ليبيا.. فاطمة الغندور: ما من عاصمة عربية تهتم بالكتاب مثل القاهرة
تنظر إلى مصر بوصفها فضاءً للعيش والتفاعل، لا مجرد مكان للإقامة، مستندة إلى تجربة امتدت 10 سنوات، شكّلت وعيها الشخصى والمهنى، وفتحت أمامها أسئلة كبرى عن الهوية والذاكرة والإنسان.
إنها الكاتبة والباحثة الليبية فاطمة غندور، التى كتبت كتابًا كاملًا عن مصر بعنوان «مصر فى عيون ليبية»، حيث يتقاطع الهم النسوى مع البحث الاجتماعى، ويتجاور التوثيق مع السرد، فى محاولة لرد الاعتبار لحكايات نساء ليبيات ومصريات غُيّبن عن المتن الثقافى.
تنحاز الكاتبة والباحثة الليبية فى الكتاب إلى الإنسان بوصفه مدخلًا لفهم التاريخ والمكان، وتضىء القواسم المشتركة بين المجتمعين المصرى والليبى، متوقفة عند الصور النمطية، والذاكرة الشعبية، ودور النساء فى كتابة تاريخهن رغم الإقصاء.
عن الكتاب، إلى جانب علاقتها بالثقافة المصرية، والصحافة، والمؤسسات الأكاديمية، وتجربتها فى الترحال داخل مصر، وصولًا إلى رؤيتها لمعرض القاهرة الدولى للكتاب باعتباره احتفالًا حيًا بالمعرفة والسرد، يدور حوار «الدستور» التالى مع الكاتبة الليبية.

■ ما الدوافع الرئيسية لإنتاج كتاب «مصر فى عيون ليبية»؟
- فى واقع الأمر هناك دوافع رئيسية متلاحمة، يشكلها مثلث أعنى به فى انشغالاتى، ضلعه الأول: كتابة وبوح المرأة، ووجودها على مستوى السير البديلة، أن تكتب المرأة عن ذاتها وعلائقها، سيرتها فى المكان، مستقرة أو مرتحلة. ثانيه مصر الحاضرة فى وجدان كل عربى بل وإنسان. ليبيات عبرن أو أقمن بها للدراسة والتخصص المبكر فى تاريخهن، فاتهن أن يسردن حكايتهن فى كتاب، فاضطلعت بتلك المهمة، ولكونهن نبهننى لذلك جاء الإهداء لهن. أما الضلع الثالث فهو غياب أو تغييب عمدى أو قصدى، عن معرفة بعضنا لبعض، ماذا يعرف المصريون عن ليبيا جارتهم ذات الجنب، والعكس صحيح؟
■ هل جاء الكتاب نتيجة تجربة شخصية طويلة مع مصر؟
- دخلت مصر أول مرة رفقة خالى الموفد، دارس دكتوراه الحقوق، فى منتصف التسعينيات، ومنها ملكت قلبى، أو كما يُقال: «لما شربت من نيلها». كانت خيارى للإقامة إلى حين، حين تهددت من ميليشيا مسلحة كصحفية مدير لجريدة «ميادين» المستقلة، وأستاذة بكلية الفنون والإعلام بجامعة طرابلس، عام ٢٠١٤، لأظل ١٠ سنوات لا أغادرها. تجربة عيش الحياة لما هاجرت، وحيدة مثلى، تفاصيلها تعددت، أتنقل للإيجار والسكنى وسط وأطراف القاهرة، أكرمتنى صداقات أصيلة بنقابة الصحفيين، فوجدت نفسى أنغمس شغوفة بالأمكنة، فى سياحة داخلية مخفضة الأسعار، مع أستاذى على القماش، والصحفية المتقاعدة عفاف لبيب، والشخصية الحيوية خيرية شعلان، وعمنا بدر محمد، وإسماعيل الحاوى.
جبت معهم مدنًا وقرى وأمكنة ومعالم لم أعرفها قبلًا، وعشت جّمعة الإفطار الرمضانى، والعيد الحميم بنوادى الجزيرة والأهلى والزمالك، وهو ما «بلسمنى» وعوض فقدى رمضان رفقة أمى وعائلتى. وكنت كصحفية ليبية، أول من تنشر مقالًا أسبوعيًا منتظمًا ولسنوات متتالية، فى صحيفة وموقع مصرى دولى.
وفى السلك الأكاديمى حظيت باعتبار تمثيل مقعد ليبيا، إذ استعصت مشاركة أساتذة زملاء من داخل البلاد لظروف أمنية، سواءً فى جامعة القاهرة أو أكاديمية الفنون أو المعهد العالى للدراسات الشعبية، إلى جانب جامعة المنصورة ومكتبة الإسكندرية والمركز الثقافى فى أسوان.
كل هذا وأكثر من تجربتى لسنوات فى مصر وثقته فى كتابى، وهى تجربة مليئة بالحيوية، دعمنى فيها كثيرون، وسجلتها فى مسارى وسيرتى لسنوات عشر، بالأسماء والأماكن والأحداث والأشخاص، فالكتاب به أكثر من ٦٠ اسمًا لأعلام مصر وليبيا.
■ أى صورة لمصر حاولتِ تقديمها: مصر الإنسان أم مصر المكان أم مصر التاريخ؟
- مصر التاريخ والمكان حاضرتان دومًا، منتج وإرث حضارى لآلاف السنين، سمعى بصرى، شفاهى ومكتوب، ومع الوسائط الإعلامية التقنية صار لنا أن نتجول فيها، ونحن على صالونات بيوتنا وفى عقر أوطاننا القريبة والبعيدة عن مصر، وليس لى أن أشكل فيهما وعنهما إضافة منقوصة لأدونها كسائحة!
لذلك ذهبت إلى الإنسان لأحكى وقائع على الأرض، ما عاصرت، وما طالعت عن مصادر ومقابلات شخصية، وما شهدت وما تقاسمته مع أناسها على مستويات مختلفة. والرحابة المصرية ظلت العنوان لحالة تكشفى ككاتبة وإعلامية وباحثة، وإجابة أسئلتى، وهذا مكسب كبير عُرفت به مصر كحاضنة مع أخوتها العرب.
تحدثت عن تشاركى مواصلات المصريين التى لم أشهد مثلها بمنطقتنا العربية فى الإتاحة والتنوع، وعما ينقصها خاصة لكبار السن والأطفال وذوى الاحتياجات ومحبى المشى. شغلتنى سيدات عظيمات، أبدأ صباحى بهن، فى الحى الذى أقطن به، صرن عزيزات على قلبى وكبيرات قيمة فى دأبهن وسعيهن لتوفير عيشهن: بائعات الخضار، المتجولات بالبيوت عاملات النظافة، زوجات لعمال وحرس العمارات.. هذه واحدة من قضايا الناس التى شغلتنى فى الكتاب.
شغلنى تاريخ وقواسم مشتركة عن عيش وحراك رجال ونساء بفاعلية ومعافرة وصبر فى الزمن الصعب، ليبيون فى مصر، ومصريون فى ليبيا. ذهبت إلى الإنسان وفعل الإرادة فى الزمان والمكان، أو كما يقول «جرامشى»: «مواجهة تشاؤم العقل بتفاؤل فعل الإرادة»!
■ هل شعرتِ بأن هناك قواسم ثقافية خفية تجمع بين الشعبين الليبى والمصرى أكثر مما نتصور؟ كيف ترين الشخصية المصرية من منظور ليبى أنثوى كاتب؟
- التشابه والقواسم المشتركة هى ما تفيض وتعلو ونماذجها عدة. ومثلى مهتمة بالتراث والثقافة الشعبية، كما علم الاجتماع، وعلى العموم، كلانا فى ذات الحال: ليبيون ننظر للمصريين بعين حمالة أحكام مسبقة ومنمطة، والعكس صحيح طبعًا، بل أحيانًا يبدو الأمر كأننا لانعرف بعضنا البعض جيدًا.
وفى السنوات التى عشتها فى مصر لم أكن محملة بصورة نمطية عنها، ومثلى من عائلة أبى وأعمامى وأخوالى، تتلمذت على الصحافة المصرية، ومتابعة مقالات أشهر كُتَّابها، كما فرجة الأفلام وحفظ الأغانى ومتابعة إصدارات مطربيها، ومعايشة العمالة المصرية فى وظائف مختلفة بشوارع بلادى.
وفى ليبيا مفارقة أن درسنا فى المنهج، الحضارة المصرية بأهراماتها وحكامها عبر العصور، واللغة والكتابة والنقوش والتحنيط، ما لم نقرأه عن الحضارة الليبية بأهرامات «الجرمنت» جنوب ليبيا، ونصرهم على «ماركوس» الرومانى، ولا كتابة «التيفيناج»، والتحنيط الذى كشفه الباحث الأثرى الشهير مورى.
بالتأكيد مصر على أرض الواقع غير ما شاع وينمط، ماعرفت ودونت ووثقت بكتابى عنها، فيه ما مسكوت عنه، وأيضًا هناك مستجدات قاربتها عبر من قابلت من شخصيات نشطة وفاعلة وجادة فى مشروعها الفكرى والثقافى والفنى والاجتماعى. ما زال علينا جهود نبذلها للتقارب وتقاسم المشتركات التى تعلى من شأن وحصيلة الفكر والثقافة، فيما نشهد من تغول عولمة وصراع واستقطابات حادة، يُراد بها محو العلائق والتشابكات بين بعضنا البعض!
■ ما الرسالة الأساسية التى رغبتِ فى إيصالها للقارئ الليبى من هذا الكتاب؟
- ما من رسالة مباشرة أبثها لقارئ كتبى أجمعها، مصريًا أو ليبيًا أو أينما كان على سطح الأرض، واليوم نتاجنا يُتاح بكبسة. مع ضغطة واحدة تتحقق لك الإتاحة بمحرك البحث على «جوجل» فى هذه القرية الكونية الصغيرة. وأنا أكتب على سبيل المتعة، فى محبة الكتابة، والشغف، وفيض الروح، فى مقاومة الحاصل حولنا، إذ الإنسانية فى خطر. أكتب على سبيل الدور الذى أنهجه فى مسير الحياة، أكتب لا أتقصد عظة ولا إرشادًا، أكتب لأن هذا ما يتبقى منا، ولكون «السرد هو الحياة» كما يقول بول ريكور.
■ ماذا عن انطباعك عن معرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام؟
- فى كتابى فصل بعنوان «الكتاب»، أشرعه بهذه الجملة: «ما من عاصمة عربية كالقاهرة تحتفى بالكتاب، معرضًا، وعلى الأرصفة، وفى سوق كالأزبكية». المعرض سوق الكتب وعُرسها، عرض وطلب، جمهور متباين فى مستهدفه نحوها، وهذا حقه. أعجبنى التفاعل الرقمى للمعرض وخدماته، وفر الأخبار وصداها، حيث النقل المباشر لحراك الناس فى المعرض.
التقطتنى صبية فضولية مذيعة من «راديو النيل» فى بث حى، لتسألنى عن الكتاب الذى أحمله فى يدى. والنشاطات زخمها كبير يوافق كل الرغبات. أعجبتنى الالتفاتة للأطفال وتوفير مساحات متنوعة لهم، حسب شرائحهم السنية، وحيز التراث الشعبى، نقاشًا وغناءً وعزفًا، فيه التفاتة جميلة لأهميته وتعلق الجمهور به. جميل أن هذه الدورة قاربت أغلب الفنون بما فيها مسرح وسينما. وافر الشكر والتقدير لكل جهود العاملين فى المعرض.




