السبت 28 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

شوقى بزيع: نعيش عصر نجومية «الشعراء الإنفلونسرز»

حرف

- لست متشائمًا فالحقيقيون يجدون طريقهم ولو بعد حين

- أسهم السرد ارتفعت لأن الأرض تعبت من لغة الشعر المكثفة والمجاز ية 

الشاعر اللبنانى الكبير شوقى بزيع، واحد من أهم الأصوات الشعرية فى العالم العربى، وهى صفة لم يكتسبها بالكم بل بالكيف، ويمكن القول بالقدرة الفائقة على إحداث المغايرة والفرادة وصناعة الدهشة.

تجربة شوقى بزيع الشعرية الكبيرة جمعت بين سمتين بارزتين، هما الطاقة الجمالية الهائلة والمختلفة على مستوى الأسلوب والتكوين والمنتج النهائى، وبين العمق الفكرى والحمولة المعرفية الثقيلة التى يربطها بقصائده، ربطًا فنيًا بالدرجة الأولى وليس ربطًا لأجل الربط أو الاستعراض.

هكذا تجلت تجربة شوقى بزيع، بين الحس الإنسانى والهمّ الوطنى والقضايا الوجودية، ليقدّم نصوصًا تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتظل تلامس - مهما تقادمت- وجدان القارئ العربى فى مختلف الأجيال. 

واحتضنت القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة شوقى بزيع، إنسانًا ومبدعًا، حيث شارك فى معرض القاهرة الدولى للكتاب متحدثًا، كما شارك شاعرًا فى أمسية كبرى فى بيت الست وسيلة «بيت الشعر العربى» التابع لصندوق التنمية الثقافية بالقاهرة، وسط حالة كبرى من الحفاوة والزخم الجماهيرى.

وعلى هامش تلك الزيارة، التقت «حرف» شوقى بزيع فى حوار، تحدث خلاله عن أبرز محطات تجربته، ورؤيته للشعر ودوره فى زمن التحولات، وعلاقته بالذاكرة والهوية، لنقترب أكثر من عالمه الإبداعى الذى يظل حاضرًا بقوة فى وجدان الثقافة العربية.

■ يُطرح منذ أكثر من عقدين سؤال «تراجع الشعر».. كيف تقرأ هذا السؤال اليوم؟

- هذا سؤال قديم ومتجدد فى آن واحد، وهو سؤال وجيه، ولم يأتِ من فراغ، بل من ملاحظة واضحة مفادها أن الكرة الأرضية فى الآونة الأخيرة لم تعد تجعل من الشعر ديوانها كما فعل العرب فى سابق عهدهم.

الشعر كان ديوان العرب، بل ديوان العالم أيضًا، لأنه ينتصر دائمًا للمخيلة الإنسانية وللوعد الإنسانى، ويأتى فى الغالب قبل العلم والكشوفات الحديثة، وكأنه يهيئ لها الطريق.

المخيلة الشعرية هى التى تتحول لاحقًا إلى إنجازات حديثة. والإنسان، بطبيعته، كائن ضجر؛ يضجر من واقعه اليومى، ومن جسده، ومن شكله، ومن مرآته، وحتى من جهله. الشعر يساعده على توسيع مخيلته، وعلى إقامة علاقة جديدة باللغة، وهى فى جوهرها إعادة اكتشاف للعالم.

الشعر هو لغة المفقودات؛ عندما نفقد المرأة التى نحبها نستعيدها عبر اللغة، وعندما نفقد الأرض، أو الحرية، أو الأمل، يعود الشعر ليملأ هذا الفراغ. لذلك لا أعتقد أن الشعر سينتهى، لكنه قد يتراجع قليلًا لصالح فنون السرد.

■ ولماذا فنون السرد تحديدًا؟

- لأن الأرض، إن جاز التعبير، تعبت من لغة الشعر المكثفة والمجهِدة والمجازية، وأرادت أن تتكئ على ذاكرتها، وأن تستقيل مؤقتًا من واقعها القاسى لتقيم فى حيوات موازية، وهى الحيوات التى تخلقها الرواية.

الرواية، باعتبارها لغة التذكّر والإقامة فى حياة أخرى، تناسب حاجة البشر إلى الراحة، فى وقت يتقدم فيه العلم والذكاء الاصطناعى ليسحب من الشعر بعض مهماته. ومع ذلك، أرى هذا المشهد مجرد استراحة محارب.

فالقضايا الكبرى، مثل الحب، والحرية، والحياة، والموت، والمنفى، والوطن، لا تزال غير قابلة للحل، والشعر يظل الأقدر على مقاربتها. كما أن المتعة الجمالية الخالصة للغة الشعر لا يُعلى عليها، مهما بلغت متعة الرواية.

■ على ذكر الذكاء الاصطناعى، هل يمكن أن يحل محل الشعر؟

- الذكاء الاصطناعى يحاول، لكنه لن ينجح. هو قادر على تقليد التمديدات الخارجية للشعر، لكنه عاجز عن مقاربة الروح. هذا المتصل بالقلب الإنسانى، بالدفء، وبالمشاعر، لا يمكن أن يُصطنع.

العرب قديمًا ميّزوا بين الشعر والنظم، واعتبروا أن الكتابة الخالية من الروح لا تُعد شعرًا. وبالمعنى نفسه، يمكن القول إن ما ينتجه الذكاء الاصطناعى هو نظم، لا شعر.

■ لكننا نفتقد اليوم «الشاعر النجم» كما كان فى السابق. كيف تفسر ذلك؟

- العصور تخلق دائمًا منظوماتها المعرفية والإعلامية والقيمية. فى زمن المدّ القومى وحركات التحرر، وُلد الشعراء النجوم، كما وُلد المطربون النجوم، لأن العالم آنذاك كان أكثر رومانسية، وكانت الأحلام الكبرى ممكنة.

بعد انطفاء تلك الأحلام، وتزايد الإحباطات، وارتفاع أعداد السكان والكتّاب، ثم ظهور وسائل التواصل الاجتماعى، دخلنا فيما يشبه برج بابل تعبيريًا، اختفت فيه الفوارق بين الأصوات. وهذا لا يخص العالم العربى وحده، بل العالم بأسره؛ حتى فى فرنسا أو إسبانيا أو تركيا، لم نعد نرى شعراء بحجم أراجون، أو لوركا، أو ناظم حكمت.

نحن اليوم فى عصر نجومية المهمشين، حيث تصنع مواقع التواصل أنماطًا جديدة من «المؤثرين»، لا من المبدعين بالضرورة. ومع ذلك، لست متشائمًا؛ فالحقيقى يجد طريقه، ولو بعد حين، والزمن لا يزال قادرًا على إنصافه.

■ .. وهل للجوائز دور فى هذا المشهد؟

- الجوائز سلاح ذو حدين. لدينا جوائز مهمة للشعر، مثل «أمير الشعراء»، و«المعلّقة»، و«العويس»، و«الباطن»، و«الشيخ زايد».

إذا تعامل الكاتب مع الجائزة بوعى، وبعيدًا عن الوجاهة والتحصيل المالى، فإنها تمثل تحية وتقديرًا ودعمًا فى عالم مالى متوحش.

لكن الخطورة تظهر حين يتحول المشروع الإبداعى برمته إلى مشروع موجَّه للجوائز؛ هنا يحدث الإفساد الكامل للفن.

■ هل الشعر ضرورة حياتية اليوم؟

- بالتأكيد. ما دامت القضايا الكبرى والصغرى فى الحياة غير قابلة للحل، فالشعر ضرورة، لأنه لغة الفقدان. نحن نفقد منذ لحظة الولادة وحتى الموت، ولا عزاء لهذه السلسلة الطويلة من الفقد سوى الشعر.

أستطيع أن أتحدث عن تجربتى الشخصية: لو بقيت فى الجنوب اللبنانى، لما كتبت ما كتبت. الغياب هو الذى أعاد لى المكان عبر اللغة والحنين. وهذا ينطبق على معظم شعراء العالم.

السفر، كما قال أبوتمام، يجدد الروح والديباجة، ويمنح المبدع ولائم روحية ومعرفية، وبدونه تتحول الحياة إلى مستنقع.

■ كيف ترى علاقتك بالتراث، بين القطيعة والاتصال؟

- لا توجد قطيعة مطلقة. نحن نتعامل مع لغة عمرها مئات السنين، وتحمل ذاكرة جمعية لا تنفصل عنا. التراث حياة، والحياة تنجب حياة أخرى.

المهم أن يتحول التراث إلى زاد للمستقبل، لا إلى قيد. حاولت دائمًا أن أتعامل معه كسؤال مطروح على الحاضر والمستقبل، لا كأجوبة جاهزة. أستعيد الرموز، لكننى أعيد استنطاقها بسؤال الإنسان المعاصر.

قد تنجح هذه المحاولة أحيانًا، وقد تخفق أحيانًا أخرى، لكنها تظل محاولة ضرورية.

■ دائمًا ما يُطرح سؤال العلاقة بين الصحافة والشعر على الكتّاب العاملين فى المجالين.. كيف ترى أنت هذه العلاقة؟

- هذا سؤال صحيح، ويُطرح باستمرار على الكتّاب العاملين فى الصحافة. نعلم أن المهن القادرة على التعايش مع الشعر قليلة؛ فمن الصعب أن يكون الشاعر مقاولًا، أو تاجرًا، أو جامع أموال. فى المقابل، هناك مهنتان أساسيتان يمكن أن تتعايشا مع الشعر: التدريس والصحافة، لأنهما لا تتعارضان مع جوهر ما نشتغل عليه، أى اللغة نفسها.

بالنسبة لى، مرّت علاقتى بالصحافة بمرحلتين. فى المرحلة الأولى، شكّلت الصحافة حافزًا قويًا على الكتابة؛ فقد منحتنى غنى فى المعجم التعبيرى، كما دفعتنى إلى القراءة الدائمة، وهو ما وسّع دائرة قراءاتى، وجعلنى فى حالة جاهزية مستمرة للكتابة الشعرية. فالنثر، فى النهاية، هو اللبنة الأولى للشعر، ومادته الخام.

الكثير من قصائدى بدأت مقالات نثرية، ثم تحولت لاحقًا إلى قصائد. على سبيل المثال، قصيدة «قمصان يوسف»، وهى من أشهر قصائدى، كانت فى الأصل مقالًا نُشر فى إحدى المجلات اللبنانية. تناولتُ فيه شخصية يوسف، وما تعنيه القمصان الثلاثة فى مسيرته، عبر تحوّلاته من البئر، إلى المواجهة مع زليخة، وصولًا إلى الأحلام، بعد سلسلة طويلة من المتاعب والمعاناة والمكابدات.

وفى القصيدة أقول إن الإنسان لا يولد جميلًا، بل يصبح جميلًا، وعليه أن يستحق الجمال الذى يناله. هذه الفكرة كانت فى الأساس قراءة نقدية فكرية صحفية، ثم تحولت إلى قصيدة. وعندما تتناول شخصية مثل يوسف، التى كتب عنها عشرات الشعراء، يصبح لزامًا عليك أن تقدّم قراءة مغايرة، وأعتقد أن مقاربة «القمصان الثلاثة» قدّمت، نسبيًا، زاوية مختلفة.

فى السنوات العشر الأخيرة تقريبًا، وبحكم كتابتى فى صحيفة «الشرق الأوسط»، صار معظم ما أكتبه أبحاثًا ومشاريع كتب. هذا النوع من الكتابة، لكثرة ما يتطلبه من مراجع وقراءات يومية، استنزفنى إلى حدّ تراجع منسوب الكتابة الشعرية لدىّ فى الفترة الأخيرة، وهو ما وضعنى أمام مأزق حقيقى: هل أستمر فى الصحافة، أم أستقيل وأعود إلى شعرى؟

■ هل يفقد الشعر ماهيته إذا كُتب بالعامية أو فى قصيدة النثر؟

- لا أؤمن بمسألة الوقار. الشعر قد يفقد ماهيته حتى وهو موزون ومقفى. ما يبقى من اللغة بعد سحب الإيقاع هو المعيار الحقيقى.

قصيدة النثر ليست سهلة كما يُظن، بل هى الأصعب، لأنها تتقدم بلا عكاز وزنى أو إيقاعى، وتعتمد فقط على الخيال، واللغة، والموهبة.