الخميس 05 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

د.إسماعيل إبراهيم يقدم أول قراءة نفسية لـ«الأمثال»: «كلام جدتى» صحيح بالأدلة العلمية

حرف

- الكتاب محاولة للإجابة عن سؤال هل «من فات قديمه تاه»، أم أن «كل وقت وله أذان»؟

- جيلى مفطوم على الأمثال الشعبية وهضمها وسط تكوينه الوجدانى والمعرفى

لم أرَ شخصًا ينظر إلى الدنيا كلها من منظور مهنته مثلما رأيت هذا الرجل، إنه الدكتور إسماعيل إبراهيم، استشارى أمراض المخ والأعصاب والطب النفسى، إسماعيل صدر له سابقًا ثلاثة كتب موسوعية رائدة خلال الثلاث سنوات السابقة عن دار المحرر، الأول هو « نيوروسينما»، والثانى «سايكو سينما- الجزء الأول»، ثم الجزء الثانى من نفس الكتاب فى السنة التالية، وكما هو واضح من أسمائها فهى كتب تربط بين أحب شيئين إلى قلبه، الأول هو مهنته التى يرى من خلالها كل شىء، والثانى هو السينما التى يعتبر نفسه مشاهدًا ممتازًا لها، فلك أن تسأله عن أى مشهد فى فيلم عربى كان أو أجنبيًا، فالإجابة دائمًا حاضرة باستطرادات مدهشة من عنده.. لكل ذلك كان منطقيًا أن تكون كتبه التى تربط بين السينما وعلمى الأعصاب والنفس بهذه القيمة والاحترافية، لكن كان غريبًا بالنسبة لى عندما أسرى إلى برغبته الكتابة عن الأمثال الشعبية الشهيرة المغروسة فى وجداننا وقراءتها بمجهره العلمى الدقيق الممتع الذى أدهشتنا براعة منظوره وسحر زواياه خلال كتب السينما، فى البداية تعجبت من الفكرة، ولم أخف عليه تخوفى من صعوبة الربط، أو عدم منطقيته، أو اضطراره إلى لى عنق العلم ليفسر الأمثال أو العكس، فالأمثال الشعبية عبارة عن تراكم إنسانى وتاريخى ومجتمعى كنت أظن أنه ليس ذو صلة بأى علم غير علم الاجتماع مثلًا، لكن تصورى المحدود هذا انهار عندما قرأت مسودة الكتاب الممتع المدهش «العقل زينة- قراءة علمية فى الأمثال الشعبية» لأفاجأ بكم هائل من التخريجات العلمية لأمثال تربينا عليها، ربما دون أن ندرك أبعادها الرحبة الفسيحة التى ركض فيها إسماعيل إبراهيم بخياله الخصب متسلحًا بمخزونه العلمى والثقافى الهائل وتجارب إنسانية غنية، ليخرج لنا فى النهاية منتجًا بديعًا لا يمكن وصفه أو تصنيفه تحت لواء كتاب علمى، لذلك رأينا أن نسمع من إسماعيل إبراهيم نفسه عن كتابه الجديد، كيف يراه وماذا يريد أن يقول من خلاله؟

 

■ فى البداية لم أخف دهشتى الأولية عن سر اختياره الكتابة عن الأمثال الشعبية، فأحببت أن أعرف فحوى هذا الكتاب الاستثنائى؟

- رد الدكتور إسماعيل ببساطة أن الكتاب يتناول أمثالنا الشعبية الشهيرة التى تربينا عليها ولكن من زاوية جديدة ومعاصرة، حيث نعيد فيها اكتشافها فى ضوء أحدث ما توصلت إليه دراسات علوم الأعصاب وعلم النفس.. والهدف هو محاولة معرفة ما إذا كانت هذه الأمثال التى تمثل خلاصة تجارب وحِكم الشعوب المتراكمة لا تزال صالحة لتفسير الأشياء، أم أنها مجرد «كلام جِدّات» عفا عليه الزمن، ولم يعد صالحًا لعصر المعلومات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى الذى غرقنا جميعًا فيه، بمعنى آخر نريد أن نجيب عن سؤال بسيط: هل «مِن فات قديمه تاه»، أم أن «كلّ وقت وله أذان»؟

■ قلت له فسر لى أكثر كيف يفعل الكتاب ذلك؟ 

- من خلال تحليل ثلاثين مثلًا شعبيًا شهيرًا، يحاول الكتاب اكتشاف ما تخفيه من أسرار ومعانٍ ودلالات قد لا تكون ظاهرة للوهلة الأولى، ثم يقارنها بأحدث الدراسات العلمية والنفسية ليرى إن كانت ستصمد أمام رأى العلم الحديث، أم أنها قد تحتاج إلى مراجعة، أو إعادة صياغة، أو حتى إلى التخلى عنها تمامًا. لكن الكتاب لا يقتصر على هذه الأمثال الثلاثين فحسب، بل يضم بين صفحاته مئات الأمثال الأخرى التى استعنت بها كلما استدعى الأمر ذلك فى سياق الشرح والاستيضاح. 

■ قلت له أعطينى بعض الأمثلة عما ذكرته من أمثال داخل الكتاب لنفهم تخريجاتك العلمية لها؟ 

- على سبيل المثال، سنحاول أن نستكشف لماذا «باب النجار مخلع» عادةً؟، لماذا قد يكون شخصٌ ما متميزًا ومتمكنًا فى مهنته أو حرفته، ومع ذلك يُهمل شئونه الشخصية؟ ولماذا يستطيع شخص أن يقدم للآخرين نصائح ذهبية وناجحة، لكنه يعجز عن حل مشكلاته الخاصة؟.. هنا مثلًا نكتشف أن الأبحاث تؤكد المعنى نفسه الذى يقوله المثل، حيث نجد التفسير العلمى حرفيًا فى «مفارقة سليمان» (Solomon’s Paradox)، وهى ظاهرة نفسية تشير إلى أن الإنسان عادة ما يكون أكثر حكمةً وموضوعيةً عندما يفكر فى مشكلات الآخرين، لكنه يفقد جزءًا من هذه الحكمة عندما يتعامل مع مشكلاته الشخصية، و سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى الملك سليمان.

وفى مثل آخر وهو «صاحب بالين كداب»، نجد أن الأبحاث الحديثة أكدت فعلًا أن «تعدد المهام» (Multitasking) الذى يعتقد الكثيرون أنهم يستطيعون القيام به- وخاصة السيدات- هو وهم وخرافة، فالعقل البشرى لا يستطيع التركيز بشكل كامل إلا على مهمة واحدة فقط فى الوقت الواحد. ما يحدث هو أننا نتنقل بين المهام المختلفة داخل عقولنا بسرعة، وهذا الانتقال المستمر يجعلنا نشعر بأننا ننجز عدة أشياء فى آنٍ واحد، لكنه فى الحقيقة يؤدى إلى تراجع التركيز، وزيادة الأخطاء، وإبطاء إنجاز المهام. لذلك فمن يدعى ذلك قد يكون- بصورة أو بأخرى- يكذب على نفسه وعلى الآخرين.  هناك أيضًا مثل «القط يحب خنّاقه»، والذى يخبرنا أن بعض الشخصيات قد تجد نفسها أسيرة علاقة سامة- أو «توكسيك» كما نقول- مع شخص مؤذى أو معتدٍ، ومع ذلك تعجز عن الابتعاد عنه، بل قد تُظهر أحيانًا مشاعر التعاطف أو التعلّق به، و تجد له مختلف الأعذار! هنا نجد تفسيرًا علميًا لذلك فى ما يُعرف بـ «متلازمة ستوكهولم» (Stockholm Syndrome)، و هى ظاهرة نفسية تصف تعلق الضحايا بالشخص الذى يؤذيهم أو يسيطر عليهم، وسميت كذلك نسبةً إلى حادثة احتجاز رهائن وقعت فى ستوكهولم بالسويد عام ١٩٧٣.

■ باغته قائلًا: أدرك اهتمامك بالسينما الذى أفرز ٣ كتب موسوعية.. لكن من أين جاءت لك فكرة هذا الكتاب؟

- أظن أن جيلى مواليد الثمانينيات مفطوم على الأمثال الشعبية، تلقاها وسط تكوينه الوجدانى والمعرفى عن طريق المحيط الاجتماعى المصرى الحميمى، والأمر بالنسبة لجيلى لم يكن له علاقة حتى بالمستوى الاجتماعى أو المادى، الكل كان سواسية فى هذا الأمر لأن ثقافة الكمبوند المنغلق لم تكن سائدة، فكان هناك انخراط اجتماعى أكثر، دائمًا ستجد فى الأسرة مصدر لهذه الأمثال الشعبية سواء كانت تقطن فى المهندسين أو بولاق الدكرور، وعن نفسى تفتحت عيناى ومسامعى على الأمثال الشعبية دون أن أدرك ماهيتها ولا معناها فى البداية، لكن مع الوقت كنت أزيد إدراكًا لأهمية تلك الثقافة الكامنة فى تلك الجمل القصيرة المكتظة بالحكمة والتبصر، وأتذكر أن جدتى، رحمها الله، كانت تمتلك دائمًا مثلًا مناسبًا لكل موقف ، كما لا أنسى على سبيل المثال «فوازير الأمثال الشعبية» التى قدمتها شريهان، وشاهدتها فى طفولتى بجوار كثير من برامج الأطفال التى كانت تحتفى بها

■ قاطعته قائلًا: بخلاف تلك المصادر هل كانت لك قراءت قبل ذلك عن الأمثال الشعبية مثلًا جعلت تدرك أهمية الكتابة عنها من زاوية أخرى؟

- بالطبع اصطدمت بقراءات عديدة فى رحلة تكوينى المعرفى متماسة مع فكرة الأمثال الشعبية، لكن لا أنكر أن اهتمامى قد زاد بعد قراءتى المتأنية على كتاب «الأمثال العامية» للباحث والمؤرخ المصرى أحمد تيمور باشا، الذى يضم أكثر من ثلاثة آلاف مثل شعبى. وقد اتخذ هذا الاهتمام منحًى مختلفًا بعد تخصصى فى طب المخ والأعصاب والطب النفسى، حين اكتشفت أن هذه العبارات الموجزة تحمل أسرارًا و دلالات نفسية وعصبية، أكبر مما قد نتخيل.

وأدركت أن هناك علاقة وثيقة بين الأمثال الشعبية وعلوم الأعصاب وعلم النفس؛ فالأمر الذى قد لا يعرفه كثيرون هو أن علم الأعصاب مهتم بالفعل بالأمثال، ويعتبرها نافذةً مثيرة يمكن أن نكتشف من خلالها بعض أسرار الدماغ البشرى، وطريقة تفكيره وعمله. الأمثال كذلك تكشف لنا عن جوانب ومفاهيم عميقة فى النفس البشرية، وتعكس رؤية الإنسان للعالم من حوله، كل ذلك من خلال عبارات موجزة وشائعة، تختزل خبرات إنسانية تراكمت عبر الأجيال.

كما أن الأمر لا يخلو من خطورة حيث إن بعض الأمثال الشعبية لها تأثير قوى جدًا قد يكون ضارًا أحيانًا، فهى ليست مجرد عبارات موجزة وشائعة تتوارثها الأجيال، بل إنها فى بعض الأحيان قد تتحول إلى «قوالب فكرية» جاهزة نستدعيها تلقائيًا فى أى موقف، وهو ما يُعرف بـ«الكليشيهات القاتلة للتفكير»، والتى تعنى العبارات أو الجُمل المألوفة والمختصرة والتى تمنحنا إجابات جاهزة، فتغلق باب التساؤل أو النقاش بدلًا من أن تفسح المجال للتفكير.

■ من خلال رحلتك مع هذه الأمثال فى كتاب من ٤٠٠ صفحة، ما أبرز ما وجدته فيها؟

- فى الحقيقة كانت رحلتى مع الأمثال الشعبية ممتعة للغاية، ومثلت عودة إلى الماضى والموروث الشفهى المحبب لنا جميعًا. لكننى لاحظت مجموعة من النقاط الشيقة كذلك. فعلى سبيل المثال، اكتشفت أن كثيرًا من الحِكم والنصائح التى عبّرت عنها هذه الأمثال لم تكن حكرًا على بيئتنا المصرية أو العربية وحدها، بل شاركتنا فيها العديد من الثقافات الأخرى «بل وأحيانًا بنفس الصياغة!». حتى وإن كان بعضها مرتبطًا بالفعل بموروثنا الثقافى المصرى، إلا أنها فى أغلبها كانت تعكس خبرات وتجارب إنسانية عامة ومشتركة بين جميع الشعوب باختلاف الزمان والمكان.

لفت نظرى كذلك أنها مليئة بالتناقضات، وتحمل معانى تتضارب مع بعضها البعض أحيانًا! فعلى سبيل المثال: هل «البعيد عن العين بعيد عن القلب» أم «اتقل حبة تزيد محبة»؟! وهل «معرفة الناس كنوز» أم «البعد عن الناس غنيمة»؟! وهل «نضرب على الحديد وهو سُخن» أم أن «كل تأخيرة وفيها خيرة»؟! وهل «الخير على قدوم الواردين» أم «يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين»؟! وهل «القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود» أم «اصرف ما فى الجيب، يأتيك ما فى الغيب»؟! وهل «الطمع يقل ما جمع» أم «إن سرقت اسرق جمل»؟!، وهل «النار ما تحرقش مؤمن» أم أن «المؤمن دايمًا مُصاب»؟! يمكننى الاستمرار للأبد!

■ فتحت فمى مندهشًا كأننى اكتشفت هذا التناقض لأول مرة.. فسألته هل لديك تفسير علمى لذلك؟

- بحثت عن تفسير لهذا التناقض، فوجدت أن أهم سبب هو أنها كانت تعكس بطريقتها الخاصة التناقض والحيرة الذى تحمله طبيعة النفس البشرية ذاتها. فنحن نجد أنفسنا أحيانًا نبحث عن الأمان ونتجنب المخاطرة، بينما فى أحيان أخرى نفضل الاندفاع والمغامرة. وأحيانًا نرغب فى أن نكون بين الناس ونستمتع بصحبتهم، وأحيانًا أخرى لا نريد شيئًا سوى أن نختلى بأنفسنا. لكننى وجدت أيضًا أن هذا التناقض هو فى الواقع نوع من أنواع «المرونة»، وأحد أهم نقاط قوة الأمثال الشعبية، والتى جعلتها تستمر عبر مئات السنين قوة. فكل شخص يستطيع أن يجد فيها المثل الذى يناسب تجربته الخاصة، وفى الوقت نفسه، يستطيع جاره ذو الظروف المختلفة تمامًا أن يجد هو الآخر مثلًا يناسبه. 

وجدت كذلك أن الأمثال نفسها «تتطور» هى الأخرى عبر الزمن بآليات شبيهة بـ«الانتقاء الطبيعى» الذى تحدثنا عنه «نظرية التطور»، فتخيّل معى آلاف الجمل والحِكم التى قيلت عبر القرون، والتى اندثر معظمها، ولم يصل إلينا فقط إلا ما كان قادرًا على الانتقال من جيل إلى جيل عبر التكرار، حتى استقرّ أخيرًا فى الوعى الجمعى كحكمةٍ راسخة، عملًا بمبدأ «البقاء للأصلح». 

■ لاحظت أن الكتاب مزود برسومات كاريكاتورية شارحة للأمثال.. هل كانت فكرتك؟

- الحق أن الفكرة كانت تراودنى أن يتم تغذية الكتابة بصريًا برسومات، لكننى لم أكن أثق فى ترحيب الناشر بذلك، إلا أننى وجدت ترحيبًا كبيرًا من الأستاذ على راشد مدير دار المحرر الذى أمن بمشروعى منذ اليوم الأول، وأشهد له أنه يعمل على كتبه بقلب الكاتب وليس عقل الناشر الذى يحسبها ماديًا قبل كل شىء، لكن كون على راشد صحفيًا، لمست حبه للكتابة فى ذاتها وإيمانه بمشاريعه التى تقوم عليها الدار، وهو أمر يحسب له لذلك استعان بالفنانة حورية الجمل التى تشربت روح الكتاب وخرجت من تحت يديها رسومات بالغة الدلالة.

■ أخيرًا سألته هل يحتمل الأمر جزءًا ثانيًا من الكتاب؟

- لا أعتقد، إلا لو توفر لدى عدد كاف من الأمثال الشيقة، ووجدت أننى أستطيع أن أقدم من خلالها طرحًا جديدًا ومختلفًا يضيف إلى معرفتنا بالنفس البشرية والدماغ، خاصة أننى مشغول الآن بالعمل على مشروع ضخم آخر، سأكشف عن تفاصيله فى حينه بإذن الله.

■ ما الاختلاف بين هذا الكتاب وكتبك السابقة؟

- أعتقد أنه مختلف عنهم تمامًا، ولكنه مع ذلك يدور أيضًا فى فلك نفس العالم الذى أحب أن أكتب عنه، والذى يجمع بين الطب والعلم من جهة، والفن أو الأدب أو التاريخ أو التراث من جهة أخرى. فى كتبى السابقة تناولت تصوير أمراض المخ والأعصاب والاضطرابات النفسية فى عالم السينما، لكننى هنا أتناول موضوعات أخرى جوهرية ومهمة تمس حياتنا الشخصية مثل: الحب والصداقة والخوف والرضا والحسد والأحلام والصدمات والرغبات والنفاق والذكاء واتخاذ القرارات، والكثير والكثير من أسرار النفس البشرية. حاولت كذلك تفنيد عدد من الخرافات والمعتقدات الشائعة فى حياتنا اليومية، وإتاحة الفرصة للقارئ لفهم أعمق لأبرز السمات التى تميز الشخصية المصرية.