الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

مقدمة كتاب مترجم يصدر قريبًا..

تل العمارنة.. أسرار المدينة المفقودة

حرف

مرحلة اتسمت بالضبابية. كان يُمكن أن تُصبح الأكثر إضاءة في التاريخ المصري القديم، لو أن المغامرة اكتملتْ حسبما خطط الملك الحالم، وقتها فقط كان سياق الأحداث سيتغير، لأن المُنتصر قادرٌ على كتابة النصوص وفق رؤيته. لكن المشكلة أن الحُلم تعرّض لعملية إجهاض مُبكّرة، وتحوّل إلى كابوس بعد أن انهارت الفكرة أمام من اعتنقوها بصِدق، أما المتلونون فلا أزمة لديهم، لأنهم سرعان ما يغيّرون جلود قناعتهم، ليصيروا جزءا من النظام الجديد. المتلونون لم يكونوا وحدهم، فهناك من جري التحكم بهم لأنهم في وضع "المفعول بهم"، من جانب آخرين أكثر خبرة وسيطرة وأكبر عُمرا، وهكذا تحول اسم الشاب الصغير "توت عنخ آتون" إلى "توت عنخ آمون"، ليصبح الاسم المتحوّل تعبيرا عن انتهاء حقبة، لم يتجاوز عمرها أعواما قليلة، ويتحول إخناتون في سرديات القدماء إلى الملك الضليل، ويتعرض لعملية تشويه ممنهجة، وتختفي مدينته "آخت آتون" بفعل تدمير متعمد وهجرة مرتدة إلى طيبة. تغيب "أفق آتون" عن الأذهان، وإن ظلت محور حكايات متناثرة في ذاكرة أجيال لم تعش التجربة، غير أن الشباب الأصغر سنًا سمعوا عنها من الآباء والأجداد، وبالطبع يختلف سياق القصة حسب موقع الراوي من الأحداث، وهكذا قد تكتسي الرواية بمسحة من حنين لحلم ضائع، أو تبدو كمرحلة سوداء تم تجاوزها. المعيار في هذه الحالة هو وجهة نظر الراوي وموقفه مما جرى وقت وقوعه.

كتب التاريخ المدرسية قدّمت "إخناتون" لنا كأول داعية للتوحيد، ولأن الدين يفرض وجوده على الأفكار، تحمّسنا لتلك الرؤية باعتبارها سبقت عددًا من العقائد. وعيُنا وقتها لم يجعلنا نتساءل عن أسباب الثورة المضادة على الفكرة، رغم أن المصريين القدماء كانوا يتعاملون مع تعدّد الآلهة برحابة صدر. مع تنامي الوعي صارت الأسباب أكثر وضوحًا، واكتشفتُ شخصيًا أن الصراع اقتصادي وليس عقائديًا، فمعابد الآلهة تمتلك مخصصات هائلة من المزارع والمنشآت، تجعل من الكهنة بالغي الثراء، وبطبيعة الحال ظلّ كهنة آمون هم الأوفر حظا وامتلاكا للثروات، لكن الملك الحالم قرر السطو على مخصصات معابد الإله آمون الذي تراجعت سطوته، باعتبار أن الناس على دين ملوكهم، ومن هنا انطلقت ثورة ترتدي عباءة الدين، برعاية الكهنة وتنفيذ قادة الجيش، غير أنها في الحقيقة صراعٌ على الثروة والنفوذ.

انتهت حقبة من تاريخ مصر، لكنها ظلت باقية في الأذهان لعدة قرون تالية، رغم اختفاء مدينة الأحلام. ومع الوقت لم تعُد هناك معلومات متوافرة عنها، فالتاريخ المصري نفسه أصبح طلاسم لأبناء العصور المتعاقبة، إلى أن كشف حجر رشيد عن أسرار حضارتنا، عقب فكّ شفرة رموزه، وهكذا بدأت رحلة بحث جديدة عن المدينة المفقودة، وهى مهمة ليست سهلة، بعد أن دمّرها القدماء الناقمون، واستخدم الأحفاد أراضيها في تسيير أمور حياتهم، نتيجة جهل بقيمتها التاريخية.

قبل سنوات زرتُ موقعها، مع الراحل الدكتور جاب الله على جاب الله، أمين عام المجلس الأعلى للآثار وقتها، واستمعتُ لشرح باري كامب الذي يتكرر اسمه كثيرا في هذا الكتاب. حكى عالم الآثار الانجليزي عن جهوده في إعادة اكتشاف المدينة، وسيطر عليه شعورٌ بالزهو لأنه يعيد تشييد المعبد، مع أن كل ما أنجزه مجرد إعادة ترتيب قطع من الحجارة فوق بعضها. في سني الصغيرة نسبيا وقتها أحسستُ بالدهشة، فما رأيته لا يتجاوز جدران تعلو على الأرض بسنتيمترات، ولا يمكن أن تصمد أمام أية مقارنة مع معابد بالغة الضخامة اعتدتُ زيارتها. مع تنامي المعرفة، أدركتُ صعوبة مهمة باري كامب التي تكاد تكون مستحيلة، فاستعادة الماضي المندثر يحتاج إلى جهدٍ مبالغ فيه، والحجارة المتناثرة من أطلال المعبد أشبه بقطع "بازل"، غير أننا في مواجهة تلك اللعبة نستعين بصورة على العُلبة تساعدنا في تحقيق الهدف، وإعادة تشكيل المشهد المطلوب، أما هو فلا يمتلك دليلا يعتمد عليه، وبالتالي تُصبح عملية إعادة تركيب الحجارة بجوار بعضها أمرا بالغ الصعوبة. بعدها قرأت كتابه المهم "تشريح حضارة"، مما ساهم في اتساع أفق رؤيتي لتلك المرحلة الضبابية.

تفتح المراحل الضبابية آفاق الخيال، لهذا اجتذبت "آخت آتون" ومؤسسها أنظار المغامرين من الكُتّاب، فبدأوا الربط بين إخناتون والنبي موسى، وتوت عنخ آمون والنبي عيسى، لدرجة أن العالم النمساوي الشهير سيجموند فرويد، خرج في آخر مؤلفاته من فلك علم النفس، ونشر كتابا عنوانه "موسى والتوحيد"، افترض فيه أن رحلة الخروج لا ترتبط ببني إسرائيل، بل هى قصة مصرية أصيلة، بطلها أحد كبار الكهنة في عصر إخناتون، اضطر للهرب مع المتمسكين بعبادة آتون، ثم اقتنص آخرون القصة ليمنحوا أدبياتهم زخما معنويا!

من هذه الفرضيات الأقرب للخيال، تنبع أهمية كتاب "تل العمارنة.. مدينة إله الشمس لإخناتون ونفرتيتي"، الذي حرص على تحويله إلى العربية، المترجم المجتهد محمد عبد الفتاح، لأن الكتاب ينحاز إلى الحقائق في مواجهة خيال لا ينتهي. المشكلة أن الحقيقة لا تملك جاذبية الخيال، خاصة عندما تظل المعلومات الموثوقة نادرة، وقد اعتمد المؤلف روبير فيرنيو على الحقائق العلمية، خلال رحلة بحثه عن أسرار تلك الحقبة، ومدينتها القابعة في ذكريات اندثرت، ونصوص تبدو غير متكاملة، لدرجة أن ما بقى من أطلالها لا يتناسب إطلاقا، مع مساحة شاسعة أثبتتها لوحات وضعها إخناتون، ليوضح حدود عاصمته.

صحيح أن الموقع شهد اكتشاف مئات الآلاف من القطع، عبر نحو قرن من الزمان، لكن نتائج عمليات التنقيب تضع الباحث أمام مأزق انعدام التجانس، فلا يجد أمامه سوى اللجوء أحيانا إلى الفرضيات، لكنها فرضيات منطقية تعتمد على أسس علمية، يمكن أن تواجهها فرضيات مضادة، مما يخلق حالة جدلٍ تليق بمدينة ظهرت فجأة من العدَم، في موقع بِكرٍ لم يسبق أن سكنه إنسان. كانت هذه رغبة إخناتون، الملك الحالم الذي اتهمه معارضوه بضعف الشخصية، والتهاون مع أعداء البلاد، غير أن الملك على ما يبدو كان منحازا لأحلامه فقط، وظهرت إرادته القوية في تحويل تلك البقعة الخالية، إلى تجمع سكني ضخم خلال سنوات قليلة.

في هذا الكتاب يحاول المؤلف استعادة روح المكان، ويعيد رسم تفاصيله وتشكيل ملامحه، وهى مهمة شاقة كما سبق أن ذكرنا، لكن الشخصيات التي ارتبطت بتلك المدينة تُمثّل عنصر جذب له، وكذلك لقارىء عادي، ينبهر باسمي إخناتون ونفرتيتي في العنوان، واسم توت عنخ آمون في الصفحات الأولى، ثم يكتشف مع بِدء القراءة أنه وقع في الفخ، فمضمون الكتاب ليس سطحيا، بل جادا شديد التخصص، ومع ذلك يمكن للقارئ المهموم بالتاريخ، أن يستكمل صفحاته ليدعم خياله بجرعة مُكثّفة من الحقائق العلمية.

باختصار، نحن أمام رحلة بحث مثيرة عن مدينة مفقودة، وعالم ساحر انهار أمام جماعات ضغط، قرّرت أن تكتب شهادة وفاته مُبكّرا، بعد أن سقط الجميع في دوامات المصالح المتعارضة، وكالعادة كتب المُنتصر التاريخ من وجهة نظره!