كامبل.. فصل من رواية «الروزنامجى»
- الرواية أشبه بسجل قديم تظهر فيه الأسماء والتواريخ والأرقام بوضوح
- أنا مرسل إلى هنا من أجل مهمة مقدسة لا أستطيع التأخر أكثر من هذا
«فكتب إليه الروزنامجى أن الخراب استولى على كثير من البلاد، فلا يمكن تحصيل هذا الترتيب، فأرسل (الباشا) من المنصورة يأمر بتحرير العمار بدفتر مستقل، والخراب بدفتر مستقل، فلما فعل الروزنامجى ذلك أدخل فيها بلادًا بها بعض الرمق لتخلص من الفرضة، وفيها ما هو لنفسه، فلما وصلت إليه، أمر بتوزيع ذلك الخراب على أولاده وأتباعه وأغراضه، وعدتها مائة وستون بلدة، وأمر الروزنامجى بكتابة تقاسيطها بالأسماء التى عينها بها، فلم يمكن الروزنامجى أن يتلافى ذلك، فتظهر خيانته، ووزعت وارتفعت عن أصحابها».
تاريخ الجبرتى
«إن حكومة جلالة الملك راغبة فى إعادة ترميم وتحسين علاقتها بالباشا، ووضع حد لاعتماده الدائم والكُلى على الفرنسيين، ولأجل ذلك يُرجى موافاتنا بطبيعة البلاد ونشاطاتها، ومخططات الباشا للعمران والتوسع المقبلة».
قادوه داخل المبنى المصنوع من الصاج والمطل مباشرة على البحر، عبر كامبل، ترافقه اللجنة الطبية المسئولة عن سير العمل بالمحجر، عتبات قسم الموبوئين، وجد المرضى داخله ممددين فى صمت وعيونهم ترقب الموت وتتبعه، ساح الطاعون فى أجسادهم وفى الغرف وفى جدران المحجر، وملأ الطاقات الصغيرة المفتوحة على البحر، عاين كامبل الحمامات المخصصة لنزلاء المحجر، تابع مجرى الفضلات الهابط إلى الماء، استقبله الناس فى قسم المحتجزين المكتظ بأعداد غفيرة مختلفة الجنسيات، ومختلفة الأعمار بالصياح، اشتكوا له من طول مدة الاحتجاز وقسوة الانتظار، ومن تأخر وتعطيل أعمالهم ومصالحهم، خرج عجوز سبعينى العمر أصلع الرأس تمامًا وقصير القامة من بينهم وتقدم نحوه، تذمر الرجل السبعينى وهو يشتكى لكامبل من طول مدة احتجازه، أبدى اعتراضه وأسفه لأنه حتى الأطباء المتعلمين المهرة يتعاملون مع أوامر الرب بهذه الاستهانة والخفة، قال العجوز موجهًا كلامه إلى كامبل وإلى اللجنة:
- أنا مرسل إلى هنا من أجل مهمة مقدسة، لا أستطيع التأخر أكثر من هذا.
أخذ العجوز السبعينى خطوة إلى الأمام ووقف بين اللجنة الطبية وبين المعزولين، وزَّع نظراته على الجانبين وهو يقول:
- قولوا لنا: كم الوقت الذى سنبقى فيه محجوزين هنا؟ حددوا موعدًا، كم المدة التى يحتاجها الطاعون لتظهر أعراضه؟ أنا لا أستطيع أن أتحمل أن تبقى شعائر الرب وطقوسه معلقة إلى ما لا نهاية.
عرف رئيس اللجنة الطبية بمبنى الطاعون، كامبل بسكرتير البطريرق، رسم ابتسامة خفيفة متوترة وهو يعده:
- أسبوع آخر وترحل فى خدمة ربك أيها الأب، أسبوع آخر يمهلنا الرب فيه - من أجل حياة إنسان، ليس كثيرًا.
توسل سكرتير البطريرك إليهم أن يتركوه يمضى فى مهمته، انقضى أسبوع بعد أسبوع وهو لا يزال حبيس البيت الصفيح، يريد أن يضرب فى الأرض، أن يصل حيث أُمر قبل الميعاد، غضب السكرتير، صب لعناته على الأطباء الحمقى وهم يغادرون القسم، طالبهم بالانتظار حتى ينتهى من كلامه، هددهم أنه سيصلى للرب الآن وفى هذا المكان من أجل أن تنزل معجزته، وأن الغد سيأتى ولن يراه أحد منهم ولن يراهم، تحداهم وهو لا يزال واقفًا بين زملائه فى الحجز وبين اللجنة قائلًا:
الرب يخرجنى من هنا الليلة أيها الأطباء العجزة، الرب يخرجنى من هنا، لا أنتم.
قال بيقين وهو يتطلع للمحجوزين. أكد وهو يشير بسبابته إلى الأرض: الليلة.
من أين يأتى الطاعون؟ وكيف يختفى؟ كم المدة التى يبقى فيها الوباء كامنًا دون أن تظهر أعراضه؟ هناك أطباء يؤمنون بالعزل والتبخير فى الحد من انتشار الطاعون وتفاقمه، وآخرون يصرحون بعدم جدوى الأمرين وعبثيتهما، بود كامبل أن يشفع لسكرتير البطريرك ليخرج من الحجر، ويبلغ رسالته التى يظنها، لكن ماذا يفعل مع الآخرين، وما الذى جاء بهذا السكرتير من القدس إلى هنا وما الذى يجعله يضحى ويعاين كل هذه الأهوال والكوارث؟ من أين يأتى الطاعون؟
مشى كامبل فى شوارع الإسكندرية وهو يفكر فى الأسئلة المعلقة بلا إجابات، تأمل البيوت المغلقة والصامتة والأشجار، يا للوحشة التى تحتل المدينة، فتشت عيناه عن إنسان يكلمه، عن ناس، يريد أن يسمع الناس ويكلمهم، لكنه لم ير أحدًا؟! ساح فى شوارع المدينة دون أن يصادفه بشرى واحد، توقف عندما رأى الناس مجتمعة ومتحلقة حول المسجد، توجه إليهم، رأى أيديهم منصوبة فى تراخٍ على باب المسجد، وعلى طول جداره، أنصت لبعضهم وهم يدقون على الحلل التى يحملونها بحديد ويجأرون بالدعاء، انبعثت أصوات من داخل المسجد، انتبه الناس إلى وجوده، ميزوه من ملابسه ولون بشرته، أمروه أن يتشهد ويتوضأ قبل أن يدخل، فعل ذلك فى كيرالا بلا كره وإرغام، بلا طقوس، دخل حلقة الذكر وغادرها حسب هواه، داخل المسجد، وجد الناس واقفة ومتلاصقة فى حلقات ودوائر، رأى الدموع وسمع أنات الجزع، جلس فى مواجهة الشيخ الجالس مربعًا فى القبلة و يحمل فى حجره كتابًا قديمًا مهترئ الصفحات يقرأ منه، سأل كامبل نفسه لماذا تخاف الناس من الطاعون ولا تكترث بالموت؟!
توقف الشيخ عن القراءة، رفع الأذان واصطف كامبل معهم للصلاة، عادوا إلى فتح الكتاب وقراءته بحماس وتضرع بعدما فرغوا من صلاتهم، سأل كامبل الشيخ عن اسم الكتاب، وعرف أنه البخارى الصغير، لم يشعر كامبل بالراحة ولا بالسكينة التى أحسها فى كيرالا، انتقل إليه هلع الناس وفزعهم، رعب من أكفهم المفتوحة أمامهم ورعشتها واضطرابها، هده التعب وتعبت عيناه من الدوران وراء الحلقات، توقف يلتقط أنفاسه، حاول أن يجلس، دهسته الأقدام، وقعوا فوقه، خرج مذعورًا وهائجًا، ووجد حارسيه وقد لاذا بالجدار مع الناس، وأخذ مكانهما فى الدائرة التى كانت حول المسجد تضرب على الحلل بالحديد وتستغيث. لم يخرجهما مما هما فيه، ورجع لوحده وحيدًا إلى القصر.

جرت كاتى عليه عندما دخل القصر، وضع قُبلة على المكان الذى وضعت سبابتها عليه:
- احكِ لى عن البلاد التى خدمت بها.
لم يكن جاهزًا لاسترجاع الذكريات علانية، وكان الهول والفزع المرسومان على وجوه الناس فى المحجر وفى المسجد، يشعرانه بأن هذه الدنيا لا تستحق، لكن: «لو يهدأ قلبى ويمل من السؤال عن ليزا يا كاتى، إذن لذهبت بنفسى طواعية إلى الموت، المشكلة أننا نترك العالم قائمًا خلفنا ونرحل، لو أن العالم يأتى معنا إلى هناك، حيث قال محمد، أو قال موسى، أو قال الرب المصلوب، لا يهم على أى شىء سيكون الأمر هناك، المهم أن نكون ومن أحببنا معًا، أنا فى الجحيم يا كاتى، أنا فى الجحيم».
ومضى داخلًا فى الغرفة المخصصة له بعدما وعد كاتى بأنه ربما سيحكى لها ذكرياته فى وقت آخر .
غابت الشمس عن المدينة، بلع الليل النهار فى جوفه والتهمه كله، كانت دماغ كامبل وأفكاره موزعًة بين خوف الناس فى المحجر على الحياة وخوفهم فى المسجد من الطاعون، أخرج كامبل أوراق الطاعون وفحصها بتمعن مرة أخرى، هجمت الأسئلة على دماغه، لم ينم، إذا لم يعرف أحد كيف ينتقل الطاعون من شخص إلى آخر، فلن يتمكن الإنسان من السيطرة عليه، هذا المحجر لن يفيد شيئًا، نهض كامبل وطلب لقاء مسيت، وأخبره أنه سيرحل فى الصباح إلى القاهرة لمقابلة محمد على، لم يجب على مسيت حين سأله هل سيعود؟ وإلى أين سيمضى؟
دخل كامبل غرفته من جديد ومدد على الفراش وحوله كانت أوراق الطاعون مفرودة ومبعثرة، وتذكر كامبل وسط كل هذا اليأس والقنوط، اليقين الذى تحداهم به سكرتير البطريرك واستغرب.
فى المبنى الصفيح المخصص للطاعون، جلس سكرتير البطريرك مربعًا وصامتًا بعد رحيل اللجنة الطبية، اعتزل المحجوزين وبقى وحيدًا وصامتًا، لا يسأل أحدًا ولا يرد على أسئلة أحد، أجهد نفسه فى الصلاة والخشوع، ابتهل للرب كى ينزل معجزاته وتلين قلوب البشر الغليظة، أنهى صلاته ولف على الأسرة، لف على الأكواخ كلها واحدًا واحدًا، على خراف الرب وعلى غيرها، على هؤلاء الذين لا يؤمنون ولا يعترفون به وعلى المؤمنين أيضًا، دار على قسم المحجوزين، ثم انتقل إلى الناس الموبوءة، اقترب من آذانهم وهمس:
- لأنكم عصاة ومذنبون والرب يريدكم أن ترجعوا إلى حظيرته مرضتم، ارجعوا إلى حظيرة الرب يا أبناءه، آمنوا بالرب يَشْفِكُمْ!
أشار له بحار تركى أربعينى أن يقترب ويعطيه أذنه، بنظرة وحركة إصبع شرح البحار التركى للسكرتير خطورة الحالة:
- كلِّم الرب يا أبانا أن ينظر إلىَّ، لى أولاد هناك ولا أريد الموت فى هذه البلاد .
هز السكرتير رأسه بالموافقة، تنحنح وسأله عن سبب وقوع البلاء عليه، أطلعه البحار التركى على أمر العبدة السوداء التى دخل فيها عند دمنهور، قال له السكرتير:
- لو أطعت الرب ما وقعت الكارثة.
- وهل فعلت ذلك إلا إذعانًا للرغبة التى خلقها الرب.
- للرغبات طُرق حددها الرب.
- الرغبات تحدد طريقها أيها الأب.
قام السكرتير عنه آيسًا، وقبل أن يغادره، أمسك البحار طرف جلباب الأب وشده بقوة، أمره بالتوقف، جاهد حتى رفع عينيه والتقت بعين السكرتير:
- العبدة كانت تتردد على الدير لغسل ملابس الرهبان، وحملت الطاعون من هناك.
شد السكرتير طرف جلبابه فى غضب وابتعد، سقطت يد البحار على الأرض وخرس صوته إلى الأبد.
قال الأب وهو ينظر إلى الجثة:
- إن أولاد الرب لا يستأهلون الآلام التى تحمَّلها فوق صليبه، كل أبناء الرب عصاة ومذنبون، ولا يشكرونه.

فى الليل، كسا المحجر الظلام والوحشة، كان يقع بعيدًا عن البيوت والعمران، متروكًا فى العراء للريح والبحر، نام سكان البيت الصفيح ولم تنم أناتهم، كانت تعلو الوجوه والأجساد، بقى السكرتير ينتظر معجزته، لم ييأس، آمن أنه سيفعل، عرف أن الليل وقت المعجزات، أجهد جسده، ردد صلواته بيقين، غفا من كثرة التعب والإنهاك، سمع صوت الرب فى أذنه، يكلَّمه وحده:
- قم واخرج من الباب وبلغ الناس قرب قيامتى.
اذعن، حمل حقيبته فى يده، والمهمة المقدسة التى جاء من أجلها إلى مصر فى قلبه، واتجه نحو باب الخروج بلا تردد، سطع نور مصباح أمامه فجأة وسمع صوت الحرس وجلجلة ضحكاتهم، تابع الخطو فى طريق المغادرة، أمسك الحارس من الوراء، بكتفه فى قوة وأوقفه قائلًا:
- إلى أين تذهب؟
كانت يد الحارس تمسك بقارورة عرق حين قرب المصباح منه وعرفه، رفع القارورة وقربها من فم السكرتير:
- جئت تبحث عن الراحة التى لم تجدها فى الصلوات؟!
انكفأ بقية الحراس السكارى على وجوههم من الضحك، نهضوا تباعًا وتقدموا منه وتحلقوا حوله، كلَّمه حارس منهم بسخرية:
- هل استدعاك الرب ويريد مقابلتك على وجه السرعة؟
رد السكرتير بجدية:
إنه هكذا يا بُنى، زار البطريرك وأخبره أن قيامته قريبة، ويريد أن يرى أبناءه يقيمون الصلوات فى هذه اللحظة، اتركنى يا بُنى أمضى فى حالى، وسأُصلى من أجلك.
- صلِّ من أجل نفسك يا أبانا، أنا أُصلى...
قطع كلام الحارس التكريعة التى قفزت خارجة من جوفه، أراد أن يؤكد كلمته:
- أحيانًا، يا أبانا، أحيانًا أُصلى الجمعة.
أدخل السكرتير يده فى جيبه ومدها إليهم بعقد يتلألأ بريقه تحت نور المصابيح :
- خذوا هذه؛ قلادة القديسة هيلانا التى أغرقتها دموعها المقدسة حين صُلبت، سترافقكم بركاتها.
- «أتستقردنا» أيها الأب؟! أتظن أننا جئنا من الأناضول نحمل أرواحنا على أكفنا حتى هنا لنأخذ مثل هذه القلادات؟! نريد أموالًا نأكل بها ونشرب العرق، ونشترى العبيد، ونعاقر الغلمان، هل جربت مضاجعة الغلمان فى الأديرة؟
سأله حارس آخر، وأتبع قائلًا:
- أمعك أموال يا أبانا فى هذه الحقيبة؟
أخرج السكرتير أكياس النقود من حقيبته، نثرها تحت أقدامهم:
- خذوها يا بُنى، خذوها كلها لكم.
سقطت القوارير من أيدى بعض الحراس متهشمة، دعكوا عيونهم وجاهدوا لفتحها عن آخرها، رأوا عملات نقدية بحجم العالم، كان السكرتير قد جمعها فى رحلته من القدس إلى مصر كمساعدات للرب، ظهر الإسلامبولى الجديد، والجنيه الإنجليزى، والريال الإسبانى أبو مدفع، والريال الأمريكى، والبندقى، والمجرى، والخمسة فرنكات، والونتو الفرنسى، دسوها فى جيوبهم وعبهم وهم يسحبون السكرتير إلى خارج المحجر ويدفعونه للتقدم: اذهب يا أبانا.
فتحوا له طريق الخروج واسعًا، قالوا له وهم يدفعونه دفعًا للإسراع بالخروج والهرب: اذهب يا أبانا، تقدم بلا إبطاء، بلغ الناس ما أراده الرب وما شاءه، تقدم وإياك أن تبقى فى الإسكندرية حتى الصباح، لو سألنا الأطباء عنك فسنقول: إنه ظل يصلى للرب حتى صعد.
الشمس مشرقة على القصر وعلى الأشجار الخضراء وعلى الزرع وعلى الحشائش التى تحيط به، وخارج القصر زفر الحصان المعد والمتأهب للسفر والرحلة زفرة حارة تناثر رزازه على إثرها لأمتار، فى بهو القصر حمس كامبل نفسه وتأهب للذهاب إلى آخر الطريق والرحلة مهما كان، نظر مسيت إليه نظرة أخيرة فاحصة، واستعصى عليه تحديد هدف الطبيب الصامت وبغيته، أعطاه الرسالة التى سيُسلمها إلى الرجل الذى ما كره أحدًا فى حياته مثله، الرجل الذى جعل خططه وطموحه السياسى فى مهب الريح والعواصف، أخرج مسيت، أيضًا، مسدسًا وحفنة من الطلقات ووضعها أمام كامبل على التربيزة: لا تتردد فى إطلاق الرصاص على أى خطر يتهددك، أعتقد أنه لا ينبغى تذكيرك بأن على المرء أن يدافع عن حياته.
مد مسيت يده نحو كامبل مودعًا بلا حرارة، وتحرك موكب المغادرة، تحركوا كلهم فى اتجاه الباب، أوصى مسيت الحرس ألا يدعوه حتى يركب المركب عند رشيد، اعتلى كامبل الحصان وهو يفكر فيها، يريد أن يسأل عنها ويخشى أن يزعج مضيفه، شد لجام الحصان وضغط بساقيه على بطنه وجاءه الصوت يدوى من خلفه،
- master cambel
توقف والتفت ونزل من فوق حصانه وتقدم نحوها، طفرت من عينيه فرحة حدوث الأشياء الصغيرة التى يحلم الإنسان بها، لولا هذه الأشياء الصغيرة ما واصل، وضع قُبلات على وجه كاترين، انتقل فمه على كل الأماكن التى اختارتها، أمسك بذراعيها وتأملها فى نظرة طويلة وعميقة، وقال بأسى وهو يتذكر قسوة الغياب:
- وداعًا.







