الجمعة 19 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

الدور المفقود للمثقفين فى معارك الدولة المصرية

العدد الخامس
العدد الخامس

هل خذل المثقفون الدولة فى معاركها بعد ٣٠ يونيو؟ 

سألت هذا السؤال لعدد من الكُتاب والمثقفين والمفكرين المصريين المعتبرين، الذين لهم إسهامات كبيرة وملحوظة ومؤثرة فى مجالنا العام. 

لم يستخدم أحد منهم، على اختلاف توجهاتهم وتكويناتهم الاجتماعية والنفسية، «لا»، كلهم اتفقوا على الإجابة بـ«نعم»، واختلفوا فقط فى درجة الخذلان. 

فى كتاب الخذلان آلاف الحكايات وآلاف المواقف، وأعتقد أن توثيقها مهم، ليس لإدانة المثقفين أو تصويرهم بما لا يليق بهم، ولكن لأننا يجب أن نعرف الحقيقة. 

تعرية أصحاب الحناجر الفارغة فريضة وطنية. 

ليس معقولًا أن يتساوى من أسهموا فى البناء، ومن كانوا يسارعون لقطع الطريق. 

فى مارس ٢٠١٦ قابل الرئيس السيسى عددًا من المفكرين والمثقفين فى اجتماع استمر ما يقرب من ٤ ساعات، استمع منهم جميعًا، لم يكن هناك أى خطوط حمراء فى الحوار. 

الكاتب الكبير الراحل جلال أمين كان حاضرًا الاجتماع، قال للرئيس: أريد أن أتحدث لكننى أخشى أن تكون هناك محاذير.. فرد عليه الرئيس: تحدث كما تريد، لا يوجد ما يدعو للمحاذير. 

كان الرئيس، فيما أعتقد، ينتظر من المثقفين المصريين تصورًا واضحًا لما تواجهه مصر من مشكلات، ولما يجب أن يقدموه من حلول، لكنهم استمروا فى أحاديث جانبية، ودخلوا إلى طرق فرعية، مبتعدين عن المتن الرئيسى الذى جاءوا من أجله. 

بعد اللقاء سألت الكاتب الكبير السيد يسين عن رأيه فيما جرى- وكان من بين الحاضرين- هز رأسه أسفًا، وقال لى: لقد أضعنا من بين أيدينا فرصة ذهبية، وأعتقد أن الرئيس لن يرحب مرة ثانية بهذا اللقاء. 

ما جرى بالفعل أن الرئيس كلف وزير الثقافة وقتها حلمى النمنم أن يظل على تواصل مع مجموعة المثقفين، وأن يعمل على وضع تصور كامل لرؤيتهم فيما يعترض مصر من أزمات، وتواصل النمنم بالفعل معهم، لكنهم- على حد قوله- لم يتفاعلوا، بل توقفوا عن التواصل، ولم يهتم أحد، فقد كانوا يريدون أن يجلسوا إلى الرئيس فقط ليتحدثوا.

الكلام كان هو الهدف.. ولا شىء آخر. 

فى معارك الدولة الثلاث التى بدأت فى اللحظة التى خرج فيها المصريون لتحرير بلدهم من الاحتلال الإخوانى، وهى «مواجهة الإرهاب، وإعادة بناء ما تهدم، ورفع درجة الوعى بالخطر المقيم الذى لا يريد أن يرحل عن ديارنا»- وجدت الدولة نفسها وحيدة، لا سند ولا دعم من مثقفيها. 

كان يجب أن يكون المثقفون المصريون سندًا، لكنهم تفرقوا، تركوا الدولة تواجه وحدها، لم يسندوها ولو بكلمة، تحولوا فى مواقف كثيرة إلى شوكة فى ظهرها، سلاح مرفوع فى وجهها، وبدأوا ينظّرون لمواقفهم، فأهالوا التراب على كل خطوة يخطوها البلد إلى الأمام. 

ما أعرفه أن الدولة المصرية لم تمارس أى إقصاء تجاه المثقفين، دعتهم إلى الحديث والعمل، فتحت لهم كل الأبواب، أوضحت لهم ما يخفى عليهم، وضعت أمامهم الحقائق كاملة، وكل ما طلبته منهم أن يمدوا أيديهم، ولم يكن ما طلبته كبيرًا لا يقدرون عليه، أرادت أن يقوموا بما يُجيدونه، يكونون عقلًا مفكرًا ومبدعًا وناصحًا وموضحًا للناس فى كل مكان من خلال أدواتهم التى يجيدون استخدامها جيدًا. 

العكس هو ما حدث للأسف الشديد، كانت الدولة تعانى أكبر محاولة للتضليل والتشويش والتشويه لما تقوم به، وأرادت من المثقفين أن يكونوا جنودًا فى معركتها ضد هذا التضليل والتشويش والتشويه، لكنهم اختاروا أن يخلدوا إلى مكاتبهم المغلقة عليهم، يستمتعون بثرثرتهم على المقاهى وفى الندوات، دون أن يقولوا كلمة حق فى كل ما يحدث. 

لا أميل إلى التعميم بالطبع، لكن كان هذا حال معظم مثقفينا، وهو ما يستوجب أن يكون موضوعًا للحوار والنقاش، صحيح أن الدولة افتقدت دور المثقفين فى معاركها الكبرى.. لكن من قال إن ما فات لا يمكن تعويضه.. أعتقد أن المثقفين المصريين يمكن أن يقدموا الكثير، المهم أن يؤمنوا ويخلصوا ويمتلكوا اليقين بأهمية دورهم، الذى أعتبر إهداره خيانة كبرى.