعات الأدبية، مجلات وصحف، ومواقع وقنوات.. أو الجهات الحكومية المسئولة عن تنظيم الندوات والمؤتمرات والمهرجانات مدفوعة التكاليف؟!

التساؤلات كثيرة، وملحة، وكاشفة.. والموضوع ليس بالبساطة التى يتعامل معها البعض، ويحتاج إلى وقفة مع النفس، كما يحتاج إلى مواجهة حاسمة، قبل أن ينتهى بنا الحال إلى الوقوع فى أسر الماضى، والبكاء على ثقافة مصرية كانت ملء السمع والأبصار.. وحولناها إلى مجرد تاريخ، نجتره حينًا ونبكيه معظم الأحيان.