أسرار «عملية البيجر».. ضابط «موساد» شارك فى تفجير رجال «حزب الله»: كنا سنفشل فى اللحظة الأخيرة!
- حوّلنا جيم «الموساد» ومناطق الترفيه بمقره إلى مركز لتجميع الأجهزة
- التخطيط بدأ فى 2019 بهدف تنفيذ عملية ردع ضد «حزب الله»
فى 17 و18 سبتمبر 2024، اهتز العالم على وقْع نجاح جهاز الموساد الإسرائيلى فى توجيه ضربة قاسية لحزب الله اللبنانى عبر شبكة من أجهزة النداء «البيجر» المفخخة.
غير أن المفاجأة لم تشمل عناصر الموساد والمسئولين الأمنيين الذين خططوا للعملية، ومن بينهم آدم فاين، الذى نشر مؤخرًا كتابًا بالعبرية بعنوان «رسالة مصيرية»، وأجرى أول مقابلة باللغة الإنجليزية مع صحيفة The Jerusalem Post.
«فاين» كشف عن بعض تفاصيل العملية، منها استدراج أحد عناصر حزب الله لمنع كشف حقيقة الأجهزة، واقتراب إيران من اكتشاف المخطط، إضافة إلى الصعوبات التى واجهت الاستخبارات الإسرائيلية لإقناع الحزب بشراء تلك الأجهزة رغم الشكوك.
كما روى كيف استعان الموساد بأطراف ثالثة لا تعلم شيئًا عن العملية لإضفاء المصداقية، وكيف تحولت صالة الألعاب الرياضية التابعة له إلى خط تجميع مؤقت لتلك الأجهزة بعد تسريع وتيرة الإنتاج بشكل غير مسبوق.
الكتاب والمقابلة قدّما تفاصيل جديدة عن لحظات استراتيجية حساسة اتخذ خلالها كبار مسئولى الموساد قرارات غيّرت مسار الأحداث، حيث اختار «فاين»، الذى تقاعد مؤخرًا بعد سنوات طويلة من العمل الميدانى، نشر الكتاب باسم مستعار حفاظًا على هويته، مؤكدًا أن معظم العمليات المنسوبة إلى مسئولى الموساد وعلى رأسهم ديفيد بارنيا حدثت بالفعل، بينما جرى دمج بعض الشخصيات الحقيقية داخل شخصيات مركبة لتسهيل السرد.
ويشير إلى الفارق بين الصورة السينمائية لعمليات الاستخبارات وواقعها الفعلى، حيث لا تتحقق النتائج الكبرى إلا عبر سنوات من العمل السرى البطىء والدقيق والمعقد.
فى السطور التالية، تنشر «حرف» نص الحوار الذى أجراه آدم فاين مع الصحفى يوناه جيريمى بوب فى صحيفة The Jerusalem Post.


بحسب ما ورد فى الكتاب، عقد رئيس الموساد فى يوليو ٢٠٢٤ اجتماعًا سريًا مع مسئولين عسكريين، حذّر خلاله من أن أحد عناصر حزب الله أوشك على كشف أجهزة «البيجر» المفخخة، مطالبًا بتصفيته لحماية العملية قبل شهرين فقط من تنفيذها.
ويشير الكتاب إلى أن الموساد نجح لاحقًا فى استدراج العنصر إلى خارج بيروت نحو جنوب لبنان، حيث جرى استهدافه بغارة جوية بعد تزويد سلاح الجو بموقعه الدقيق.
ويضيف أن العمليات كانت «شديدة الحساسية»، موضحًا أن الجهاز واجه أكثر من موقف معقد خلال التنفيذ؛ بعضها حُل تلقائيًا، فيما استدعى بعضها الآخر تدخلًا مباشرًا من الموساد.
ورغم استهداف عنصر حزب الله، لم تختفِ الشكوك بالكامل، إذ حاول الحزب التواصل مع شركة Gold Apollo لفحص رسالة خبيره التقنى قبل مقتله، لكن الموساد كان قد اعترضها مسبقًا، وتمكّن- وفق الرواية- من تعطيل عملية التحقق التى كان يجريها الحزب حتى موعد التنفيذ.
ويوضح الكتاب أن حزب الله لم يكتفِ بإجراء فحوصاته الداخلية على الأجهزة، بل طلب من إيران مراجعة تقنية مستقلة، عبر نقل أحد الأجهزة إلى طهران بواسطة مسئول فى الحرس الثورى.
وكشفت صحيفة The Jerusalem Post فى وقت سابق عن خلاف بين الجيش الإسرائيلى والموساد بشأن توقيت التنفيذ؛ إذ رأى الجيش أن إيران كانت على وشك كشف حقيقة الأجهزة، ما دفع إسرائيل إلى التعجيل بالعملية، بينما اعتبر الموساد أن خطر الانكشاف تكرر فى أكثر من مرحلة، وأن قرار التنفيذ ارتبط أيضًا بتحول التركيز الإسرائيلى من غزة إلى لبنان.
ويشير «فاين» إلى أن تلك اللحظة كانت الأخطر فى مسار العملية، لأن الفحوصات الإيرانية كانت أكثر تطورًا وكفاءة من فحوصات حزب الله، وهو ما زاد من قلق إسرائيل، كما يورد الكتاب أن نقاشًا واسعًا دار داخل حزب الله حول قرار شراء أجهزة «البيجر»، حيث برزت أصوات معارضة متحفظة على اعتماد هذه التقنية.
ويشرح أن حالة الشك كانت تتضاعف كلما عرضت الشركة منتجها مباشرة على الحزب، بخلاف الحالات التى يبادر فيها الحزب نفسه للتواصل مع الشركات، ويضيف أن أحد العوامل التى ساعدت فى تمرير الصفقة هو أن أجهزة الاتصال القديمة لدى الحزب لم تعد قابلة للاستمرار، ما جعل الانتقال إلى نظام جديد أمرًا ضروريًا رغم المخاطر الأمنية.
ويكشف الكتاب عن حجم التحدى الذى واجهه الموساد فى العثور على شخصية مؤثرة داخل الحزب لدفعه إلى تجاوز تحفظاته، مشيرًا إلى أن أحد أسباب نجاح العملية كان تركيز مسئولى التكنولوجيا فى الحزب على احتمال وجود أدوات تنصت وتجسس داخل الأجهزة، دون التفكير فى احتمال احتوائها على متفجرات، وهو ما جعل عنصر المفاجأة حاسمًا فى نجاح العملية.
وبحسب الكتاب، تلقت «تيريزا» مسئولة التوريد فى شركة وسيطة فى مارس ٢٠٢٤ طلبًا من حزب الله لتزويد عدد أجهزة البيجر المطلوبة من ٥٠٠ إلى ٥٠٠٠ جهاز، فى خطوة جاءت ضمن حملة ترويج قادتها مسئولة بالموساد تُدعى «إينات» تواصلت مع «تيريزا» بهوية مزيفة باسم «ليلى»
ويشير الكتاب إلى أن «تيريزا» كانت تعمل داخل شركة حقيقية تتعامل بالفعل مع حزب الله، ولم تكن خاضعة لسيطرة إسرائيل، ما منح العملية قدرًا كبيرًا من المصداقية وسهّل اختراق سلسلة التوريد دون إثارة الشبهات، كما ساعدت علاقتها السابقة بشركة Gold Apollo، إلى جانب توجيهات «ليلى» فى إتمام الصفقة وتوسيعها لاحقًا.


بحسب الكتاب، لم يستقبل كبار مسئولى الموساد طلب شراء ٥٠٠٠ جهاز فى مارس ٢٠٢٤ بحماس، بل رأى بعضهم أن تنفيذ الطلب شبه مستحيل لوجستيًا، محذرين من أن التسرع قد يؤدى إلى أخطاء قد تكشف العملية بأكملها.
لكن رئيس الموساد أصرّ على قبول الطلب، وأمر بإعادة توزيع الموارد والعناصر من وحدات أخرى للمشاركة فى الإنتاج، رغم استمرار الاعتراضات بسبب ضيق المساحات داخل منشآت الجهاز.
وبحسب «فاين»، فإن الموساد اضطر لتحويل صالة الألعاب الرياضية وبعض مناطق الترفيه مؤقتًا إلى خطوط لتجميع أجهزة النداء، وفى مشهد وصفه الكتاب بالطريف، فوجئ بعض عملاء الموساد بمنعهم من دخول صالة الرياضة بسبب «أنشطة سرية للغاية».
ويكشف الكتاب عن نقاش داخلى غير معلن داخل الموساد سبتمبر ٢٠١٩ حول تطوير عملية تخريبية جديدة ضد حزب الله، تحولت لاحقًا إلى عملية أجهزة البيجر، إلى جانب عملية أجهزة اللاسلكى التى كانت قائمة بالفعل.
وبحسب الرواية، طرح الفكرة نائب رئيس الموساد آنذاك ديفيد برنياع، ما أثار اعتراضات حادة من مسئولين كبار خشوا أن يؤدى أى فشل إلى كشف العمليتين معًا وخسارة قدرة مخابراتية بُنيت على مدار سنوات.
ويشير «فاين» إلى أن الجدل تمحور حول ما إذا كانت المخاطرة مبررة، خاصة أن مثل هذه العمليات تحتاج إلى موارد واستثمارات استثنائية. لكن فى النهاية، اتخذ نائب رئيس الموساد قرار استكمال الخطة.
وبحسب الكتاب، اعترض بعض كبار مسئولى الموساد على الخطة فى بدايتها، معتبرين أنه لا يوجد جهاز يستخدمه حزب الله بحجم يسمح بزرع متفجرات داخله. لكن ضابطة بارزة داخل الجهاز أشارت إلى تقرير أعدّته محللة شابة حول جهاز جديد يمكن استغلاله لهذا الغرض، ليجرى لاحقًا تطوير نموذج منه وتقديمه ضمن الخطة.
ويضيف أن الموساد اتجه نحو فكرة أجهزة البيجر لأنها أكثر مرونة من أجهزة اللاسلكى، التى كانت فعاليتها ترتبط أساسًا بأى توغل عسكرى إسرائيلى داخل لبنان، بينما يمكن استخدام أجهزة النداء فى أوقات السلم والحرب على السواء.
ويشير إلى أن هذا الجدل عاد للظهور بعد ١١ أكتوبر ٢٠٢٣، عندما ناقشت القيادة الإسرائيلية تنفيذ ضربة استباقية ضد حزب الله. لكن مصادر بالموساد رأت آنذاك أن أجهزة النداء لم تكن جاهزة بالكامل، وأن عملية أجهزة اللاسلكى ستفشل إذا بقيت معظم الأجهزة مخزنة بدلًا من وصولها إلى مقاتلى الحزب ميدانيًا.
«ضربتين فى الراس توجع»!
يكشف الكتاب عن تفاصيل اجتماع عُقد فى تل أبيب خلال سبتمبر ٢٠٢٤ بين رئيس الأركان الإسرائيلى هارتسى هاليفى وكبار مسئولى الموساد، ناقشوا خلاله توقيت تنفيذ عملية البيجر.
وبحسب الرواية، حذّر «هاليفى» من التسرع بفتح حرب شاملة بتوقيت غير مناسب، معتبرًا أن امتلاك القدرة لا يعنى بالضرورة استخدامها فورًا، وقال مثلًا دارجًا «تقديم خاتم الخطوبة لا يعنى بالضرورة الزواج».
ويشير إلى أن «هاليفى» كرر الموقف نفسه لاحقًا خلال اجتماع مع نتنياهو قبل أيام قليلة من تنفيذ العملية، إذ رأى أن اعتبارات الجاهزية العسكرية والحرب الشاملة تتجاوز أهمية الضربة الافتتاحية وحدها.
فى المقابل، كان رئيس الموساد ديفيد برنيا، والضابط «فاين»، يريان أن قرار إعادة سكان الشمال إلى منازلهم يفرض على إسرائيل استخدام كل أدواتها وقدراتها المتاحة، وقالا إن هذه أداة ذات قيمة استراتيجية حقيقية.
ويورد «فاين» فى الكتاب تعليقًا ساخرًا لأحد مسئولى الموساد ردًا على «هاليفى»، مفاده أن التراجع عن «الزواج» يختلف عندما تكون العملية قد وصلت بالفعل إلى مراحلها الأخيرة، فى إشارة إلى أن خطة أجهزة البيجر كانت قد قاربت على الاكتمال، وإيقافها حينها كان سيعنى إهدار سنوات من العمل والاستثمار.
ورأى «فاين» أن توقيت التنفيذ كان عاملًا استراتيجيًا حاسمًا، موضحًا أن العملية ربما كانت ستحقق نتائج أكبر لو جرى استدراج مقاتلى حزب الله إلى الحدود وهم يحملون أجهزة اللاسلكى، ما كان سيرفع حجم الخسائر بشكل كبير.
لكن حتى مع عدم تحقق هذا السيناريو، يؤكد أن أجهزة النداء حققت هدفًا مهمًا تمثل فى إرباك حزب الله وكسر معنوياته، كما خشى الموساد من أن أى تأجيل حتى أكتوبر قد يؤدى إلى كشف بعض الأجهزة وإفشال العملية بالكامل، ويقول «فاين»: «فى النهاية، اتخذ رئيس الوزراء القرار، واتضح أنه كان قرارًا صحيحًا جدًا».
ويكشف «فاين» بالمقابلة والكتاب، عن نقاش حول ما إذا كان ينبغى استخدام أجهزة اللاسلكى فورًا بعد أجهزة النداء، كما حدث لاحقًا، أو الانتظار قليلًا لمراقبة تأثير العملية قبل اتخاذ قرار التفعيل.
ويعرض الكتاب موقف الجيش الإسرائيلى، الذى كان يميل لمنح وقت أطول لتجنب المخاطرة بتصعيد سريع، إذ كان رئيس الأركان هاليفى يرى أن ضرب حزب الله بأجهزة البيجر وحدها قد لا يدفعه لرد واسع، بينما تنفيذ ضربتين متتاليتين قد يستفزه لرد سريع قبل استعداد الجيش لحرب شاملة.
وكشف «فاين» عن أن هذا كان نقاشًا جادًا، وأن التتابع السريع بين العمليتين لم يكن قرارًا محسومًا، مع احتمال نظرى لاكتشاف العملية بينهما، وفى النهاية، اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرار تنفيذ أجهزة اللاسلكى فى اليوم التالى، ما أدى إلى حالة ارتباك كبيرة داخل حزب الله ومهّد لاستهدافه لاحقًا، رغم أن هذه النتائج لم تكن محسومة أو واضحة أثناء سير الأحداث.







