متاهة النكران.. ياسر الشيمى يكشف عملية كسر احتكار «الأفندية» للعمل الوطنى
- الكتاب يحكى عن 20 بطلًا شكلوا عصب المقاومة ضد الاحتلال فى ثورة 1919
- الثورة اشتعلت فى القرى والنجوع بقوة تفوق العاصمة أحيانًا
- أبطال الأقاليم واجهوا المدافع بصدور عارية وقطعوا طرق الإمداد عن المحتل بمهارة
- الحرفيون والعمال كانوا عصب المقاومة المسلحة
أصدر الكاتب الصحفى والباحث ياسر الشيمى مؤخرًا كتابه الجديد «متاهة النكران»، وهو عمل بحثى صادم يعيد صياغة تاريخ ثورة 1919 من منظور الأبطال المهمشين الذين لم ينالوا حقهم فى السرد الرسمى.
فى هذا الكتاب، يفتح «الشيمى» نافذة مختلفة على الثورة، حيث يتتبع مساراتها من خلال أصوات العمال والفلاحين والنساء الذين شكلوا القاعدة الشعبية للحراك الوطنى، لكنهّم ظلوا خارج دائرة الضوء.
ويكشف المؤلف عن الجوانب المسكوت عنها فى التاريخ، متوقفًا عند التناقضات بين الرواية الرسمية والواقع الشعبى، ومبرزًا كيف أسهم المهمشون فى صنع لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث.

■ ما القيمة النوعية التى يقدمها كتاب «متاهة النكران» وسط ركام الدراسات عن ثورة ١٩١٩؟
- يحكى الكتاب عن المصائر الفردية المنسية، موثقًا حضور عشرين بطلًا شكلوا عصب المقاومة الشعبية، فالدراسات التقليدية ركزت على الزعماء والأحداث الكبرى، واختزلت الثورة فى رموز معدودة.
عملى هذا يغوص فى تفاصيل السجن والنفى والعزلة، مستعيدًا وجوهًا سقطت من الذاكرة الجمعية، فالحقيقة تكمن فى تضحيات هؤلاء المجهولين، والبحث الحالى يفكك آلية التهميش الممنهج التى طالتهم، مقدمًا تاريخًا حيًا يتفاعل معه القارئ بعمق، بعيدًا عن السرديات المختزلة والجامدة.
■ ما فلسفة اختيار ٢٠ شخصية تحديدًا لهذه الدراسة المكثفة؟
- الاختيار قام على معيار التأثير الميدانى وحجم النسيان اللاحق، العشرين شخصية يمثلون أطياف المجتمع المصرى بكل تنوعه، من الصحفى والضابط إلى الحرفى والفلاح والمرأة والطالب، كل شخصية تمثل زاوية مختلفة من زوايا النضال الوطنى، هذه العينة المكثفة تهدف لتقديم صورة بانورامية وشاملة للثورة، وإثبات أن البطولة كانت موزعة بالتساوى بين كل الفئات والطبقات، وأن كل فرد منهم كان لبنة أساسية فى بناء صرح الاستقلال.
■ كيف أعاد البحث صياغة مأساة عزيزة خضير وتضحياتها فى «نزلة الشوبك»؟
- عزيزة خضير تمثل أيقونة الصمود الريفى المنسى، واجهت جسارة المحتل فى ملحمة الشوبك بصلابة منقطعة النظير، تعرضت لتنكيل وحشى، ومع ذلك سقط اسمها من سجلات التكريم الرسمية، الجحود طالها حتى من أهل منطقتها، وهو ما وثقته بمرارة فى الكتاب، استعادة سيرتها تهدف لإنصاف المرأة الريفية، والتأكيد على دورها الريادى فى حماية الأرض والعرض، بعيدًا عن محاولات التغييب التى طالت بطلات الأقاليم لسنوات طويلة.
■ ما الدور الذى لعبته مأساة «نزلة الشوبك» فى كشف وحشية المحتل وبسالة الفلاح المصرى؟
- واقعة نزلة الشوبك جرح غائر فى تاريخ الاحتلال البريطانى، وثقتُ فيها استبسال الفلاحين فى الدفاع عن أرضهم بصدور عارية، المحتل ارتكب مجزرة بشعة لمحاولة كسر إرادة القرية المصرية، الكتاب يفضح زيف الروايات الرسمية البريطانية، وينتصر لرواية الضحايا والبسطاء، هذه المأساة شاهد إثبات على أن الثورة كانت حرب تحرير حقيقية خاضها الفلاحون بوعى وفداء، ودفعت فيها القرى أثمانًا باهظة من دماء أبنائها.
■ صف لنا الملحمة الإعلامية التى قادها قرياقص ميخائيل من قلب لندن؟
- قرياقص ميخائيل كان جبهة وطنية كاملة فى عاصمة الضباب، استخدم قلمه الصحفى لفضح جرائم الاحتلال أمام الرأى العام العالمى، نظم المظاهرات، وأنشأ جسور تواصل مع البرلمان البريطانى، محولًا قضية الاستقلال إلى أزمة دولية، نضاله يمثل أرقى أنواع الدبلوماسية الشعبية، وتجاهله يمثل ثقبًا أسود فى تاريخنا المعاصر، وهنا سعيت لتسليط الضوء على هذا المحارب الشجاع، لأن معركة الحرية خيضت بالأفكار والأقلام فى عقر دار العدو.
■ ما الدلالة الرمزية لسقوط حميدة خليل كأول شهيدة أمام المسجد الحسينى؟
- فى ظنى أن استشهاد حميدة خليل فى ١٤ مارس مثّل شرارة الانفجار الشعبى الشامل، دمها الطاهر أثبت انخراط كل فئات المجتمع فى الثورة، غياب اسمها عن منصات التكريم يعكس انحياز التاريخ للطبقات النخبوية، وتجاهله للبسطاء، ونحن نحاول استرداد حق هذه المرأة فى الذاكرة الوطنية، ونرجو وضعها فى مكانتها المستحقة كطليعة لشهيدات الوطن، لأن الثورة استمدت قوتها من إيمان الناس العاديين، وتضحياتهم الفطرية الصادقة.

■ وضح لنا حجم الرعب الذى سببه عثمان الطوبجى لأجهزة أمن الإمبراطورية؟
- عثمان الطوبجى يجسد عبقرية الفدائى الشعبى، هذا الحرفى البسيط أدار عمليات نوعية أرعبت جنود الاحتلال، تقارير المخابرات البريطانية وثقت خطورته بدقة متناهية، استعادة سيرته تكسر احتكار «الأفندية» للعمل الوطنى، وتثبت أن الحرفيين والعمال كانوا عصب المقاومة المسلحة، الحقيقة أن وروده فى صفحات الكتاب بمثابة احتفاء بذكائه وجسارته، حيث قدم نموذجًا ملهمًا لكل مواطن يرى فى وطنه كرامة تستحق الفداء بكل السبل المتاحة.
■ لماذا تعتبر النهاية المأساوية لأحمد عبدالحى «كيرة» وصمة عار فى جبين النكران التاريخى؟
- أحمد عبدالحى كيرة طالب الطب النابه وأسطورة الجهاز السرى، وصاحب تضحيات مذهلة، موته وحيدًا فى تركيا يمثل قمة المأساة الإنسانية، إذ أفنى عمره مطاردًا من المحتل، وانتهى به المطاف جثة مجهولة فى المنافى، هذا البطل دفع ثمن إخلاصه صمتًا وتهميشًا، وتوثيق قصته يهدف لمواجهة الجحود الذى طاله حيًا وميتًا، سيرته تفرض علينا مراجعة شاملة لتقديرنا لرموزنا، والتأكد من وصول العدالة الرمزية لكل من احترق ليضىء طريق الحرية لغيره.
■ بمَ تصف الدور التنظيمى الفذ لعبدالرحمن فهمى فى حماية الثورة؟
- عبدالرحمن فهمى كان العقل المدبر والمحرك الفعلى للعمليات السرية، وأنا أعتبره القائد الفعلى لثورة ١٩١٩، أدار شبكة معقدة من المتطوعين، وضمن استمرار المقاومة فى أصعب اللحظات، نضاله اتسم بالدقة العسكرية والإيمان المطلق بالقضية، تعرض للسجن والتضييق، ومع ذلك ظل ثابتًا خلف الستار، الحقيقة أننا نحاول إنصاف رجل لم يسع يومًا لأى منصب رسمى رغم دوره العظيم فى الحفاظ على زخم الثورة، وسقط ضحية لنجاحات سياسية كانت مدينة بوجودها لهذا التنظيم الحديدى المحكم.
■ ما ملامح البطولة الفطرية للحاج أحمد جاد الله وسر احتفائك بسيرته؟
- أحمد جاد الله يمثل صدق الانتماء الشعبى للأرض والقضية، نضاله اتسم بالعفوية والقوة، بعيدًا عن حسابات المكاسب السياسية وقعتُ فى غرام تفاصيل حياته التى تعكس شموخ الإنسان المصرى البسيط، احتفائى بسيرته احتفاء بكل شخص آمن بالثورة كفعل تحرر ذاتى، قصته تضفى على الكتاب روحًا إنسانية عذبة، وتؤكد أن الوطنية الحقة تسكن القلوب الصافية التى لا تعرف الرياء أو التراجع، كان عظيمًا رحمه الله.
■ كيف رصد الكتاب دور أبطال الأقاليم فى كسر مركزية الثورة القاهرية؟
- الثورة اشتعلت فى القرى والنجوع بقوة تفوق العاصمة أحيانًا، أبطال الأقاليم واجهوا المدافع بصدور عارية، وقطعوا طرق الإمداد عن المحتل بمهارة، الكتاب يسلط الضوء على هؤلاء المنسيين فى الصعيد والدلتا، مستعيدًا بطولاتهم الميدانية الجسورة، فى محاولة لكسر مركزية التأريخ وهو هدف أساسى للبحث، لإنصاف كل شبر من أرض مصر شارك فى ملحمة الاستقلال، والتأكيد على شمولية الفعل الوطنى وتجاوزه للحدود الجغرافية الضيقة.
■ بمَ تفسر صمود الشيخ القاياتى والقمص سرجيوس فى وجه محاولات شق الصف الوطنى؟
- القاياتى وسرجيوس جسدا الوحدة الوطنية فى أبهى صورها الميدانية، وهى الروح المدهشة التى تلبست الجميع وقتها، خطابهما تجاوز الانتماء الدينى ليذوب فى بوتقة الوطن، واجها نفى الاحتلال وتضييقه بصلابة منقطعة النظير، صمودهما كان الصخرة التى تحطمت عليها مؤامرات الفتنة، الكتاب يبرز هذا التلاحم العضوى، مؤكدًا أن الثورة كانت فعلًا إيمانيًا جامعًا، وأن هذه العمايم والقلانس كانت تقود الجماهير نحو هدف واحد هو التحرر والكرامة.
■ كيف تعامل الكتاب مع قصص نهايات الأبطال المحملة بالألم والفقر والعزلة؟
- تعاملت مع هذه النهايات بصدق مؤلم وبحث دقيق، وثقتُ حالات العوز والتهميش التى عانى منها الأبطال بعد انطفاء وهج الثورة، الكتاب لا يجمل الواقع، لكنه ينقل مرارته لفضح حجم النكران، هذه النهايات الحزينة هى جزء لا يتجزأ من السيرة النضالية، وتكشف عن نبل هؤلاء البشر الذين لم يطلبوا ثمنًا لتضحياتهم، نقل هذا الألم هو وسيلة لتحفيز الضمير الوطنى على ضرورة التكريم المتأخر والاعتراف بالجميل.

■ كيف وثقت التحولات الفكرية والسياسية لأبطال ١٩١٩ نتيجة تجاربهم القاسية؟
- التجربة النضالية صقلت أرواح هؤلاء الأبطال، وغيرت قناعاتهم بشكل جذرى، السجن والنفى فرضا عليهم مراجعات فكرية عميقة، وثقتها من خلال أوراقهم ومذكراتهم النادرة، بعضهم اختار العزلة التامة، وآخرون استمروا فى المواجهة بأشكال مختلفة، هذه التحولات تعكس الأثر النفسى والسياسى للثورة على الفرد، وتكشف عن معدن الإنسان المصرى فى مواجهة القمع والترهيب، ما يمنح البحث بعدًا إنسانيًا يتجاوز مجرد سرد الوقائع.
■ ما المنهجية المتبعة فى التعامل مع الوثائق الرسمية والمذكرات الشخصية النادرة؟
- المنهجية قامت على التقاطع والتدقيق والإنصاف، الوثيقة الرسمية شاهدة على الحدث، والمذكرات الشخصية تكشف المسكوت عنه، بذلتُ جهدًا مضنيًا فى الوصول لأوراق مهملة وأرشيفات عائلية نادرة، قاطعتُ روايات الاحتلال مع شهادات المعاصرين لاستخلاص الحقيقة المجردة، الهدف هو تقديم مادة تاريخية رصينة، تستند ليقين الوثيقة، وتتنفس بروح التجربة الإنسانية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التمجيد الزائف.
■ لماذا تظل «متاهة النكران» خطرًا يهدد وعى الأجيال المصرية الجديدة؟
- النسيان فعل تدميرى للهوية الوطنية، إهمال سير هؤلاء الأبطال يخلق جيلًا فاقدًا للبوصلة، ويقطع صلة الوصل مع نماذج التضحية الحقيقية، المتاهة تبتلع الحقائق، وتترك المجال للروايات المشوهة، استعادة هذه الأسماء تهدف لترميم الوعى، ومنح الشباب قدوات واقعية من صلب شعبهم، العدالة التاريخية ضرورة حتمية لفهم الحاضر، وبناء مستقبل يقوم على الاعتراف بجهود كل من أسهم فى صياغة وجدان هذا الوطن.
■ ما الرسالة التى يوجهها الكتاب للمؤسسات الثقافية والتأريخية فى مصر؟
- الرسالة هى ضرورة الانفتاح على «الأرشيف الشعبى» وإعادة قراءة التاريخ بإنصاف، المؤسسات مطالبة بتبنى مشاريع بحثية تستهدف المنسيين والمهمشين، العدالة التاريخية تتطلب جهدًا جماعيًا لتوثيق سير كل من قدم تضحية للوطن، الكتاب يمثل دعوة لمراجعة المناهج والمرويات، لتشمل كل الوجوه التى صنعت المجد، بعيدًا عن سياسة الانتقاء التى تظلم الذاكرة الوطنية وتطمس ملامح البطولة الحقيقية.
■ صف لنا الشعور الذى تملّكك أثناء تتبع التفاصيل الصغيرة لحياة هؤلاء الأبطال؟
- تملكتنى حالة من الذهول والتبجيل أمام عظمة هؤلاء البشر، التفاصيل الصغيرة كشفت لى عن حجم الوجع والالتزام الأخلاقى الذى تمتعوا به، رأيتُ فى حياتهم وحكاياتهم إنسانية فائقة، وصمودًا يفوق الخيال، الشعور بالمسئولية كان يدفعنى لمواصلة البحث لإنقاذ هذه التفاصيل من الاندثار، إعادة تركيب المشهد بدقة نوع من الوفاء لأرواحهم، ومحاولة لمنحهم صوتًا بعد قرن من الصمت القسرى والجحود المؤلم.
■ ما الموقع المستهدف لكتابك ضمن خارطة الثقافة التاريخية المعاصرة؟
- أطمح وأرجو أن يكون «متاهة النكران» مرجعًا لإنصاف المهمشين، ومنطلقًا لدراسات جديدة تنبش فى المسكوت عنه، الكتاب يطمح لتغيير النظرة السائدة تجاه ثورة ١٩١٩، محولًا إياها من مجرد حدث سياسى إلى ملحمة إنسانية كبرى، الموقع المستهدف هو قلب القارئ وعقل الباحث، ليكون العمل جسرًا لاستعادة الوعى، ووثيقة اعتراف وطنية بكل بطل سقط من حسابات الزمان والجحود الممنهج.
■ ألا توجه كلمة أخيرة لكل من يقرأ «متاهة النكران» اليوم؟
- أدعو كل قارئ لاستعادة ثقته فى قدرة الإنسان المصرى على صنع المعجزات، اقرأوا سِيَر هؤلاء الأبطال لتدركوا أن الحرية انتزاع لا منحة، «متاهة النكران» صرخة تبدو مكتومة وهى مجرد بداية فقط تحاول مصالحة التاريخ مع الحقيقة، أقول للجميع لا تتركوا أبطالكم يموتون بالنسيان، فإحياء ذكراهم هو إحياء لروح الأمة وقوتها، التاريخ ملك لنا جميعًا، واسترداد حق هؤلاء المنسيين هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل يحترم الإنسان ويقدس التضحية والوفاء.






