الروزنامجى.. وثيقة هشام البواردى الروائية
يفتتح هشام البواردى روايته: «الروزنامجى» بمقطع من «تاريخ الجبرتى: فكتب إليه الروزنامجى أن الخراب استولى على كثير من البلاد، فلا يمكن تحصيل هذا الترتيب، فأرسل الباشا من المنصورة يأمر بتحرير العمار بدفتر مستقل، والخراب بدفتر مستقل. «الرواية، ص6»

لن نتمكن من القطع على وجه اليقين بطبيعة ما فعله الروزنامجى، وذلك لكثافة المقطع وغربة السياق اللفظى للجبرتى؛ فما الذى يعنيه بـ: «وفيها ما هو لنفسه، فلما وصلت إليه أمر بتوزيع ذلك الخراب على أولاده وأتباعه وأغراضه، وعدّتها مئة وستون بلدة» هل يشير الجبرتى فى هذا السياق إلى الباشا؛ محمد على؟ أغلب الظن أن الأمر كذلك وأن الروزنامجى كان يريد أن يلعب لعبة يتحصل على مكاسب من خلالها، لكنه لمّا أمره الباشا- هكذا فهمت- «بكتابة تقاسيطها بالأسماء التى عيّنها بها، فلم يمكن للروزنامجى أن يتلافى ذلك، فتظهر خيانته، ووُزّعت وارتفعت عن أصحابها». هنا لا نفهم أيضًا ما طبيعة الخيانة المذكورة وما هى تفاصيلها؟ لكن عين المبدع وخيال الروائى قد التقطا هذا المقطع وبنيا عليه هذه البنية السردية؛ فالرواية إذن هى إجابة صانع العمل عن التساؤلات ومناطق الغموض المسكوت عنها فيما ذكره الجبرتى باقتضاب. من هنا فإن لها طابع الوثيقة مثلما لكتاب التاريخ؛ لكن الوثيقة هنا إبداعية ترتكز على دينامية الخيال.
الإطار الحكائى
ينفتح لنا السرد على عوالم مترامية ومصائر متشابكة، لكنه ينشئ هذه العوالم على مهل وبتركيز شديد. إذ نبدأ الفصل الأول «كامبل» بذلك المقطع الذى يبدو كأمر أو مهمة تم تكليف الطبيب كامبل بها من قبل حكومته: إن حكومة جلالة الملك راغبة فى إعادة ترميم وتحسين علاقتها بالباشا- محمد على- ووضع حد لاعتماده الدائم والكلى على الفرنسيين، ولأجل ذلك يرجى موافاتنا بطبيعة البلاد ونشاطاتها، ومخططات الباشا للعمران والتوسع المقبلة. «الرواية ص٧»
يمضى السرد بضمير راوٍ عليم متفاعل مع الشخصية المحكىّ عنها، لكنه لا يركز فى نبرته على تفصيل الموقف أو رسم المشهد أكثر مما يركز على ما يمور به باطن شخصيته المأزوم. وتظهر على الدوام بمضى السرد دوائر تتسع تدريجيًا لتشمل الجوانب الاجتماعية للحياة المصرية فى النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكيف أحكم محمد على قبضته على الحكم، بعد أن تخلص من المماليك. وشكل الحياة فى مجتمع زراعى، وكيف تتبدّى فى عيون الغريب؛ كامبل. تتشكل أيضًا دائرة وباء الطاعون واجتياحه التدريجى للقرى. وخلال رحلة كامبل من الحجر الصحى فى الإسكندرية إلى الدير على أطرافها مرورًا برحلته النيلية إلى قصر الباشا ولقائه به، ثم حمله تكليف الباشا بتسهيل مهمته فى أى أرض يطؤها، لا نفتقد الأجواء النفسية الكثيفة التى يغرق فيها كامبل. ثم تجرفنا الحكاية إلى قرية من قرى السنبلاوين؛ لتلتفت الفصول بعد ذلك إلى شخصيات القرية: حياة النفوس، دلال الحبشية، المتصاحبون. وينتهى السرد بفصل يحمل عنوان الرواية؛ الروزنامجى؛ ذلك الفصل الذى يبدأ بفقرة بضمير الأنا، على خلاف بقية سرد الرواية، وهى التى مطلعها: «لا أعرف على وجه اليقين كيف وقع تحت يدى هذا الدفتر الهائل...» «الرواية ص١٥٢».

وعلى الرغم من عنوان الفصل- الروزنامجى- فإنه من الصعب جدًا إحالة تلك الفقرة إليه. فسعيد الروزنامجى كشخصية فى الرواية انتهى أمره بالموت على يد حياة النفوس، وهو سبب أساسى للخراب المادى الذى حلَّ بالكفر نتيجة للعبث الإدارى، لذا فالترجيح هنا يميل إلى اعتبار وجود راوٍ يتخفى خلف صوت الراوى العليم؛ يعدّ نفسَه روزمانجيًا لحياة وتاريخ هذه القرية، وهو قد عثر على أوراق خلّفها كامبل: «... وكنت أريد أن أعرف متى بُنى هذا القصر الجميل، ومن هندسه وبناه، ومن سكنه وعاش فيه، وكيف كانت حياتهم، حتى وجدت نفسى أصطدم بهذه الأوراق...» الرواية ص١٥٢.
يتوجب هنا أن نوضح أن الإطار الحكائى أوسع بكثير مما ذكرنا؛ إذ يتوزع زمنيًا وجغرافيًا بشكل مثير. فكل شخصية أساسية مثل دلال الحبشية أو حياة النفوس يُخصَّص لسيرتها فى بُعدٍ زمنىٍّ عميق فصلٌ كامل، وهناك مجموعة أخرى من الشخصيات؛ وهم الذين جاءوا إلى الكفر لتعميره بعد قرار اعتباره خرابًا وسحب وثائق ملكية أراضيه ومنحها لأحد الباشاوات المقربين من الباشا الكبير، وهذه المجموعة يُطلق عليها الراوى: المتصاحبون «المِتْصاحبين بعاميتنا البليغة» وهذه المجموعة يقوم السرد بتفصيل جانب ليس ضئيلًا من سيرة كل منهم.

البنية وخصائص السرد
وتأسيسًا على ما ذكرنا، تشكّلت بنيةُ الرواية لتستطيع استيعاب هذا التشعّب. فحظيت كل شخصية رئيسية بفصل مستقل، وحظى شعب الكفر الجديد- المتصاحبين- بفصل مستقل. وحظى المؤلف الذى يرتدى قناع الراوى بالفصل الأخير الذى عنونه بالروزنامجى. وعلى ذلك هناك روزنامجى الجبرتى الذى تفتتح الرواية بمقطع عنه. وهناك روزنامجى البواردى الذى يتحدث عن نفسه بوضوح ودون لبس أو تداخل مع روزنامجى الجبرتى: «لقد كنتُ فى البداية مشغولًا بالبحث والتنقيب فى كتب التاريخ القديمة والحديثة عن قصر محفوظ الذى يقع فى مدخل قريتى» «الرواية ص١٥٢».. هنا نستطيع أن نربط بشكل أدق بين سياق السرد ونبرة الراوى وتبدّلاتها وبين إهداء هشام البواردى قبل الحكى: «إلى قريتى (ميت غراب) وإلى أجوارها من القرى والكفور والعزب».
إن الشخصيات صاحبة الفصول لا تلتقى بأى من المتصاحبين فى متن السرد داخل كل فصل خاص بها. فمثلًا دلال الحبشية لا تلتقى إلا بحياة النفوس فى فصل كل منهما بينما يأتى فصل الروزنامجى الأخير ليخلط الأوراق كلها بحلول كامبل فى الكفر، وكأنه يجمع أمام أعيننا كل خيوطه السردية.
لذا فإن شخصيات الرواية تم بناؤها وتشكيلها من أجل هدف تكوينى يضمر هدفًا دلاليًا ورسائلَ ظاهرة ومضمرة.
أما السرد فإنه ينبنى على لغة محكمة تميل فى معظم مقاطعها إلى تجسيد الروح المصرية ومفردات الحياة اليومية العادية -القروية منها على الأخص- كما تستخدم لغةُ الحوار عامية مصرية خالصة أحيانًا ومفصَّحة أحيانَا بطريقة تجذب القارئ إلى احتمالات مختلفة للأصل الفصيح للمفردة. مثل: أتستقردنا؟ هنا المتحدث يستهجن كلام الآخر ويتهمه باستغفاله باستخدام مفردة من عاميتنا الآن- إنت بتستكردنا؟- لكنه ردّها إلى أصلٍ فصيحٍ محتمل وهو: أتستقردنا «أتعتبرنا قرودًا؟»).
ومن الملامح التى تكشف عن قدرات هشام البواردى السردية وتسترعى الانتباه ملمحٌ يمكن أن نطلق عليه: طول النفَس. وسنعثر على هذا الملمح فى مشاهد عدة على مدار الرواية، لعل أبرزها مشهد مولد البدوى ووصول موكب وقافلة الكفر المحملة بالخيرات وتتقدّمها حياة النفوس. فالمشهد ضخم ومفعم بالتفاصيل التى تخص الحياة المصرية والتقاليد الريفية وتقاليد الموالد حصرًا. وهناك جزء كبير من فصل: دلال الحبشية يقدم صراعًا بين دلال والجلاب تنتصر فيه إرادةُ دلال فى النهاية. ويمكن اعتبار الفصل بأكمله دليلًا موثقًا على قدرات المبدع وطول نفَسه السردى.
أما الملمح الآخر فهو التراوح بين عين النملة وعين الطائر وافتقاد التوسط بينهما، فعلى مستوى عين الطائر نجد شخصية الطبيب كامبل المكلف من قبل حكومته بمهمة تكشف عن سعى بريطانيا لتوطيد علاقتها بالباشا محمد على ومحاولة التقليل من اعتماده على الفرنسيين؛ وهى رؤية واسعة تكشف عن طبيعة صراعات القوى فى تلك المرحلة من التاريخ، كذلك فإن تجربة كامبل الشخصية- زواجه وانفصاله وفقده لابنته ليزا- وتجربته الروحية فى الهند ومحاولته لاستعادتها فى مصر عبر اتصاله بشخصيات ومواقف ذات طابع دينى صوفى وريفى أيضًا، بالإضافة إلى تساؤلاته الفلسفية والوجودية، كل ذلك ينبع من تشكيل الرؤية بعين الطائر. أما الرؤية المقابلة فتتجسد كاملة فى فصل: المتصاحبون؛ حيث يكوّن السرد كتلا نصية كبيرة تخصّ هؤلاء المتصاحبين فردًا فردًِا، ونجد أنفسنا كقراء أمام مأزقهم الحياتى ومشكلاتهم الشخصية واليومية وصراعاتهم ونزعاتهم دون أن نلمّ بشكل كاف بالكيفية التى رمتهم الأقدار بها فى ذلك المكان -الكفر- ولا ما الذى حدث للكفر حتى تحول إلى الخراب- وكان عامرًا- نعم هناك إضاءات متفرقة ضعيفة هنا وهناك عن تقرير الروزنامجى والأوامر الفوقية التى صدرت والمالك الجديد- يكن باشا- لكن تركيز السرد ينصب على الحكى فى المساحات الصغيرة لكل شخصية، حتى يكاد الزمام يفلت من القارئ وتتعذر عليه المتابعة الدقيقة لخطوط الشخصيات.
وهناك ملمح الإفراط الحركى فى مواقف اشتباك الشخصيات والاغتصاب والقتل. وتستوى لهجة السرد فى التوازن بين البرودة والحرارة رغم تباين المشاهد، الأمر الذى يسرّب للقارئ على الدوام إحساسًا مريرًا بعادية كل شىء وانفتاح احتمالات الحياة على السلام والهدوء حينا وعلى العنف والفوضى والبشاعة أحيانًا أخرى.
أما الملمح الأخير البارز هنا فهو التوظيف الخاص للجنس، والقدرة على تجسيد التضاد البيانى- فى البلاغة- على شكل أحداث درامية حقيقية. فالمرأة المقهورة المهملة تتحول فى لحظة خاطفة إلى ذئب جائع ينقض على فريسته- الذكر- بينما هى فى الحقيقة ضحية ذلك الذكر: أم حياة النفوس ومصطفى الأغا، حياة النفوس ومحمد محفوظ، مريم الفرنساوية وكامبل. بالإضافة إلى تورط الأنثى المقهورة إلى حد القتل: مشهد قتل دلال الحبشية لمحفوظ وقبله للجلاب ومشهد قتل حياة النفوس للروزنامجى. ومشهد الاغتصاب فى الحقل؛ والذى يتحول إلى ارتباط وزواج- فصل المتصاحبين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشهد مريم الفرنساوية وكامبل فى القصر عندما طلبت منه الاتصال كان مشهدا فانتازيا بامتياز عكس مشاهد الجنس السابقة عليه؛ فقد زُرع المشهد فى لحظة كان فيها كامبل عائدًا من غيبوبة تامة وفى حالة أشبه بالهلوسة وكانت مريم ودلال تطببانه. بانت لحظة الجنس هنا- ثم تفصيلاتها بالمصطلحات الجنسية الحديثة وكأنها طفرة سردية جنونية خرج بها الراوى عن مألوفه ومال إلى كفة ذلك القابع خلف قناع الراوى؛ أى الروزنامجى الثانى المقابل لروزنامجى الجبرتى.
ينأى السرد عبر كل تلك الأحداث الخشنة والعنيفة عن التورط فى التوصيف القيمى والأخلاقى وحتى الدينى والاكتفاء بتقديم مشاهد الحياة كما رأتها عينُ الراوى وكما يجسدها وعيه الفلسفى بها.
الرسائل الواضحة والمضمرة
ينطوى النص السردى على عدد من الرسائل الظاهرة والأخرى المضمرة. فمن رسائله الظاهرة التعبير عن فساد البيروقراطية ومدى سلطة القلم- كيف يمكن لموظف مثل الروزنامجى أن يتحكم فى مصائر البلاد والعباد عبر دفاتر الخراب والعمار تحقيقًا لمنافع شخصية أو تنفيذًا لرغبات الحاكم. ومن الرسائل الظاهرة أيضًا تجسيد مأساة المرأة فى ظل السلطة الذكورية؛ للأب والزوج فى حالة حياة النفوس وللجلابين ومالكى العبيد فى حالة دلال الحبشية. كما يكشف عن أن بناء الدولة الحديثة فى عصر محمد على كان قائمًا على عاتق الفلاحين المقهورين عبر الضرائب الباهظة، وأن ذلك البناء لم يكن فى أى وقت بمنأى عن تدخل الإمبراطوريتين الكبيرتين: بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تتصارعان على النفوذ والمعلومات الاستخباراتية تحت غطاء البحث العلمى أو الدبلوماسية.
أما الرسائل المضمرة - وإن لم تكن منفصلة تمامًا عن الأخرى الظاهرة- فهى: الإشارة الخفية إلى الحالة القدرية ممثلة فى الروزنامجى- روزنامجى الجبرتى- وكأن يدَ هذا الرجل هى القدر الذى يخط المصائر.
أيضا يبنى السرد لوحاتٍ خفيةً تضمر رسائل مضادة لما تجسده فى الظاهر؛ فالعمار الذى تروّج له سلطة الباشا هو فى عمقه خراب يحلّ بالفلاحين المصريين لأنه متأسس على الظلم والقهر. بينما الخراب الممثل فى البلدات التى صُنفت خرابًا وبارت تربتُها يتحول إلى ملاذ وملتجأ للمتصاحبين الذين ينجحون فى إصلاح الأرض وتخصيبها وتحويل القرى- عبر حرفهم المختلفة- إلى عمار حقيقى.
ومن الرسائل المضمرة أيضًا أن السؤال الوجودى لكل شخصيات الرواية وعلى رأسهم كامبل يظل معلقًا. الأمر الذى يحيل إلى حياتنا الراهنة الموصولة بحيوات الذين سبقونا هنا أو على أى أرض أخرى.
الرواية إذن أشبه بسجل قديم، تظهر فيه الأسماء والتواريخ والأرقام بوضوح؛ أما الذى فى الخلفية البعيدة فهو الحبر الباهت وآثار الدموع على حواف كل ورقة، وأشباح كل الذين مضوا وبادوا من أجل أن يظلّ السجلّ قائمًا، تتوالى ورقاته ولا تنتهى.
مركز الثقل فى السرد
تكمن سهولة القراءة فى توافر الإطار الحكائى وثرائه، ونجاح السرد فى توفير حالة من اللهاث لدى القارئ ليتابع زخم الأحداث، عبر توفير خيوط واضحة للمتابعة والتشويق. كما أن ميل الراوى لاستخدام لغة حسية واضحة تتسم بالوصف الدقيق للأجواء التاريخية يسهم فى تعبيد القراءة.
أما الصعوبة فهى تكمن فى المستوى المعرفى أو الفلسفى، وفى ثقل القضايا التى يطرحها السرد، حيث تتداخل الوقائع التاريخية الموثقة بالخيال الروائى الجامح لتخلق حالة من الحيرة الفلسفية والأسئلة الوجودية التى تظل معلقة بلا محاولة للإجابة. ويمثل سؤال كامبل المستمر عن الوباء وكيف يحدث وينتشر وكيف ينحسر تجسيدًا لهذه الحيرة المعرفية المرتبطة بمستوى العلوم التجريبية فى العالم زمنَ الرواية. ومن الأسئلة المعرفية تنبثق الأسئلة الكبرى حول وجود الله فى مقابلة مع فوضى الوجود الإنسانى وحول جدوى الحياة فى مقابلة مع الموت المتتابع.
وإذا كان الثقل المكانى فى السرد يتمثل فى كفر محفوظ الذى تتقاطع فيه المسارات المتباعدة، فإن الثقل الخفىَّ للسرد يتمثل فى الموجات التى تضطرم فى أعماق نهر يبدو على السطح هادئًا فى جريانه، لكن تلك التيارات العميقة حُبلى بالأسئلة والتفاصيل التاريخية التى تمنح النص ثقله الحقيقى.
عن خصوصية الرواية
فى نصوصٍ أخرى يبدو الأجنبىّ رايةَ الخلاص لشعبٍ تفتحت عيناه على الحضارة الغربية الحديثة للمرة الأولى فى تاريخه. وبدا ذلك جريا مع تيار التدوين التاريخى الذى عمّق تلك المقولة. بينما يجسد السردُ هنا «كامبل» كإنسان عادى على الرغم من تأهيله العلمى وتجربته الحياتية العريضة. يبدو حائرًا ومشتتًا وشاكًا فى قدراته. كما أنه يسائل نفسه باستمرار ويعاين ويفحص ويجرب ويفشل. السرد يجسد لنا بوضوح أن التقدم الحضارى البطىء تجمعت خيوطه عبر تفاعلات كثيرة لا يحتل الأجنبى فيها بالضرورة موقع المركز. كما يكشف عن قدرة الدوال الإنسانية- الشخصيات- على تكوين تمثيلات بليغة للخطوط الكبرى التى تتحكم فى الأقدار والمصائر.
كما أن لغة السرد الروائى هنا لا تثبت على حال واحدة، بل تتميز بدينامية وتنقّل حرّ بين مستوى الشعرية ومستوى الوصف المحض ومستوى التعبير عن الحركة العنيفة والمواقف المتفجرة، مع استبطان اللغة اليومية المتصوَّرة بدقة عن العصر بمفرداتها التاريخية والريفية القائمة بيننا اليوم. هذه العناصر- البنيوى منها واللغوى- منحت النص قيمة جمالية حقة، يمكن أن نعتبره معها نصًا مختلفًا وفريدًا.

