الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

هشام الخشن والبُعد عن دوائر المثقفين التقليديين

هشام الخشن
هشام الخشن

وإحنا صغيرين فهمونا إنه فيه حاجات ما تنفعش مع بعض، ليه ما تنفعش؟ أهو كدا! مثلا ما ينفعش تكتب بـ شكل جاد وفى الوقت نفسه رشيق. الكتابة الجادة يعنى تقيلة، ولما نحب ندلع تقيلة نقول دسمة، أو نقول عميقة، لو عايز تكتب حاجة مسلية يبقى تنسى حكاية الجدية دى، أو تخفف منها على قد ما تقدر، إلا من رحم ربى.

كمان قالوا لنا إنه الأعمال اللى تستحق الجوايز الأدبية ما ينفعش تبقى شعبية، أو خلينا نقول ليها جماهير مش ضرورى يكونوا مهتمين بـ الأدب، وعلى معرفة كافية بيه. بـ اختصار: يا تبيع، يا تبقى مؤهل لـ جايزة، وبعد ما تحصد الجايزة تبيع بـ راحتك، ومحدش جمع بينهم إلا من رحم ربى.

وقالوا لنا إنه الرواية اللى تنشغل بـ البحث، وتجميع الداتا، وحشد المعلومات الساعية لـ الدقة، بـ تبعد عن «الأدب»، وبـ تبقى عمل ذهنى على قدر كبير من الجفاف، مفيد لكنه غير ممتع، وغير مشبع نفسيًا وإنسانيًا، وأقل قدرة على التحليل، وما حدش جمع دا مع دا إلا من رحم ربى.

الواقع، إنه هشام الخشن ممن رحم ربى، اللى هو جمع الحاجات المذكورة أعلاه فى أغلب أعماله، وجمع أمور تانية كتير غالبًا لا تجتمع، وتقديرى إنه الخشن عمل دا لـ إنه ما قصدش يعمل دا ولا اهتم بيه، ولا كان فى دماغه، هو ما خططش لـ حاجة، فـ كل الحاجات تلاقت مع بعضها من غير ميعاد.

أساسًا، الخشن ما كتبش رواية فى سنين عمره المبكرة، أول أعماله كان اقترب من الخمسين، هو انشغل قبلها فى حياته العملية، وكانت الدنيا ماشية فى الهندسة وخلافه، والخبرات بـ تتراكم، والحواديت بـ تتشكل، وهو مش مشغول بـ تسجيلها على ورق، لكن فى النهاية اللى عنده مخزون بـ ييجى له يوم ويطلع لـ وحده، ودا اللى حصل لما قرر يجمع حكايات حصلت بـ الفعل، وهو كان شاهد عليها أو قريب منها، وأصدرها فى كتاب، والكتاب انتشر، وكان سؤال أى قارئ/ قارئة «بـ من فى ذلك الناشر»: إنت إزاى مش بـ تكتب رواية؟

كان ممكن الخشن يعتمد فى رواياته على الهندسة، اللى هو بناء حكاية وتقسيمها لـ فصول، واتباع التكنيكات سهلة التعلم، وتقديم حاجات مسلية، وخلاص، إنما هو فى كل عمل بـ يحاول يقدم إضافة، فـ بـ ياخد وقت فى إنه يعمل بحث، سواء فى التاريخ أو فى علم النفس أو القانون، ويخرج بـ حدوتة جديدة من زاوية مش مطروقة.

الواقع إنه كون هشام الخشن مش جى من عبّ دوائر المثقفين التقليديين، اللى بـ يتشربوا قراءات معينة من زوايا معينة وبـ يتقيدوا بـ إرث معين، كان مفيد جدًا سواء فى اكتساب ذائقة متفردة، أو عدم الانشغال بـ موضوعات ربما يكون الزمن تجاوزها، لكن كمان كان مهم فى اختيار الموضوعات اللى ما اعتدناش على طرحها فى روايات وقصص قصيرة، مش قصدى بس العنوان العريض، لكن كمان التفاصيل والعلاقات، زى رواية «ناعومى وأخواتها» و«تلال الأكاسيا» وغيرهما.

إنما أهم حاجة فى كونه من خارج دواير المثقفين هو إنه «عادى»، بـ يحب الكورة، والنكتة، وما عندوش تصنيفات مسبقة لـ البشر، ولا متقيد بـ صوابيات سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، وما عندوش انحيازات من اللى بـ تقيد غيره كتير، ولـ ذلك قعدته من أظرف القعدات، وإن كان ع الكتابة،، فـ هو بـ يكتب لـ إنه عنده حاجات يقولها، ومهتم يقولها، وبس. ودا أكتر من كفاية.