الثلاثاء 20 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

دولة المصحف.. القرآن الكريم بتوقيع مصرى

حرف

- الدولة المصرية أعادت للتلاوة هيبتها مرة أخرى

حين أطلق الأزهر الشريف مشروع تسجيل القرآن الكريم بالقراءات العشر، لم يكن ذلك مجرد إنجاز دينى تقنى، ولا خطوة مؤسسية محدودة الأثر، بل كان حدثًا ثقافيًا بالغ الدلالة أعاد لمصر موقعها التاريخى بوصفها دولة التلاوة. فقد أعاد هذا المشروع الاعتبار للتلاوة باعتبارها علمًا له أصوله وضوابطه وسنده المتصل، لا مجرد أداء صوتى خاضع للأذواق الفردية أو لمنطق المنصات الرقمية. وباستعادة القراءات العشر فى عمل مؤسسى منضبط، استعاد الأزهر هيبة الصوت القرآنى، وأعاد إلى المجال العام ذلك الوقار الذى شكّل قرونًا طويلة سمة القراءة المصرية للقرآن، حيث كانت التلاوة تعبيرًا عن معرفة راسخة وخشوع عميق، لا استعراضًا ولا تنافسًا.

إن التاريخ الثقافى لا يقبل أنصاف الاستعادات. فكما أن للنص صوتًا، فإن له جسدًا ماديًا هو المصحف، وكما أن للأداء هيبة، فإن للصفحة هيبة موازية لا تقل أثرًا فى تشكيل تجربة التلقى. ومصر التى نجحت، عبر الأزهر، فى إعادة تأسيس دولة التلاوة، لا يمكن أن تكتفى بحراسة الصوت وحده، بينما يظل الكتاب ذاته، فى صورته المادية والبصرية، خارج أى رؤية ثقافية وطنية جامعة. فالتلاوة والكتابة فى التجربة الإسلامية وجهان لرسالة واحدة، وإذا كان الأزهر قد أعاد ضبط أحدهما، فإن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض استعادة الآخر.

لم تكن مصر يومًا مجرد بلد يتلو القرآن، بل كانت، فى مراحل حاسمة من تاريخها، دولة المصحف بامتياز. فمن القاهرة الفاطمية إلى القاهرة المملوكية، تبلورت تقاليد رفيعة فى كتابة المصحف وزخرفته وضبطه وتقسيمه وتوقيفه، حتى صارت المدينة عاصمة عالمية لصناعة الكتاب القرآنى. لم يكن المصحف المملوكى مجرد نص مكتوب، بل عملًا مركبًا يجمع بين الخط والهندسة واللون والفراغ فى نظام بصرى صارم، يهيئ القارئ نفسيًا وروحيًا لتلقى الوحى. ولهذا احتفظ المصحف المملوكى بشخصية متفردة بين مصاحف العالم الإسلامى، شخصية لا تخطئها العين ولا يخطئها الإحساس.

واللافت أن تميّز المصحف المملوكى لا يكمن فى زخرفته وحدها، بل فى الأثر النفسى العميق الذى يتركه. فقراءة القرآن من مصحف مملوكى، بامتزاجه المدهش بين الأزرق والذهبى، وبصرامة تكوينه الهندسى، وبهيبة فراغاته المحسوبة، تختلف جذريًا فى شعورها عن القراءة من مصحف مطبوع عادى أو من نسخة رقمية. الكلمات واحدة، والآيات واحدة، لكن الاستعداد النفسى للتلقى ليس واحدًا. لقد أدرك صُنّاع المصحف فى القاهرة المملوكية أن الجمال ليس زينة خارجية للنص المقدس، بل جزء من بنيته الروحية، وأن الصفحة الجميلة تُسهم فى الخشوع بقدر ما يُسهم الصوت الجميل.

ويبلغ هذا الوعى ذروته فى واحد من أقدم المصاحف المملوكية المعروفة فى العالم، المحفوظ اليوم بالمكتبة الوطنية البريطانية، وهو مصحف فريد قُسّم إلى أسباع، يتقدّم كل سبعٍ منه صفحتان مذهبتان كاملتان كُتب فيهما ترتيب السبع وتسلسله، فى تقليد بصرى ووظيفى بالغ الدقة. وتنبع أهمية هذا المصحف لا من قِدمه فحسب، بل من نسبته إلى الأمير الظاهر بيبرس البندقدارى قبل تولّيه السلطنة، بما يجعلنا أمام لحظة تأسيسية يتقاطع فيها المصحف مع تشكّل السلطة وبناء الشرعية السياسية فى العصر المملوكى المبكر. ويؤرّخ نص داخلى بالغ الدلالة لهذا العمل جاء فيه أمر بكتابة هذا السبع الشريف وأخوته المقر الكريم العالى المولوى المخدومى المولوى الركنى أعز الله نصره أستاذ الدار العالية وكتب محمد بن الوحيد حامدًا لله ومصلّيًا على نبيّه ومسلّمًا

ولا يعكس هذا النص اسم الآمر بالكتابة أو الناسخ المتعبد فحسب، بل يكشف بوضوح أن كتابة المصحف كانت فعل دولة ومشروعًا مؤسسيًا، يتداخل فيه الوقف والرعاية السياسية والتنظيم المعرفى والتقسيم التعليمى للنص. فالسبع هنا ليس تقسيمًا شكليًا، بل أداة قراءة وتلقٍّ، تُيسّر الحفظ والتلاوة، وتربط المصحف بالزمن اليومى والطقس التعبدى، وتؤكد أن المصحف كان جزءًا حيًا من بنية المجتمع، لا كتابًا معزولًا فى خزائن.

ولم تتوقف هذه المدرسة القاهرية عند لحظة التأسيس، بل بلغت ذروة نضجها فى مصاحف الوقف الكبرى التى أُنتجت فى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى، وفى مقدّمتها المصحف الشريف الذى كان وقفًا على خانقاه السلطان فرج بن برقوق بالقرافة، والمحفوظ اليوم بالمكتبة البريطانية. وقد كُتب هذا المصحف بالخط الريحانى، ذلك الخط العربى الرشيق الذى تطول فيه الألفات واللامات كأعواد الريحان، والذى طوّر قواعده وضبط موازينه الخطاط الكبير ابن البواب، ليصبح أحد أرقى الخطوط القرآنية فى تاريخ الإسلام.

ويتميّز هذا المصحف بدرجة عالية من الإتقان فى امتزاج الأزرق بالذهبى فى غرره وصفحاته الافتتاحية، فى بناء بصرى بالغ الانضباط، لا يهدف إلى الإبهار الزخرفى بقدر ما يسعى إلى تهذيب عين القارئ وتدريبه على السكينة قبل الدخول إلى النص. فهنا لا تعمل الزخرفة بوصفها إطارًا خارجيًا، بل بوصفها جزءًا من نظام القراءة ذاته، حيث تقود الصفحة القارئ روحيًا، كما تقوده الآيات معنويًا.

ودلالة هذا المصحف لا تكمن فى جماله وحده، بل فى كونه مصحف وقفٍ، مرتبطًا بخانقاه صوفية، أى أنه كان جزءًا من ممارسة يومية للذكر والتلاوة والتعليم، لا أثرًا معزولًا للنخبة. وهو ما يؤكد أن المصحف فى التجربة المصرية المملوكية لم يكن كتابًا للعرض أو الحفظ فحسب، بل عنصرًا حيًا فى نسيج العبادة والتربية، وجزءًا من منظومة ثقافية متكاملة ربطت بين الدولة والوقف، وبين الفن والدين، وبين الجمال والمعرفة.

وأن يوجد هذا المصحف اليوم خارج مصر، ضمن مقتنيات واحدة من أهم المكتبات الوطنية فى العالم، لا يُعد دليلًا على غياب الدور المصرى، بل شاهدًا على عمقه وتأثيره. فالمكتبات والمتاحف الكبرى لا تقتنى هذه المصاحف بوصفها مخطوطات دينية فحسب، بل باعتبارها وثائق تأسيسية فى تاريخ فن الكتاب، ونماذج عليا لمدرسة قاهرية كانت، فى عصرها، المرجع الأعلى فى كتابة المصحف الشريف. غير أن هذا الاعتراف العالمى يضعنا، فى المقابل، أمام سؤال داخلى لا يمكن تجاهله: لماذا تحوّلت هذه المصاحف إلى تراث محفوظ فى الخارج، بدل أن تكون مرجعًا حيًا تستلهمه الدولة المصرية اليوم فى رؤيتها الثقافية المعاصرة؟

لقد أدّت سياسات القرن التاسع عشر، وسوء فهم الدولة الحديثة المبكرة لقيمة الآثار الإسلامية، إلى نزيف واسع فى التراث القرآنى المادى، فخرجت المصاحف، أو خرجت جلودها وزخارفها، بينما بقى النص مجرّدًا من سياقه الجمالى. وهكذا نجحت المتاحف الأوروبية فى تكوين مجموعات مذهلة من المصاحف المصرية، لا لأنها أنتجتها، بل لأنها أدركت قيمتها الفنية والحضارية فى وقت لم يكن هذا الإدراك حاضرًا بالقدر نفسه فى الداخل.

غير أن اللحظة الراهنة تختلف جذريًا. فإدراج فن الخط العربى على قائمة اليونسكو للتراث الثقافى غير المادى، بمشاركة مصر ضمن ملف عربى مشترك، لا ينبغى أن يُقرأ بوصفه احتفاءً شكليًا، بل باعتباره تكليفًا حضاريًا. فالخط العربى لا يعيش فى فراغ، وذروة تجلّيه التاريخى كانت فى المصحف الشريف، حيث التقت القداسة بالجمال، والعلم بالفن، والنص بالعمارة البصرية للصفحة.

من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إدراج المصحف ضمن رؤية ثقافية شاملة للدولة المصرية، لا باعتباره منتجًا دينيًا فحسب، بل بوصفه مشروعًا ثقافيًا وسياديًا يعكس هوية مصر ودورها الحضارى فى العالمين العربى والإسلامى. فكما أعاد الأزهر بناء دولة التلاوة عبر مشروع القراءات العشر، فإن المرحلة الراهنة تتطلب استعادة دولة الطباعة والقراءة، من خلال مشروع وطنى متكامل لصناعة المصحف الشريف تحت إشراف أزهرى علمى وفنى.

ولا يقف هذا التصور عند حدود الطرح النظرى، بل يجد ترجمته العملية اليوم داخل أروقة الأزهر الشريف نفسه، حيث يجرى العمل فعليًا على كتابة مصحف الأزهر الشريف فى مشهد يعيد إلى الأذهان ورش كتابة المصاحف الكبرى فى القاهرة المملوكية. فقد نُظّمت مسابقة علمية وفنية شارك فيها ثلاثون خطاطًا مصريًا، كتب كل واحد منهم جزءًا كاملًا من المصحف خلال شهرين، تحت إشراف لجنة تحكيم متخصصة ضمّت نخبة من كبار الخطاطين وأعضاء لجنة مراجعة المصحف بالأزهر، وعلى رأسهم فضيلة الدكتور عبدالكريم صالح، رئيس لجنة مراجعة المصحف، وفضيلة الشيخ حسن عبدالنبى، وكيل اللجنة.

ولم تكن هذه المسابقة استعراضية، بل تأسست على معايير دقيقة تجمع بين سلامة الرسم العثمانى، وانضباط الميزان الخطى، وجمال التكوين البصرى. وقد أسفرت عن فوز الخطاط المصرى محمود السحلى، من مدينة طنطا، بالمركز الأول، ليُكلَّف بكتابة المصحف كاملًا، وهو ما يجرى تنفيذه حاليًا تحت المراجعة الدقيقة للجنة المختصة. وفى هذا السياق، يكتسب مشهد مراجعة الشيخ حسن عبدالنبى للجزء الأول من المصحف دلالة رمزية بالغة: فالمصحف يُكتب اليوم باليد المصرية، ويُراجع بالعين الأزهرية، ويُصاغ داخل مؤسسة حملت، عبر قرون، مسئولية صون النص القرآنى.

وبذلك يتحول مصحف الأزهر الشريف من فكرة مطروحة إلى مشروع ثقافى حى، يجمع بين الخطاطين والعلماء ولجان المراجعة، ويعيد الاعتبار لفكرة أن المصحف يُكتب كما يُتلى: فى حضرة العلم، وتحت رقابة الضبط، وبوعى كامل بثقل المسئولية الحضارية.

إن استعادة صناعة المصحف فى إطار رؤية الدولة الثقافية تعنى إعادة الاعتبار لفكرة أن المصحف ليس سلعة تجارية، بل مكوّن من مكوّنات الهوية. وتعنى كذلك أن الطباعة الحديثة، بما تتيحه من إمكانات تقنية، يمكن أن تُطوَّع لخدمة تقليد جمالى عريق، لا لطمسه أو تسطيحه. فالمسألة هنا ليست عودة حرفية إلى المصحف المملوكى، بل استلهام روحه ومنهجه الجمالى فى إنتاج مصاحف معاصرة تُراعى حاجات التعليم والتلقى فى زمن مختلف، دون التفريط فى الوقار والجمال.

وفى عالم تتنافس فيه الدول على بناء قوتها الناعمة، تبدو استعادة ريادة مصر فى كتابة المصحف جزءًا أصيلًا من معركة الهوية الثقافية. فالقوة الناعمة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمشروعات التى تربط الماضى بالحاضر، وتجعل من التراث موردًا حيًا للفعل الثقافى المعاصر. ومصر، التى يشهد لها العالم بتراثها القرآنى، وبمصحفها المملوكى، وبطبعة القاهرة، وبمدرسة التلاوة الأزهرية، تمتلك كل المقومات التى تؤهلها لأن تعود مرجعًا، لا فى الصوت وحده، بل فى الكتاب أيضًا.

إن إدراج مشروع مصحف الأزهر الشريف ضمن الرؤية الثقافية للدولة ليس عودة رومانسية إلى الماضى، بل استثمار واعٍ فيه. فالتاريخ، حين يُستعاد بعقل مؤسسى ورؤية مستقبلية، يتحول من عبء إلى طاقة. ومصر، التى أعادت للتلاوة هيبتها، مطالبة اليوم بأن تعيد للمصحف جماله، لتؤكد مرة أخرى أنها ليست فقط دولة التلاوة، بل دولة المصحف والطباعة والقراءة، ودولة قادرة على أن تقود، لا أن تلحق.