أفلام قليلة وتاريخ طويل
كان الجمهور يذهب إلى أفلام داود عبدالسيد لأنه نجم الفيلم، مهما كان اسم النجم الذى يقدم الدور على الشاشة. هو أحد المخرجين القلائل فى تاريخ السينما المصرية الذى كان يذهب الجمهور لمشاهدة أفلامهم، فيكفى جملة فيلم لداود عبدالسيد لكى يقبل الجمهور على مشاهدة أفلامه.
مولعون بإطلاق الألقاب على كبار الفنانين، وأطلق عليه لقب فيلسوف السينما، ولا يعجبنى هذا اللقب فى العموم لأنه يحصر مبدعًا بحجمه فى منطقة منعزلة عن الجمهور.
قدم داود عبدالسيد فى أغلب أفلامه تعددًا مختلفًا لمستويات التلقى، تجعل قطاعًا عريضًا من الجماهير يلتف حول أفلامه، فكل مشاهد يتلقى منه ما يتفق وذائقته وفهمه، ومع تعدد المشاهدات تتعمق الرؤية ويزداد الفهم.
طرح الأسئلة ليس مقصورًا على الفلاسفة فقط، الإنسان العادى لديه أسئلته أيضًا وهى ما اهتم به عبدالسيد فى أفلامه، فأبطاله شخوص عاديون يحيون حولنا بل من الممكن أن نكون نحن دون أن ندرى.
استطاع من خلال أغلب أفلامه أن يقدم الخلطة الفنية الناجحة فيلمًا جماهيريًا بمعايير سينمائية عالية، حتى لو لم تحقق بعض أعماله النجاح التجارى المنشود فى وقتها.
من خلال سينما المخرج المؤلف فى ثمانية من أعماله التسعة قدم البطل الحائر المهزوم داخليًا وفى نفس الوقت يحاول أن يحقق شيئًا ما ويواجه العالم، ويظل فيلم الكيت كات أيقونة أفلامه، حيث شخصية الشيخ حسنى الأعمى، الذى يحاول أن يُجارى المبصرين بفكاهة وخفة دم تجعلك لا تكره الشيخ حسنى بل تتعاطف معه وتسامحه على ما يرتكب من أخطاء بسبب حماقته وتهوره.
هو ثورى فيما يقدمه لكن بهدوء العارف، فهو ابن الشارع المصرى والطبقة المتوسطة المصرية، خرج منها وعاش فيها وتأثر بها فحاول من خلال أفلامه أن يقدم الإنسان العادى بهمومه بعيدًا عن العبارات الزاعقة، والحوارات الرنانة.
نقطة تفوقه فى رأيى فى رسم صورة شديدة الشاعرية للمكان والزمان على الرغم من انتمائه لمدرسة الواقعية الجديدة فى السينما.
حى مثل الكيت كات، والذى تدور فيه أحداث الفيلم الذى يحمل نفس الاسم، من أحياء إمبابة قدمه بشكل شاعرى، بعيدًا عن الواقعية الفجة التى كانت ستقدمه بشكل فج وأكوام من القمامة.
رحل داود عبدالسيد فى نهاية هذا العام، تاركًا وراءه تسعة أفلام تخبرنا فى كل مرة بأن له تسع أرواح متجددة.




