السبت 07 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

المغرب.. سعيد يقطين: النقاد يتعاملون مع الأعمال بخلفياتهم الفكرية أو السياسية

سعيد يقطين
سعيد يقطين

- معرض القاهرة متميز عن كثير من المعارض العربية على مستوى البنية التحتية والتنظيم والتجهيز 

يُعدّ سعيد يقطين واحدًا من أبرز الوجوه العربية فى ساحة النقد الأدبى، وأحد أهم المنظرين لمفهوم الأدب الرقمى، ومن المؤسسين لروابط اتحاد الكتّاب الرقمية. 

وعُرف الناقد المغربى سعيد يقطين باهتماماته البحثية والأكاديمية فى مجال السرديات العربية، حيث حلل مفاهيمها وتتبع مكوناتها فى النصوص القديمة والحديثة، مقدّمًا إسهامات راسخة فى تطوير هذا الحقل النقدى. 

وأثرى «يقطين» المكتبة العربية بعدد من المؤلفات المهمة، منها: «القراءة والتجربة»، و«تحليل الخطاب الروائى»، و«انفتاح النص الروائى»، و«الرواية والتراث السردى»، و«ذخيرة العجائب»، و«الكلام والخبر».

وفى مشاركته بندوة «نجيب محفوظ» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، قدّم «يقطين» رؤية نقدية ومنهجية مختلفة، ركّز فيها على البنية العميقة لمشروع محفوظ وموقعه فى الأدب العالمى.

وعلى هامش هذه المشاركة، أجرت «الدستور» حوارًا مع سعيد يقطين، تحدّث فيه عن رؤيته لتجربة نجيب محفوظ، وعن النقد والمشهد الثقافى العربى الراهن.

■ كيف كانت زيارتك التى تعد الأولى لمعرض القاهرة للكتاب؟

- هذا الفضاء الجديد للمعرض أزوره لأول مرة، وبمقارنته بالمكان الذى كان يُقام فيه سابقًا، فالفارق شاسع جدًا. بدا لى أنه بالفعل معرض من طراز رفيع، متميز عن كثير من المعارض العربية التى زرتها، سواء على مستوى بنيته التحتية أو إمكانيات التنظيم والتجهيز.

هذا بالإضافة، بالطبع، إلى الجمهور الذى حضر من كل الأجيال. ومن خلال زيارتى للعديد من الأجنحة والأروقة، بدا واضحًا أن هناك إقبالًا متزايدًا، وهو أمر لا أستغربه، فالقارئ المصرى قارئ متميز، نَهِم، ومحب كبير للكتاب.

■ حددت محاور رئيسية لتجربة الكتابة عند نجيب محفوظ.. ماذا عنها؟

- نجيب محفوظ، منذ أن بدأ الكتابة، كان لديه مشروع سردى واضح، عمل على تطويره وتحويره، وجعله مواكبًا لسيرورة تطوره هو أولًا، وتطور المجتمع المصرى والعربى ثانيًا. وأنا أعتبر هذا المشروع دليلًا قاطعًا على إبداعية المبدع الحقيقى؛ فالمبدع، فى رأيى، لا بد أن يمتلك مشروعًا إبداعيًا، تمامًا كما نقول عن العالم إنه يمتلك مشروعًا فى البحث العلمى.

ونجيب محفوظ كان يمتلك هذا المشروع، وأساسه أنه كان صاحب خلفية فلسفية وإعلامية فى آن واحد. هاتان الخلفيتان أسهمتا فى تكوين رؤية معرفية واضحة لديه، على المستويات الفكرية والفلسفية والثقافية، إضافة إلى وعيه ومتابعته الدقيقة لما يجرى فى الواقع اليومى. وأسهم عمله الصحفى فى جعله متتبعًا ومواكبًا لتحولات الواقع، فاجتمعت هاتان الخلفيتان ليمنحا مشروعه السردى خصوصيته.

وتبرز هذه الخصوصية فى المحور الثانى لمشروعه، الذى سميته «تحقيب التاريخ السردى عند نجيب محفوظ»، حيث يظهر لى أنه كان يطمح إلى كتابة تاريخ مصر منذ الفراعنة إلى العصر الحديث. صحيح أنه توقف عن الرواية التاريخية بعد ثلاثيته الفرعونية، لكنه اندمج فى الواقع المصرى، وواكب تحولات المجتمع وكتب عن مختلف الأجيال.

وظل يعمل باستمرار على تطوير مشروعه السردى من خلال إنتاجه المتراكم والمتطور، وهو ما نلاحظه أيضًا فى مسألة الأنواع الروائية؛ فمشروعه وتاريخ كتابته جعلا رواياته تتعدد من حيث الأنواع: الرواية التاريخية، والواقعية، والرمزية، والعجائبية، والرواية القصيرة، والمتوسطة، والطويلة. وهذه التعددية دليل واضح على تحول دائم فى تجربته.

وفى كل رواية كان يضعها ضمن إطار نوعى محدد، فالرواية القصيرة لها خصائصها المختلفة عن المتوسطة والطويلة. وبفضل خصوصية تجربته، كان قادرًا على الإبداع فى كل نوع، سواء اتصل ذلك بالتاريخ، أو بالواقع، أو بالرواية البوليسية، أو بالعجائبية فى أبعادها التاريخية والخيالية.

■ هل غيّرت جائزة نوبل طريقة قراءة نجيب محفوظ أو النظر إليه؟

- نجيب محفوظ قبل «نوبل» هو نفسه نجيب محفوظ بعدها، من حيث استمرارية مشروعه. صحيح أن الجائزة منحته دفعة مختلفة من حيث الانتشار والاهتمام العالمى، لكنها فى الوقت نفسه تؤكد أن مساره الإبداعى قبل الجائزة كان كافيًا لأن يستحق هذه المكانة، حتى لو لم يحصل عليها.

■ هل ظلم نجيب محفوظ أبناء جيله أو الأجيال التى تلته؟

- لا، على العكس. أعتبر نجيب محفوظ أبًا للأجيال اللاحقة أيضًا. فرغم استمرار تأثيره، فإنه استفاد بدوره من الأجيال التى جاءت بعده، وحاول مواكبتها والسير على منوالها بطريقته الخاصة، مستفيدًا من تاريخه وخبرته.

ونجيب محفوظ هو ابن ما يمكن تسميته بالعصر السردى الذى بدأ مع بدايات الرواية العربية، وامتد حتى خمسينيات القرن الماضى. وهو عصر تشكّل من الرواية المترجمة، والرواية الكلاسيكية الغربية، والإبداعات العربية المبكرة فى مصر وبلاد الشام، إضافة إلى التأثيرات الغربية. ثم جاءت طفرة الرواية فى الستينيات والسبعينيات، وكان له فيها إسهام متميز، أثر بدوره فى الأجيال اللاحقة، سواء التى حاولت تجاوزه أو التى كانت امتدادًا له.

ورغم محاولات أجيال جديدة الخروج من معطف نجيب محفوظ، فإن محفوظ ظل حاضرًا، متجاوزًا كثيرين سبقوه، بحكم أن تلك البدايات كانت هى أرضيته الأولى. لذلك فإن إعادة قراءة نجيب محفوظ قراءات جديدة يمكن أن تمنحنا رؤى مستقبلية للسرد العربى الحديث، وتؤكد مكانته كروائى كلاسيكى بالمعنى الإيجابى للكلمة؛ أى الذى أسّس القواعد حتى وإن تجاوزناها لاحقًا.

فنحن أمام سرد منبثق من تجربة تاريخية، نجيب محفوظ ابنها، وابن أجيال سبقته، وصارت من بعده أجيال جديدة تواصل تجربته. واستمرار هذه التجربة يتحقق من خلال مثل هذه الجلسات، ومن خلال الدراسات الأكاديمية التى تعيد طرح أسئلتها، ليس فقط عن نجيب محفوظ، بل عن العصر الذى عاش فيه، وعبر مختلف منجزاته.

ويبدو أن هذا هو الرهان الحقيقى لتطوير سردنا العربى، بوصفه جزءًا أساسيًا من رسالتنا الثقافية، التى نعبّر من خلالها عن واقعنا، ونسعى بها إلى بناء عالم سردى خاص بنا، حاضر ومؤثر فى خريطة السرد العالمى.

والقول بأن الرواية العربية توقفت عند نجيب محفوظ قول غير صحيح. فالرواية العربية الحديثة شهدت اهتمامًا كبيرًا بما عُرف بـ«الرواية العربية الجديدة» أو التجريبية، التى ظهرت منذ الستينيات واستمرت حتى التسعينيات، ليس فقط فى مصر، بل فى مختلف أقطار الوطن العربى. وهذه الرواية الجديدة كان لها تأثير واسع فى الأجيال اللاحقة.

■ أنت مهتم كثيرًا باللغة، وكتاباتك النقدية المنشورة فى الصحافة إلى جانب دراساتك الأكاديمية تشهد بذلك. هل ترى أن نجيب محفوظ قد طوّر اللغة الروائية أو جدّد فيها؟

- نجيب محفوظ، كان مختلفًا عن كثير من معاصريه. واعتمدت لغته الروائية على الإيجاز، والوضوح، والسلاسة. لم تكن لغته مُتكلفة، بل كانت أقرب إلى اللغة الصحفية التى كتب بها كبار الكتّاب. حتى فى الحوارات، كانت لغة شخصياته عربية بسيطة وواضحة، ولم يكن يوظف العامية بشكل مباشر، كما فعل بعض الروائيين، وهو ما جعل نصوصه أكثر قابلية للتلقى خارج السياق المصرى.

■ كيف تنظر إلى الدعوات التى تطالب بالكتابة بالعامية فى الرواية أو القصة؟

- أعتبر أن الكتابة أنواع أدبية، ولكل نوع لغته. الرواية لغتها هى اللغة الكتابية، أما العامية فهى لغة الشفاهة. فإذا كتب أحدهم رواية بالعامية، فهل يطوّر سردًا عاميًا مرتبطًا بالثقافة الشعبية وتاريخ السرد الشفاهى، أم يقلد الرواية المكتوبة باللغة العربية الفصحى؟ هنا يكمن الفرق الكبير.

من يكتب بالعامية، فى رأيى، عليه أن يستند إلى تاريخ السرد الشفاهى، وأن يكتب نصه بوصفه نصًا شفاهيًا، لا أن يُدرجه ضمن الرواية العربية المكتوبة باللغة الفصحى؛ لأن فى ذلك نوعًا من الهجنة التى قد لا يتقبلها القارئ، الذى يتعامل مع النص المكتوب بوصفه نصًا لغويًا كتابيًا، بينما النص العامى يرتبط بالسماع أكثر من القراءة.

■ كيف ترى معنى وقيمة الناقد اليوم فى المشهد الثقافى العربى؟

- تغيرت المناهج، وتبدلت علاقة الباحث بالنص الأدبى، وظهرت مناهج كثيرة، لكن دون تطور طبيعى متراكم فى سيرورة النقد العربى، ما أدى إلى قطيعة بين النص والنقد.

النقد الذى لا يتأسس على إطار تصورى واضح، أو نظرية محددة، أو منهجية دقيقة، لا يمكنه أن يؤسس لتقاليد راسخة فى قراءة النص الأدبى. وهذه التقاليد هى ما نفتقده اليوم. لذلك أرى أن كثيرًا من النقاد يتعاملون مع النص من خلال خلفياتهم الفكرية أو السياسية، أكثر مما يتعاملون معه وفق خصوصيته الجمالية، رغم أن جوهر النص الأدبى يكمن أولًا فى جمالياته، قبل أى شىء آخر.