الجمعة 06 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا تقول مثقفات إيرانيات؟

حرف

- شرعية المرشد تآكلت بعد انتفاضة 2012 

- الإيرانيون مشغولون الآن بالتصدى للهجمات أكثر من التفكير فى السلطة 

فى ظل التطورات المتسارعة التى تشهدها إيران لحظة تلو الأخرى، خاصة بعد اغتيال المرشد على خامنئى، تزداد الحاجة إلى إلقاء الضوء على التحولات السياسية والاجتماعية فى الجمهورية الإسلامية، وتقديم رؤى تحليلية حول مستقبلها فى مرحلة ما بعد المرشد.

«حرف» تحاور الكاتبة والأكاديمية الإيرانية- الألمانية شيفا رهبران، والكاتبة الإيرانية فاطمة الصياحى، حول المشهد الحالى، والمخاطر المحتملة، وردود فعل الشارع الإيرانى.

شيفا رهبران: وفاة خامنئى خطوة نحو التحرر

■ كيف ينظر الإيرانيون إلى وفاة على خامنئى؟ وما أثرها المباشر على النظام؟

- يرى العديد من الإيرانيين فى هذه الوفاة خطوة نحو التحرر، خاصة أنها أدت إلى انهيار الروح المعنوية لـ«الحرس الثورى». شرعية «خامنئى» تآكلت بالفعل بعد انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية»، فى عام ٢٠٢١، وانهارت تمامًا بعد تواريه عن الأنظار إثر حرب يونيو ٢٠٢٥ وحتى اغتياله فى ٢٨ فبراير ٢٠٢٦.

■ ما الذى دفع الكراهية الشعبية تجاه «خامنئى» للوصول إلى مستويات غير مسبوقة؟ 

- يعود ذلك إلى إصداره الأوامر بشن أعنف حملة قمع للاحتجاجات فى تاريخ البلاد، والتى يُقال إنها أسفرت عن مقتل أكثر من ٣٢ ألف متظاهر أعزل. انعكس هذا الغضب فى هتافات مثل «الموت لخامنئى»، وتُرجم إلى احتفالات واسعة بمقتله، داخل إيران وفى أوساط المغتربين. 

■ لماذا يرى كثيرون أن إحداث تغيير جذرى فى النظام الإيرانى بات ضرورة حتمية؟

- بعد عقود من محاولات الإصلاح التى قوبلت بوحشية لا هوادة فيها، تولدت قناعة بأن النظام مستعصٍ على الإصلاح بسبب أيديولوجيته القائمة على تصدير الإسلام السياسى «الراديكالى»، والسعى لتدمير إسرائيل. 

حتى أثناء اختبائه فى مخبأ تحت الأرض، ما أكسبه لقب «موش-على» أو «على الفأر»، استمر «خامنئى» فى إصدار أوامر الاعتقال والقتل، ما جعل تغيير النظام المخرج الأكثر واقعية لإنهاء المعاناة.

■ ما التحديات والمخاطر السياسية التى تكتنف المرحلة الحالية من الفراغ فى السلطة؟

- بسبب استهداف النظام للخلفاء المحتملين لفترات طويلة، لم تبرز شخصيات سياسية ذات مصداقية. هذا الفراغ قد يؤدى إلى فوضى، أو اقتتال داخلى بين الفصائل المتناحرة، أو قد يُفضى إلى إصلاحات شكلية تقودها معارضة «مزيفة» أو «مصطنعة» تفتقر لثقة الشارع الإيرانى.

■ مَن الشخصية التى يرى البعض أنها قادرة على توحيد البلاد الآن؟ 

- تزايدت الأصوات منذ انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» للمطالبة برضا بهلوى، نجل الشاه الراحل، للعب هذا الدور التوحيدى. يرى فيه أنصاره وريثًا لحقبة من التحديث، ويأملون فى قدرته على تقديم قيادة أكثر ليبرالية وديمقراطية، ومستقلة تمامًا عن المؤسسة السياسية لما بعد ١٩٧٩. 

■ كيف تأثر المشهد الثقافى والفكرى فى إيران خلال فترة حكم «خامنئى»؟

- تعرضت الحياة الثقافية لقيود خانقة، وتحديدًا بعد «الثورة الخضراء» عام ٢٠٠٩. مع تمدد النفوذ السياسى والاقتصادى لـ«الحرس الثورى»، ضاقت مساحات التعبير الفنى والأدبى، ما دفع الكثير من المبدعين إلى المنفى، أو العمل فى الخفاء، أو التزام الصمت التام.

■ ما توقعاتك للآفاق المستقبلية المأمولة لإيران فى حال تشكيل حكومة انتقالية شرعية؟ 

- إذا نجح الإيرانيون، بدعم دولى، فى تأسيس حكومة انتقالية خاضعة للمساءلة، يُعتقد أن البلاد ستستلهم قوتها من حضارتها العريقة، وتتعلم من دروس تاريخها الحديث. هذا قد يُمهد الطريق لنهضة ثقافية غير مسبوقة، تُعيد لإيران دورها المحورى فى المشهد الإقليمى والعالمى.

فاطمة الصياحى: دماء الشهداء وحدت الداخل فى مواجهة العدوان الأمريكى الإسرائيلى

■ بعد اغتيال على خامنئى، كيف ترين المشهد السياسى الإيرانى الآن؟ هل نحن أمام لحظة انتقال حقيقية أم إعادة إنتاج للنظام بشكل مختلف؟

- فى الحقيقة، وقع هذا الحدث فى ظل حرب كبرى، ويمكن القول إن ما يواجهه المشهد السياسى الإيرانى فى الوقت الحالى هو التصدى للهجوم العسكرى الأمريكى والإسرائيلى. 

فى الوقت الراهن، يركز مجلس القيادة الثلاثى، رغم وجود رئيس جمهورية إصلاحى، على إدارة الأزمة الخارجية، ولم يتخذ قرارًا بشأن قواعد السلطة فى المقابل.

فى رأيى، مسألة الانتقال السياسى بوصفها عملية ديناميكية تستغرق وقتًا، ولا يناسبها الوقت الحالى، لأن أولوية الشعب والدولة فى هذه المرحلة هى الحفاظ على وحدة الأراضى، ودرء أخطار الحرب.

■ ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لمرحلة ما بعد خامنئى؟ هل تتوقعين «صراع أجنحة» داخل النظام، أم محاولة سريعة لفرض خليفة يحافظ على التوازن القائم؟

- أعتقد أننا لن نشهد «صراعات أجنحة» كبيرة خلال هذا الانتقال، لأن معظم الصلاحيات التنفيذية بيد الفريق الإصلاحى للرئيس «بزشكيان»، وهذا قد يشكل عاملًا إيجابيًا للمستقبل، بما يتيح للتيارات السياسية التنموية والمعتدلة أن يكون لها نصيب أكبر فى التحولات.

ثانيًا، فى ضوء احتجاجات بعض فئات المجتمع، وظهور جيل جديد يحمل أفكارًا سياسية مختلفة عن الجيل السابق، أتوقع أن تتجه النخب السياسية، بدلًا من «فرض خليفة»، إلى إرساء مسارات سياسية ذات طابع وطنى، وتقديم وجوه جديدة تحظى بشعبية، بما يعزز رضا المواطنين ومشاركتهم فى التحولات الداخلية.

■ كيف ينظر الشارع الإيرانى إلى هذه اللحظة؟ هل يغلب الشعور بالتحرر أم القلق من الفوضى؟

- ما أثبته الشعب الإيرانى هو امتلاكه وعيًا سياسيًا فى فهم توقيت التحولات وسياقها. ففى حرب الأيام الـ١٢، خلال العام الماضى، ورغم الصعوبات الاقتصادية والانتقادات السياسية، دافع الإيرانيون عن وحدة أراضيهم وتماسكهم الوطنى.

هذه المرة صُمم الهجوم لاستفزاز الناس ودفعهم إلى النزول إلى الشارع، ويشهد على ذلك قصف مراكز الشرطة وأقسامها. لكننى أعتقد أن الناس فى ظل ظروف الحرب لن يخرجوا إلى الشارع.

■ إلى أى مدى تخشين انزلاق إيران إلى حرب أوسع، سواء داخليًا بين مراكز القوى، أو خارجيًا مع أطراف إقليمية ودولية؟

- أستبعد نشوب صراع على السلطة فى الداخل، إذ يبدو أن التيارين الإصلاحى والأصولى يمتلكان حصصًا ومواقع متقاربة فى السلطة. وأرى أن فرص التوصل إلى تسوية للخروج من الأزمة كبيرة. أما خارجيًا، ومع اتساع رقعة الحرب فى المنطقة بأسرها، فثمة احتمال لحدوث مواجهات قد تمتد عدة أشهر.

■ هل تعتقدين أن احتمالات الحرب قد تعيد توحيد جزء من الداخل خلف السلطة، أم أنها ستعمق الانقسام الشعبى؟

- أرجح احتمال توحيد الداخل. فحصيلة الضحايا والشهداء المدنيين فى هذه الحرب جددت الحداد الوطنى. لقد سقط المواطنون مجددًا ضحايا، وهذا يعمق التشاؤم وانعدام الثقة تجاه القوى الخارجية.

■ إلى أى مدى أثرت «دولة المرشد» خلال العقود الماضية على حرية التعبير والإبداع الأدبى والفنى فى إيران؟

- خلافًا لتصور كثير من المراقبين فى الخارج، لم يكن «المرشد» المتحكم بكل مفاصل النظام، ولا ينبغى اختزال بنية كاملة فى شخص واحد. إن الخطأ الاستراتيجى الذى ارتكبته إدارة «ترامب» باغتيال المرشد الإيرانى انطلق من هذا الفهم الخاطئ، لأنه بتغيير شخص لم تتغير السياسة العامة. والآن يواجه «ترامب» و«نتنياهو» ليس فردًا سياسيًا، بل مؤسسة بنيوية متماسكة ذات أذرع استخبارية وعسكرية واسعة فى إيران.

وبعيدًا عن ذلك، فقد انصب تركيز هذه البنية السياسية على الجوانب الصلبة لإدارة الدولة، ولم يكن هذا التركيز يعنى تقييدًا للسياسات الناعمة أو للأبعاد الثقافية والفنية.

نمت الأنشطة الفنية والقطاعات الثقافية بالتوازى مع تحولات المجتمع، لكنها لم تحظَ بالتغطية أو الاهتمام الإعلامى الذى حظيت به القطاعات الأمنية والسياسية. كما أن العديد من المجالات الفنية، مثل السينما، تطورت غالبًا بتمويل وإدارة الفنانين أنفسهم، واستمرت بصورة مستقلة فى نشاطها.

■ فى حال تشكلت مرحلة انتقالية، ما الدور الذى يمكن أن يلعبه المثقفون والفنانون فى إعادة صياغة الهوية الإيرانية؟

- الهوية الإيرانية حاضرة ومتجذرة بالفعل فى الحياة اليومية للناس؛ فالسينما، والسياحة، وتصميم الأزياء، والنحت، وأمسيات الشعر، وسائر الاحتفالات والطقوس التاريخية، كلها تجليات لذلك التاريخ وتلك الهوية الحضارية. 

ولا شك أن إضعاف هذه الهوية أو تعزيزها فى المستقبل سيتضح بعد الحرب، وبعد إعادة توزيع موازين القوة فى إيران. وأنا أرى أن الوعى الاجتماعى، والإرادة الشعبية، وحتى التحولات السياسية، تتجه نحو تحسين هذه الهوية وتعزيزها.