هوامش من دفتر الكبار.. محمد فاضل: يوسف شاهين كان ديكتاتورًا وأرى فى ذلك ميزة
- «جو» قال لى تعلم الفرنسية فالفرنسية لغة المهرجانات
- لا بد أن يمتلك المخرج الرؤية والمشروع أنا وشاهين أبناء الطبقة الوسطى وعبّرنا عن همومها فى أعمالنا
- لا بد أن ينتمى الفنان لتيار وإلا أصبح عمله منفردًا لا يصنع التأثير المطلوب
لقد تشرّفت بالكتابة عن اثنين من أهم المخرجين فى تاريخنا الفنى، أحدهما ترك بصمة وأصبح صاحب مدرسة فى صناعة السينما والآخر صاحب مدرسة كبيرة ومهمة فى صناعة الدراما التليفزيونية، وهما يوسف شاهين ومحمد فاضل.
أثناء إعدادى لكتابى الأخير «أن ترى الحياة وكأنها دراما من إخراج محمد فاضل».. اجتمعت مع الأستاذ فاضل لساعات طويلة أصبح من الصعب حصرها فى كتاب، وإلا أصبح الكتاب ضخمًا مهولًا تتخطى صفحاته ربما الألف صفحة، وهنا اضطررت للتكثيف، فتبقت هوامش من هنا وهناك، عن أحاديث متفرقة حول كل ما يخص الفن وصناعة الدراما والسينما وأبرز الشخصيات التى أتت فى تلك الصناعة، من بين هذه الأحاديث حديثى وحوارى مع الأستاذ محمد فاضل عن يوسف شاهين، فقررت أن أنشره هنا فى ذكرى مئوية العظيم يوسف شاهين، لكل ما فيه من أهمية عن أهمية الفن ودوره، والوقوف أمام مراحل وتحولات فى تاريخنا ليس فقط الفنى ولكن السياسى والاجتماعى أيضًا.
كانت البداية حين سألت الأستاذ فاضل عن كواليس ظهوره ووقوفه للمرة الأولى والأخيرة كممثل أمام كاميرا يوسف شاهين..

■ فى البداية.. احكِ لنا عن مشاركتك فى اعتصام الفنانين عام ١٩٨٧، وعلاقة يوسف شاهين بك فى تلك الفترة؟
- كنت موجودًا يوميًا فى الاعتصام الخاص بالفنانين عام ١٩٨٧، وكان يوسف شاهين أحد المشاركين الأساسيين. وأذكر أنه أتى من مخازن شركة الإنتاج التى يملكها بعدد من المراتب لكى ننام عليها، وكان حاضرًا معنا معظم الوقت.
لكن كانت هناك مجموعة من المشاركين يذهبون لقضاء احتياجاتهم ثم يعودون، لأن المكان لم يكن مجهزًا ليقيم فيه الجميع طوال اليوم، فكان شاهين يعيش معنا تفاصيل الموقف لحظةً بلحظة.
■ وماذا عن وقوفك أمام كاميرا يوسف شاهين فى فيلم «إسكندرية كمان وكمان»؟
- حين بدأ يوسف شاهين العمل على الفيلم أراد أن يُسجّل هذا الاعتصام داخل العمل، فاتصل بى وقال لى:
«تعالى إعمل اللى كنت بتعمله فى الاعتصام.. نفس الدور، نفس التفاصيل».
والحقيقة أننى لم أفكر يومًا فى التمثيل، وفى الجامعة كنت أظهر فى بعض المشاهد الصغيرة بالمسرحيات التى أخرجها كنوع من سدّ الفراغ أو للضرورة ليس أكثر. ولكن شاهين أقنعنى وأصر على وجودى فى الفيلم.. وقد كان.
وكان يصوّر المشاهد فى شقة بشارع عماد الدين صُمِّمت لتشبه مقر النقابة. ووقتها أخذت أتذكر شكل الملابس التى كنت أرتديها فى فترة الاعتصام، وما قمنا به من تفاصيل لكى يبدو كل شىء واقعيًا تمامًا.
واستطاع بعبقرية أن ينفذ مشهد الاعتصام، بل أخرجه بشكل شاعرى، ليعبّر عن تضامن الفنانين ووقوفهم كصف واحد أمام القرارات التى اتُخذت والتى يعرفها الجميع.
ويوسف كان بارعًا فى جعل المشاهد التمثيلية تبدو أقرب للتوثيق، حتى يظن المشاهد أنها لقطات حقيقية.
من العجيب هنا على المستوى التقنى أن الأستاذ «فاضل» حكى لى أن تصوير المشهد لم يكن على مرحلة واحدة بل على مراحل، كل مرحلة تشمل مجموعة من الممثلين تظهر فى لقطة أو «شوت» ثم تأتى المجموعة الأخرى من الممثلين لتمثل لقطة أخرى وهكذا. وفى النهاية قام شاهين بجمع كل تلك «الشوتات» و«اللقطات» وتوحيدها فى مشهد واحد متناغم، وكما أشرت، شديد الشاعرية، ليكون متسقًا مع الفيلم ككل الذى تميز بروح شديدة الشاعرية والرومانسية، هى روح يوسف شاهين، لأن الفيلم يعتبر الجزء الثالث من رباعية أفلام السيرة الذاتية لشاهين، سبقه فيلما «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» وتلاه «إسكندرية نيويورك».
عدت للأستاذ فاضل وسألته..

■ البعض يرى أن يوسف شاهين كان ديكتاتورًا فى عمله.. هل توافق على ذلك؟ وهل شعرت أنت بذلك فى تلك المناسبة القصيرة التى جمعتكما؟
- نعم، هو كان ديكتاتورًا فى عمله، وهذه ليست صفة سلبية بالضرورة؛ بل أراها شيئًا يميزه.. فهناك مخرجون كثيرون يمتلكون نفس الصفة، ولكنهم لا يحسنون استخدامها.
الديكتاتورية هنا تعنى السيطرة الكاملة على الرؤية الإخراجية وعلى أسلوب أداء الممثل.
يوسف درس التمثيل والمسرح فى الخارج، وكان قارئًا جيدًا لطبيعة الممثل.. وكما نعرف الممثل هو العنصر الرئيسى فى المسرح، على عكس السينما التى يمكن أن تكون الصورة هى العنصر الرئيسى بها، وبالتالى دراسته للمسرح جعلته شديد الاهتمام وحريصًا على السيطرة على الممثل.
وبالمناسبة هو ممثل جيد جدًا، فهو مثّل فى بعض أفلامه منها فيلم «باب الحديد» الذى أدى فيه دور «قناوى» ببراعة، فضلًا عن تمثيله فى هذا الفيلم «إسكندرية كمان وكمان».
وهو أيضًا تميز بطريقة مدهشة على الإقناع، فهو يستطيع أن يُقنع الممثل بما يريد، ليأخذ من الممثل ما يريده هو كمخرج بالضبط.. وهذه ميزة نادرة.
وكان تدخله فى الأداء واضحًا جدًا، خصوصًا مع الوجوه الجديدة التى كانت تتأثر بأسلوبه، هو لم يكن يستطيع أن يؤثر على فنانين كبار مثل محمود المليجى على سبيل المثال فى فيلم مثل «الأرض»، لكن مع الشباب ظهرت بصمته التمثيلية بقوة، لأنهم ربما كانوا لا يعطونه ما يريد. وكانوا يفعلون ذلك عن اقتناع وحماس وليس تقليدًا.. وأغلبهم تأثر بأسلوبه وأحبه.

■ ذكرت أن شاهين أعطاك نصائح مهمة فى أحد المهرجانات.. هل تحكى لنا تلك الواقعة؟
- نعم، كنت فى مهرجان «نانت» فى فرنسا، لعرض فيلم «حب فى الزنزانة». استقبل الجمهور الفيلم بشكل جيد جدًا، وأعجبهم واحتفوا به، وطلبوا منى إجراء بعض الحوارات حول الفيلم، لكن كانت مشكلتى أننى لا أجيد الفرنسية، ربما أستطيع التحدث بالإنجليزية إلى حد ما، ولكنهم كانوا يتحدثون الفرنسية فقط.
ووقتها بالصدفة مررنا أمام مقهى بالشانزليزيه، فوجدنا يوسف شاهين جالسًا، فقصصت عليه ما حدث، فقال لى بحزم:
« لازم تتعلم الفرنسية هى لغة المهرجانات».
وبالرغم من أنها كانت نصيحة مهمة، إلا أننى للأسف لم أجد الوقت لتعلمها.
■ فى رأيك.. هل يمكن أن يرى المشاهد جزءًا من حياة الفنان ومشواره الشخصى فى أعماله حتى ولو لم تكن تتناول سيرته الذاتية أو تحمل ختم السيرة الذاتية؟
- بالطبع.. الفن الحقيقى جزء من ذات الفنان، وإلا تحوّل إلى «صناعة» بحتة، وهنا سيصبح كل الفنانين متشابهين.
عندما يمسك الرسام فرشاته، أو يقوم المؤلف الموسيقى بتأليف قطعة موسيقية جديدة، فهو يُخرج جزءًا من ذاته، وروحه ويضعها فى العمل.. ما بالك بالمخرج الذى يقوم بتصوير وتجسيد دراما، بالتأكيد سيضع فيها جزءًا من نفسه ومن مشواره الإنسانى حتى ولو فعل ذلك وهو غير مدرك. وأنا شخصيًا كان خطى الرئيسى فى أعمالى هو تناول قضايا الطبقة المتوسطة؛ لأنها الطبقة المحركة للمجتمع، التى تضم الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين والموظفين. وأنا مثل شاهين ابن هذه الطبقة، وبالتالى اهتممنا بها وعبّرنا عنها فى أعمالنا.

■ بما أننا تحدثنا عن نقاط التشابه أو التلاقى بينك وبين يوسف شاهين، فيجب أن نتوقف أمام علاقتكما بالرئيس السابق جمال عبدالناصر.. وهى علاقة خاصة جدًا.. وعند شاهين نرى أن العلاقة ليست فنية فقط بل إنسانية ومستمرة حتى آخر أفلامه «هى فوضى».. كيف تفسّر ذلك؟
- شاهين، كما أشرت، زيى.. ابن الطبقة المتوسطة، ومن الطبيعى والبديهى أن يتأثر بمشروع عبدالناصر وبكل ما قدمه لتلك الطبقة. عبدالناصر هو أول حاكم مصرى مئة بالمئة يحكم مصر منذ مئات الأعوام قبل الميلاد. وهو ابن الطبقة الوسطى، وبالتالى كان على علم بكل ما تعانيه تلك الطبقة، فقدم لها الكثير مثل مجانية التعليم، والإصلاح الزراعى، وقاد المشاريع الكبرى مثل بناء المصانع والسد العالى (وهنا نذكر أن يوسف شاهين قبل ثورة يوليو أخرج فيلمًا بعنوان «ابن النيل» عبّر فيه عن ضرورة بناء السد، وعن خطر مياه الفيضان التى تُغرق البيوت والناس)فمشروع السد كان موجودًا لدى كل حكام مصر، ولكن لم يفكر أحد فى تنفيذه لأسباب كثيرة. واتخاذ قرار فارق وتاريخى بتأميم القناة. وشاهين ظلّ متأثرًا بهذا المشروع حتى وفاته.
■ ولكن شاهين قدّم نقدًا للتجربة الناصرية؟
- نعم، لكنه نقد إيجابى.
فى «العصفور» مثلًا، لم يحمّل عبدالناصر الهزيمة وحده، بل حمّلها للقيادات التى حوله، وللفساد الإدارى،ولمنظومة الأمن، لكنه حافظ على رمزية عبدالناصر كشخص وكمشروع اجتماعى. كما أن بالنسبة لى الهزيمة الحقيقية للمشروع الناصرى جاءت بعد الانفصال عام ١٩٦١ عن سوريا، بسبب عبدالحكيم عامر، الذى أظنه هو كعب أخيل، أو نقطة ضعف البطل التراجيدى بالنسبة لعبدالناصر، الذى لم يستطع التخلص منه حتى لا تتصدع أجهزة الدولة أو يحدث انشقاق كبير.
وهناك قلت للأستاذ فاضل إننى أعتبر ما قام به شاهين من نقد للتجربة الناصرية درس فى حد ذاته لكل المثقفين، فهو حين انتقد.. فعل ذلك من خلال أعمال فنية شديدة العذوبة وعالية القيمة الفنية، وبطريقة شاعرية لا مثيل لها.. فمن منا ينسى أسلوبه فى فيلمى «العصفور» و«عودة الابن الضال» والطريقة التى عبّر بها عن علاقته بأيام عبدالناصر.
بعدها سألت الأستاذ..

■ بناء على ذلك هل ترى أنكما- محمد فاضل ويوسف شاهين- أبناء ثورة يوليو؟
- بكل تأكيد، فما قدمته الثورة لنا كأبناء للطبقة الوسطى ثم كفنانين الكثير.. بداياتى الفنية وانطلاقتى الحقيقية كانت بسبب اهتمام ثورة يوليو بالثقافة والفنون كأداة لمواجهة الأمية والتخلف التى سيطرت على مصر ما قبل يوليو.. وتجسد هذا الاهتمام بالثقافة فى الكثير من الأفعال والمشاريع التى تبنتها دولة يوليو فى ذلك الوقت.
بالإضافة إلى أن أفضل أفلام يوسف شاهين، بل أفلامه الخالدة والتى احتلت قوائم أفضل الأفلام فى تاريخنا، أغلبها صُنع فى تلك الفترة.
وكانت هناك جرأة فى تناول المواضيع لدرجة لم تعد متاحة فيما بعد ١٩٧٠، فبالنسبة لى قدمت فى بداياتى عدة تمثيليات بالإضافة إلى مسلسل «القاهرة والناس» وأعمال أخرى حملت نقدًا صريحًا.. وكذلك يوسف شاهين حين قدم «باب الحديد» على سبيل المثال الذى أوضح فيه مشاكل الفقراء والمهمشين والنقابات العمالية.. وغيره من الأفلام.
■ فى رأيك لماذا لم نعد نرى مخرجًا صاحب بصمات كبيرة الآن.. هل ترى أن هناك مخرجين مميزين الآن أو أصحاب رؤى ومشاريع؟
- بكل تأكيد هناك مخرجون مميزون، ولكنهم بكل أسف لا ينتمون لتيار، ولم يتم تأسيسهم على يد مخرجين كبار، فمثلًا حين نتأمل تاريخ الصناعة فى مصر نرى أن صلاح أبوسيف، على سبيل المثال، قبل عمله كمخرج عمل مع الأسماء التى أسست تاريخ السينما، ثم قام هو فيما بعد مع شاهين وكمال الشيخ وآخرين بعمل تيار سينمائى جديد أفرز أفلامًا شديدة الأهمية.. ليعلّموا جيلًا آخر هو جيل خيرى بشارة وعاطف الطيب وداود عبدالسيد الذين عمل أغلبهم فى أفلام مع شاهين.. والذين أسسوا تيارًا جديدًا فى السينما، ومن هنا جاءت المشاريع الكبيرة التى تتحدث عنها.
ولكن ما الذى حدث بعد هذا الجيل.. لا أعرف.. ولكن الأمر نفسه حدث فى الدراما التليفزيونية، أنا تعلمت من أستاذ نور الدمرداش.. ثم علّمت من جاءوا من بعدى.. ولكن ماذا بعد؟
وهنا أختتم كلامى بضرورة وأهمية أن ينتمى الفنان بشكل عام إلى تيار، فنجيب محفوظ ككاتب انتمى إلى تيار، وكذلك توفيق الحكيم فى الكتابة.. وحين ننظر إلى كل نوع من أنواع الفنون نجد ذلك.. لكن المخرج بالتحديد لكى يصبح مخرجًا جيدًا ومتميزًا وصاحب بصمات حقيقية لا بد أن يمتلك الرؤية والمشروع.. وهذه الرؤية تأتى نتيجة لعوامل كثيرة.. أهمها الثقافة ثم الثقافة.. ثم الثقافة.

■ ما رأيك فى رباعية أفلام السيرة الذاتية ليوسف شاهين وبالتحديد «إسكندرية.. كمان وكمان»؟
- شاهين ابن الطبقة المتوسطة.. وهو جزء منها، وعبّر عنها خلال كل أعماله، يمكن من أول أفلامه «بابا أمين».. ورباعيته «إسكندرية ليه»، «حدوتة مصرية»، «إسكندرية كمان وكمان»، «إسكندرية نيويورك» كانت تعبيرًا مباشرًا عن هذه الطبقة وتجربتها. فنرى على سبيل المثال هموم الأسرة والعائلة المادية وخلافه فى كثير من المشاهد واللقطات.
وأيضًا كان يتحدث عن مشاكله وأفكاره من خلال شخصيته وتجربته الخاصة، شديدة الذاتية، وليس من خلال شخصيات متخيلة.
وهذا النهج موجود أيضًا لدى مخرجين عالميين قدموا سيرهم الذاتية من خلال السينما.






