الثلاثاء 20 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

فى مواجهة العقل المتطرف.. مراد وهبة يحاكم الإخوان من قبره

مراد وهبة
مراد وهبة

- الأزمة لدى الإخوان تكمن فى فكر ابن تيمية الملتزم بإبطال إعمال العقل فى النص الدينى وبتكفير كل من يخرج عن الإجماع الأمر الذى يستلزم فى النهاية «السمع والطاعة»

- المجتمع الذى يتأسس على فلسفة السمع والطاعة اسمه مجتمع القطيع

يمكن أن تعبر على عنوان هذا الكتاب «أفول العقل» للدكتور مراد وهبة الصادر عن هيئة قصور الثقافة دون أن تتوقف أمامه، على اعتبار أن الفيلسوف الكبير مؤكد أنه يحلق فى عوالم بعيدة عما يدور فى المجال العام. 

لكن المفاجأة أن الكتاب الذى لا تزيد صفحاته على الـ140 صفحة من القطع الكبير، غارق حتى أذنيه فى أزماتنا ومشاكلنا، من خلال مجموعة من المقالات التى كتبها الدكتور مراد وهبة خلال السنوات الأخيرة. 

مقالات الكتاب التى نشر بعضها فى الصحف اليومية متنوعة ومختلفة، وتعالج مشكلات كثيرة، لكننى التقطت من بينها مجموعة مقالات يمكن أن نعتبرها محاكمة فلسفية لجماعة الإخوان الإرهابية، وهى محاكمة مهمة جدًا، لأنها تأتى من عقل ناقد، عالم وفيلسوف، يفعل ما يفعله من أرضية علمية، فهو لا ينحاز إلى فصيل سياسى، ولا يشغل نفسه فى الغالب بالسياسة. 

يمكن أن تقول إن مراد وهبة لا يدخل إلى محاكمة الإخوان من أرضية سياسية، وهذا صحيح، لكنه دخل إليهم من أرضية فكرية، فهو خصم فكرى عتيد لهم، وليس لهم وحدهم، ولكن لكل التيارات التى أخذت من الدين ستارًا لتحقق أهدافها الدنيوية، وعليه فهذه محاكمة من أرضية خصومة. 

سأتفق معك فى ذلك، ودعنا من الكلام النظرى، فالمحاكمة هنا فكرية تضرب جذور الجماعة، وحتى لو كان صاحبها خصمًا فكريًا للجماعة الإرهابية، فهذا لا يمنع من تمكنه من أدواته التى قام من خلالها بتشريح الفكرة الإخوانية من خلال محطات مهمة. 

أهمية عرض أفكار الدكتور مراد وهبة تأتى من فكرة أساسية وهى ترسيخ الوعى لدينا بأهمية مناهضة الفكرة الإخوانية طول الوقت، فالأزمة مع الجماعة ليست سياسية فقط، ولكنها أزمة فكرية ودينية، وعليه فلا بد من تعريف الناس بخطر هذه الجماعة التى يمكن اعتبارها فاسدة بشكل كامل، ولأنها كذلك فهى لا تدخل مدينة إلا أفسدتها.. ويكفى ما رأيناه على يديها خلال ما يقرب من 90 عامًا، كان لها دور كبير فى تأخرنا لسنوات طويلة، كان هذا الوطن أولى بها ليبنى ويجدد وينهض.

يمسك مراد وهبة بخيط محاكمة جماعة الإخوان بداية من ثورة ٢٥ يناير. 

يسأل أولًا: إذا كانت أزمة مصر التى نعيشها تنطوى على تناقض، إذن أين يكمن التناقض فى مصر الآن؟ وإذا كان الآن هو ثمرة ٢٥ يناير ٢٠١١، فالتناقض إذن كامن فى هذه الثورة «كتب وهبة هذا المقال فى ٨ سبتمبر ٢٠١٢». 

وحتى يدخل الفيلسوف الكبير إلى ما يريده، يقول: والسؤال المهم هو كيف حدث هذا التناقض؟ 

وتأتى إجابته متعاقبة فى نقاط محددة، يمكن أن نجملها فى الآتى: 

أولًا: هناك نقطة إيجابية فى ثورة يناير وهى مساندة الجيش لها، أما النقطة السلبية فهى أن هذه الثورة غابت عنها رؤية الوضع القائم، وهذا الغياب له ما يبرره، فالشباب الذين قاموا بها بحكم المرحلة العمرية ليسوا مؤهلين لتكوين رؤية الوضع القائم، إذ إن هذه هى مهمة المثقفين، إلا أن هذه المهمة قد أصيبت بسبات ديوجماطيقى، أى بغيبوبة، ومن هنا أمكن إجهاض هذه الثورة. 

ثانيًا: إجهاض الثورة تم تحديدًا عندما دخلت عليها حركة الإخوان المسلمين فى الساعة الواحدة بعد ظهر يوم ٢٨ يناير، ثم أدخلتها فى صراع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى كان هو السبب فى حمايتها، أما الأحزاب فلم تكن على وعى بما يخططه الإخوان من استيلاء على السلطة. 

ثالثًا: عدم وعى الأحزاب بما تخططه جماعة الإخوان أدخلها فى صراعات مع ذاتها ومع غيرها، إلى الحد الذى ارتأت فيه أنها لعبة فى يد الإخوان يحركونها كما يريدون، وذلك عندما أعلن الإخوان أن الدين هو معيار الاستقامة السياسية، بل معيار الاستقامة الفردية، وذلك فى أثناء الاستفتاء على دستور ١٩٧١ فى ٣٠ مارس ٢٠١١.

رابعًا: جاءت نتيجة الاستفتاء إيجابية بنسبة ٧٥ بالمائة وبلا مقاومة، بل فوجئنا بصوت المتحدث الرسمى للإخوان، وهو يعلن أن المجتمع المصرى منذ الفراعنة وحتى الآن، مغروس فى الدين لأنه لا يعرف شيئًا سوى ما يقوله الدين على لسان رجاله، بل لا يعرف شيئًا عن اليسار سوى أنه كافر وملحد ومنحل ومحتقر للأديان، وبعد ذلك بدأت مفاصل الدولة فى التفكك وذلك بفعل تحكم الإخوان فى مؤسسات الدولة، ولم يكن أمام الحركات السياسية سوى التظاهر من وقت لآخر للتنفيس عما تشعر به من تعصب وقهر وطغيان دون أن تصطدم ذهنيًا مع جذور هذا التعب والقهر والطغيان. 

خامسًا: يصل مراد وهبة إلى جذر ما يقوم به الإخوان، فالأزمة لديهم تكمن فى فكر ابن تيمية الملتزم بإبطال إعمال العقل فى النص الدينى، وبتكفير كل من يخرج عن الإجماع، الأمر الذى يستلزم فى النهاية «السمع والطاعة» كما أنها تكمن فى تكفير ابن تيمية لابن رشد الملتزم بإعمال العقل فى النص الدينى، أى الملتزم بالتأويل للنص الدينى، وما يلازمه من الخروج عن الإجماع، ومن ثم نبذ السمع والطاعة، بل نبذ الدخول فى مجتمع القطيع. 

سادسًا: ويلفت وهبة إلى أنه على الرغم من أن الصراع بين ابن تيمية وابن رشد قد بدأ فى القرن الثالث عشر الميلادى، فإنه ما زال قائمًا حتى الآن بسبب تبنى الإخوان فكر ابن تيمية واستبعادهم فكر ابن رشد، ومع ذلك فالمثقفون المعارضون للإخوان ليسوا على وعى بهذا الصراع، بل قاموا بتزييف هذا الوعى عندما تعاطوا وهْم الديمقراطية، إذ ظنوا أن الديمقراطية هى صندوق الانتخابات، فى حين أنها حالة ذهنية قبل أن تكون انتخابية، ولا أدل على ذلك من تصميم الأصولية الإسلامية على القول بأن السيادة ينبغى أن تكون لله وليس للشعب، وفى أن تكون هذه السيادة لمن يزعم أنه يتكلم باسم الله، وإذا صدق هذا الزعم يصبح عقل المواطنين محكومًا بهذا الذى يزعم أنه كذلك، وبعد ذلك نقع كلنا فى وهم الديمقراطية، وهذا الوهم هو أزمة مصر الآن. 

ويمسك مراد وهبة الخيط من جديد، ويرصد ما جرى فى مصر بعد أن اعتلى الإخوان والسلفيون منصات ثورة ٢٥ يناير فى ميدان التحرير. 

يرى هو أن الذى حدث بعد ذلك أن الثورة المضادة أوقعت شباب الثورة فى فخ الصدام مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن ثم انفردت بإنجاز مهمتها التى كانت فى حالة انتظارها منذ تأسيسها فى عام ١٩٢٨ تحت اسم جماعة الإخوان المسلمين. 

يفصل مراد وهبة السمة المشتركة بين الثورة المضادة وحركة الإخوان المسلمين، فيقول إنها الأصولية الدينية، ثم يشرح بعد ذلك ما يقصده بالأصولية الدينية، التى هى أيًا كانت سمتها تعنى الالتزام بالتفسير الحرفى للنص، ومقاومة أى نظرية علمية تناقض هذا التفسير الحرفى، ومن ثم يمتنع إعمال العقل فى النص الدينى. 

لكل أصولية مؤسس، ويؤكد وهبة أنه فى حالة الأصولية الإسلامية فإن مؤسسها هو الفقيه ابن تيمية من القرن الثالث عشر الميلادى. 

يكشف الفيلسوف الكبير عن أفكار ابن تيمية ببساطة. 

يقول: يقرر ابن تيمية أن الشرع يقوم على السمع، أى ما سمعناه من الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن ما هو ثابت، ثابت بالسمع.. سواء علمنا بالعقل أم بغير العقل ثبوته، ومعنى هذا أن ثبوت ما أخبرنا به ليس موقوفًا على عقولنا، لأن مهمة عقولنا أن تعلم بهذا الذى سمعته دون أن تؤوله. 

والسؤال المهم هو: لماذا يرفض ابن تيمية التأويل؟ 

يقول مراد: يرفض ابن تيمية التأويل لأنه فى رأيه يعنى صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، فى حين أن كل آيات القرآن الكريم واضحة فى معناها، وليس هناك خفاء، ولهذا ليس ثمة مبرر للتأويل، ولا أدل على رفض ابن تيمية للتأويل من قوله إنه تحريف الكلم عن مواضعه ومخالف لإجماع سلف الأمة، ومعنى ذلك أنه يشترط الإجماع فى تفسير النص الدينى، والتأويل خروج عن هذا الإجماع، ومن ثم فالتأويل ممتنع، والنتيجة الحتمية بعد ذلك أن يكون العقل مساويًا للسمع. 

ومن بين ما قاله ابن تيمية ويستند مراد وهبة إليه قوله: وجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، ولا يعلم بحديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح، إذن طاعة العقل للسمع لازمة، ومن ثم يتأسس المجتمع على السمع والطاعة. 

يعترض مراد وهبة طريق ابن تيمية، ليقول لنا إن المجتمع الذى يتأسس على هذا النحو اسمه مجتمع القطيع. 

ثم يسأل بعد ذلك: هل هناك حزب سرى فى مصر انتهى من تأسيس وضع قادم لتكوين مجتمع القطيع؟

ويُجيب هو بسؤال آخر: وهل هذا الحزب السرى هو حزب الإخوان المسلمين؟

عندما أصدر محمد مرسى إعلانه الدستورى فى نوفمبر ٢٠١٢، الذى كان من بين بنوده عودة مجلس الشعب ذى الأغلبية الإخوانية على عكس ما ذهبت إليه المحكمة الدستورية التى أبطلت المجلس، توقف الدكتور مراد وهبة عند هذا الأمر قليلًا. 

يقول وهبة إن القرار كان فى عمقه وكأنه يقول ما قاله الرب وهو يخلق الكون من العدم «كن فيكون»، وهكذا قال رئيس الجمهورية لمجلس الشعب المنعدم «كن فيكون»... ولأن الذهنية واحدة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب الإخوانى سعد الكتاتنى، فقد استجاب الأخير لأمر الأول وذهب إلى مجلس الشعب ومعه أعضاء لهم نفس الذهنية، وهى ذهنية الإخوان المسلمين.

ويطرح مراد وهبة سؤالًا عن طبيعة هذه الذهنية. 

وعنها يقول إنها ذهنية مدربة على أنها المسئولة عن الحكم بشرع الله، وليس بشرع الإنسان، وشرع الله مطلق بينما شرع الإنسان نسبى، ومعنى هذا أن الإخوان يريدون حكم مصر بعبارة «كن فيكون»، ومن هذه الزاوية يمكن القول بأن المادة الثانية سواء نصت على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس أو أضافت لفظ «مبادئ» أو لفظ «أحكام»- هى فى حقيقتها لا تخرج عن كونها شريعة الله. 

ويستكمل مراد رؤيته. 

يقول: وعندما يأتى حاكم مصر من الإخوان فهو يأتى وفى ذهنه عبارة «كن فيكون»، ومهما قيل من عبارات وهمية مثل القول بأنه أتى بفضل صندوق الانتخابات أو أتى بما يسمونه الديمقراطية، فهو فى الحقيقة بالنسبة لهم أتى من الله، ومن ثم فهو ملزم بعبارة كن فيكون، ولهذا فإن رئيس مصر عندما اُنتخب، تم انتخابه فى إطار هذه العبارة، وكان على وعى بها، ومن ثم رفض من غير تردد حكم المحكمة الدستورية العليا بأن مجلس الشعب منعدم الوجود، لأنه إذا كان منعدم الوجود ففى إمكانه- كرئيس للإخوان وليس كرئيس مصر- أن يقول عبارته الحاسمة «كن فيكون»، ومن بعد ذلك ذهب رئيس مجلس الشعب ومعه الأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين إلى مبنى مجلس الشعب وهو مبنى منعدم الوجود ولكنهم كانوا مدفوعين بعبارة «كن فيكون». 

ويلفت مراد وهبة الانتباه إلى أن ما يتصوره الإخوان من ضرورة أن يكون الحاكم ملتزمًا بتطبيق شرع الله، مردود إلى تأثير الحضارة الفرعونية، فقد كانت ثمة هوية بين الملك والإله. 

ويفسر الفيلسوف الكبير ذلك بأن المصريين تأثروا بظاهرتين من أهم ظواهر الطبيعة وهما الليل والنهار، وكان يقابلهما إلهان وهما إله الشمس «رع» والخضرة أو النيل «أوزير»، وظل التنافس مستمرًا، حتى أصبح إله الشمس هو الحاكم الأعلى المتحكم فى المصريين أجمعين، وأصبح فرعون هو خليفة إله الشمس، بل أصبح فى حالة هوية معه، ومن هنا فإنه كان يذكر اسم فرعون عندما يذكر اسم رع، ولذلك كان من الضرورى أن يخلق الإله الفراعنة، ومن هنا أيضًا لم تكن لدى المصريين الجرأة على ذكر اسمه، بل لم يكن لديهم تصريح بذكر اسمه، وإنما الذى كان مصرحًا بذكر اسمه هو «القصر العظيم»، الذى كان يقيم فيه الملك. 

تأسيسًا على ذلك كله، يمكن القول إن الإخوان المسلمين امتداد للفرعونية، ومن ثم فإذا أردنا تحرير عقل الإخوان بوجه خاص، بل تحرير عقل المصريين بشكل عام، فعلينا تحرير العقل مما يسمى «الخاصية الفرعونية» وهى خاصية لم تكن موضع نقد منذ سبعة آلاف عام. 

ينحاز الدكتور مراد وهبة إلى أن الله لا يلعب سياسة فى مواجهة الأصوليين «الإخوان المسلمين والسلفيين»، هؤلاء الذن يتوهمون أنهم على وعى مطلق بشرع الله وأنهم بالتالى قادرون وحدهم دون غيرهم على تشغيل هذا الشرع فى المجال السياسى على الرغم من أن هذا المجال ينطوى على صراعات ومصادمات وتحايلات، وعلى فنون الخداع، وعندئذ يهتز شرع الله بالضرورة، ولكنهم لا يبالون بهذا الاهتزاز ما دامت المادة الثانية من الدستور باقية على الدوام. 

ويرى وهبة أن هذا الدوام وهمى، لأن الخبرة الإنسانية فى مسارها الحضارى تعلمت درسًا مهمًا، وهو عند حدوث الوهم بأن شرع المطلق- سواء كان هذا المطلق هو الله أو الدولة- يجب أن يطبق على شرع النسبى، فالنتيجة الحتمية أن الغلبة لشرع النسبى، وقد حدثت هذه النتيجة الحتمية فى العصور الوسطى الأوروبية، وفى الدولة العثمانية الإسلامية، وفى ألمانيا فى زمن هتلر، وفى إيطاليا فى زمن موسولينى. 

فى هذه البلدان جميعًا انهار المطلق وانهار معه كل ما لازمه من قهر وطغيان، وعندما فطن المثقفون إلى ضرورة مواجهة الأصوليين خشية تأسيسهم لدولة دينية دعوا إلى تأسيس دولة مدنية، والمفاجأة هنا أن الأصوليين وافقوا على أن تكون الدولة مدنية لكن بمرجعية إسلامية، وعندما انهزم هؤلاء المثقفون، وهزيمتهم- كما يرى مراد- مردودة إلى الالتباس الكامن فى لفظ مدنى، إذ قد يكون مضادًا للفظ ريفى، وقد يكون مضادًا للفظ عسكرى، ولكنه لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكون مضادًا لما هو إسلامى، لأنك إذا اعترضت فى هذه الحالة فأنت ملحد وكافر وزنديق وعدو الدين. 

ويقدم مراد وهبة التفسير الفلسفى لهذه المعضلة بقوله: كان من الممكن إزالة هذا الالتباس لو أن عقل هؤلاء المثقفين لديه الجرأة والجسارة على نطق لفظ «علمانية»، لأن العلمانية حسب تعريفى لها هى أنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق، وبهذا التعريف تكون العلمانية نقيض الأصولية التى هى التفكير فى النسبى بما هو مطلق وليس بما هو نسبى.

فى العام ٢٠١٣ صدر كتاب «الإخوان العدو الثانى الخطير لأمريكا» للمفكر الأمريكى «إريك ستيكلبك».. وكان هذا فيما يبدو إكمال لرؤية «جون فوستر دالاس» وزير خارجية أمريكا الذى كان يعتبر أن الحزب الشيوعى السوفيتى هو العدو الأول لأمريكا، كما جاء ذلك فى كتابه «حرب أم سلام؟» الصادر فى العام ١٩٥٠. 

على هامش هذا التقسيم للخصوم، نسج مراد وهبة رؤية ناضجة جدًا، فبعد موت الاتحاد السوفيتى فى العام ١٩٩١، بدأ البعض يتعامل مع الإخوان وخاصة بعد ما عرف بثورات الربيع العربى على أنهم الخطر الأكبر على أمريكا. 

يقول وهبة: إذا كانت رسالة الاتحاد السوفيتى أممية فرسالة الإخوان كوكبية، بمعنى إحياء الخلافة الإسلامية على كوكب الأرض وعاصمتها القدس، وبسبب دموية هذه الرسالة اختفى ثوار الربيع العربى وحل العلم الأسود لتنظيم القاعدة محل العلم الأمريكى عند مدخل السفارة الأمريكية بالقاهرة بقيادة محمد الظواهرى فى ١١ سبتمبر ٢٠١٢. 

المفارقة أنه وعلى الرغم من هذا الحدث العدوانى من قبل الإخوان على السفارة، فإن الرئيس الأمريكى باراك أوباما توهم أنهم معتدلون، ومن ثم يمكن التعاون معهم. 

تأسيسًا على هذا الوهم- وكما يرى وهبة- دخلت ست قيادات إخوانية كمستشارين فى البيت الأبيض، وبدأت واشنطن فى فقدان نضالها من أجل حضارة التقدم، واندفاعها نحو النقيض، أى نحو حضارة الجهاد بالمفهوم الإخوانى، أى حضارة التدمير، مع ما فى هذا المصطلح من تناقض فى الحدود على رأى المناطقة. 

أما المفارقة الكبرى التى يرصدها الفيلسوف الكبير فهى فى مشاركة اليساريين فى تدعيم حضارة الجهاد، ومن ثم قبول المهاجرين الإسلاميين إلى أمريكا مع تسريع بناء الجوامع من قبل وزارة العدل الأمريكية. 

تساءل «ستيكلبك» فى كتابه عن مبرر هذا التسريع؟ 

وكانت الإجابة الواضحة أن الجامع ليس مجرد رمز على الإسلام، إذ هو فى أصله مركز إسلامى الغاية منه تأسيس مجتمع إسلامى يكون ملتقى الأسر كما تنعقد فيه الندوات، وتقام المباريات الرياضية وبه مدرسة للأطفال ومكان لبيع الصحف والمجلات والكتب والأشرطة السمعية والبصرية. 

الجامع فى نظرة الكاتب الأمريكى هو بيت الدعوة على نحو ما كان زمن الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، ومع التطور يمكن أن تسهم الجوامع فى أسلمة أمريكا، أى تحويلها إلى دولة إسلامية. 

يستند مراد وهبة إلى خبرته الدولية، فيقول إن ما يقوم به الإخوان فى أمريكا مماثل لما قاموا به فى أوربا وفى دول العالم الثالث بحيث تتأسس فى نهاية المطاف الخلافة الإسلامية على كوكب الأرض، أما أوباما فإنه كان يتوهم على نحو مناقض لما يتوهمه الإخوان بأنهم يسهمون فى تحقيق التطهر الروحى فى عصر جديد. 

هنا يظهر سؤال جديد. 

فهل الخلافة التى يتوهم الإخوان إحياءها فى زمن الكوكبية مماثلة للخلافة الإسلامية على نحو ما كانت قبل إصدار أتاتورك قرارًا بإلغائها فى عام ١٩٢٤، والذى كان بمثابة كارثة فى نظر العالم الإسلامى؟ 

وهنا تأتى الإجابة. 

لقد تأسست الخلافة الإسلامية فى العام ١٥٧١ عندما تحكمت تركيا فى معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز وجنوب شرق أوروبا بما فيها بلغاريا ورومانيا وألبانيا واليونان ويوغوسلافيا وأجزاء من المجر، وهناك سعى الآن لتحقيق الخلافة الإسلامية بعد نسف التراث العلمانى الذى ابتدعه أتاتورك. 

مفارقة أخرى يرصدها وهبة، عندما يقول إن اليسار الأمريكى دخل فى تحالف غير مقدس مع الإسلام الراديكالى، وهو تحالف مماثل لما كان بين هتلر وستالين فى الاتفاق الذى أبرم بينهما فى العام ١٩٣٩، على الرغم من تناقض الأيديولوجيتين، وعلى الرغم من أن اليسار الأمريكى كان يزهو بأنه عدو الفاشية، وقد تكررت المفارقة عندما اعترض اليسار الأمريكى على مهاجمة طالبان فى أفغانستان بعد أحداث ١١ سبتمبر. 

ويدخل بنا الفيلسوف إلى مساحة يبحث خلالها عن مبرر لهذه التناقضات ويجيب بسؤال هو: إذا كانت المفارقة تنطوى على التناقض فأين التناقض بين اليسار الأمريكى والإخوان المسلمين؟ 

والإجابة بوضوح كما يقول وهبة: اليسار الأمريكى ضد النظام الرأسمالى الأمريكى بحكم انحيازه إلى الاشتراكية، أما الإخوان المسلمون فهم أيضًا يكرهون النظام الأمريكى، ولكن ليس لأنه رأسمالى إنما لأنه يمثل الحضارة الغربية، وهى حضارة مرفوضة من قبلهم لأنها حضارة جاهلية تخضع لتشريع الإنسان للإنسان، وليس لتشريع الله للإنسان، والإخوان المسلمون هم القادرون على تدمير النظام الأمريكى وليس اليسار الأمريكى لأنهم منظمة إرهابية كوكبية، ولهذا كان مؤلف هذا الكتاب محقًا فى تشاؤمه الذى عبر عنه فى نهاية الخاتمة عندما قال: أنا متشائم إزاء مستقبل أمريكا وإزاء صعود الأصولية الكوكبية بلا مقاومة. 

ويضع مراد وهبة عنوانًا دالًا لواحد من مقالاته هو «إما الحضارة أو الإخوان»... واعترف هو أنه عنوان ينطوى على تناقض حاد، والتناقض الحاد يقوم بين طرفين يريد كل منهما إقصاء الآخر إلى حد المطالبة باغتياله إذا لزم الأمر، وإذا كان ذلك كذلك فثمة سؤالان. 

الأول هو: أى حضارة يريد الإخوان اغتيالها؟ 

لا يجيب وهبة عن السؤال من واقع تأملاته الفلسفية فقط، ولكنه يستعين بما كتبه سيد قطب المنظر الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين، وقد توهم عبدالناصر أنه بإعدامه فى العام ١٩٦٦ يكون قد أعدم الجماعة، وذلك لأن الفكر لا يعدم، إذ يظل حيًا، إذ هو حى ما دام كان قادرًا على التأثير مع التغيير، وما لا يمكن أن ننكره هو أن فكر سيد قطب كان قادرًا على ذلك بدليل الشيوع الكوكبى للجماعة. 

قطب كان يعنى بالحضارة حضارة الرجل الأبيض سواء كان روسيا أم أمريكا، إذ هى حضارة بربرية لأنها قد أصيبت بمرض أطلق عليه «الفصام النكد». 

لنبقى قليلًا مع الفصام، وهو مرض عقلى ويعنى العقل المفصوم، أى العقل عندما ينفصل عن العالم الخارجى وينطوى على ذاته داخل عالم من التخيلات والأحلام، أما لفظ النكد فيعنى قليل النفع، والمعنى إجمالًا أن العقل المفصوم قليل النفع، أى فاقد الفاعلية. 

ويجيب سيد قطب على اعتقاده بأن الرجل الأبيض مصاب بهذا المرض العقلى، حيث يرى أن الإصابة تمت فى ظروف نكدة، وكانت لهذا الفصام آثاره المدمرة، وقد بلور هذه الظروف النكدة فى كتابه المعنون «المستقبل لهذا الدين» فى ثلاثة عصور، هى الإحياء والتنوير والنهضة الصناعية، إذ كان من شأن هذه العصور أن صرفت الإنسان عن منهج الله كله الذى يمكن إيجازه فى العلاقة العضوية بين التصور الاعتقادى الإلهى والنظام الاجتماعى، ومن هنا كان سيد قطب معاديًا لكل من الشيوعية والرأسمألية، لأن كلا منهما مصاب بالفصام النكد. 

سيد قطب قدم طريقًا للخلاص من وجهة نظره، يضع مراد وهبة يده عليه، فى كتاب قطب «الإسلام ومشكلات الحضارة». 

وفى فصل بعنوان «طريق الخلاص» يرى أن المجتمع الإسلامى هو طريق الخلاص الوحيد للبشرية المهددة بالدمار والبوار، لأنه يستند إلى نداء الفطرة، وهو إن لم يقم اليوم فسيقوم غدًا، وإن لم يقم هنا فسيقوم هناك، ولكن ميلاده حتمى. 

حدد سيد قطب ملامح مجتمعه الإسلامى الذى يرى أنه طريق الخلاص الوحيد بقوله: هو مجتمع بلا أحكام تشريعية لأن مشاكله ليست مشاكل المجتمعات القائمة، بل ليست هى مشاكل الحضارة البربرية التى نحن غارقون فيها، ومع ذلك فهو فى البداية يقر بألوهية الله، ومن خصائصها الأولى حق الحاكمية والتشريع للعباد وتطويعهم لهذا التشريع، وبعد ذلك ينشأ الفقه وينشأ الفقهاء. 

هذا هو جواب السؤال الأول والخاص بالحضارة التى يريد الإخوان اغتيالها وهى الحضارة الغربية، ويبقى بعد ذلك جواب السؤال الثانى والخاص بكيفية اغتيالها؟ وهل سيتم هذا الاغتيال مرة واحدة أم بالتراكم؟ 

يقول وهبة: جواب هذا السؤال كان مرهونًا بمحمد مرسى وهو رئيس جمهورية وكان من قبلها رئيسًا لحزب الحرية والعدالة، وهو مرهون أيضًا بفكر سيد قطب؟ فماذا فعل؟ 

فى البداية عين مساعدين ومستشارين ليست لهم علاقة بحاكمية الإسلام، بل ليست لهم علاقة باقتصاد الحاكمية، أى أنه لم تتم تربيتهم ذهنيًا فى اتجاه الحاكمية، ثم دخل فى علاقة متوترة مع القيادة العسكرية المصرية، لأن هذه القيادة على علاقة عضوية مع القيادة العسكرية الأمريكية التى هى وليدة الحضارة الغربية البربرية، والتى هى نقيض المجتمع الإسلامى المطلوب توليده، وبعد ذلك دخل فى صدام مع السلطة القضائية بهدف دفعها إلى الانهيار لأنها مؤسسة على قانون وضعى وليس على قانون ربانى، وواكبت كل ذلك فتن أصولية، والنتيجة بعد ذلك إماتة إعمال العقل وإحياء أفول العقل، تمهيدًا لمولد المجتمع الإسلامى على نحو ما يتخيله الإخوان المسلمون. 

كان مراد وهبة يرصد واقع جماعة الإخوان المسلمين فى الحكم، أشار من طرف خفى إلى أنهم يمكن أن ينهاروا فى أى لحظة، فالجماعة نمت وهى تحتضن بذور فنائها، لكننى أعتقد أنه لم يكن يتصور أنها ستنهار بهذه السرعة.