الخميس 18 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

تأثير ملحوظ.. تقرير أوروبى: ترجمة الكتب اليابانية تسيطر.. والـAI بديل المهارات المتوسطة

حرف

كشف تقرير بحثى جديد من 150 صفحة، بعنوان «الكتب المترجمة: اتجاهات وتحولات فى سوق النشر الأوروبى»، أن الترجمات من الإنجليزية تمثل ما بين 50% و70% من إجمالى العناوين المترجمة فى معظم أنحاء القارة. 

كما أشار التقرير إلى أن الترجمات من اليابانية تحظى بشعبية أكبر من الكتب المترجمة إلى بعض اللغات الأوروبية، وأن الذكاء الاصطناعى يُحدث بالفعل تأثيرًا ملحوظًا على سوق الترجمة.

يستند التقرير إلى بيانات من ١٠ دول ومناطق، جامعًا بين إحصاءات المكتبات الوطنية فى السويد وسلوفينيا وكتالونيا وبلغاريا وكرواتيا، وبيانات صناعة النشر فى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والنمسا. 

وقد أعدته شركة روديجر فيشنبارت للمحتوى والاستشارات بالتعاون مع CulturalTransfers.org، وهو جزء من مشروع ThinkPub الممول من الاتحاد الأوروبى.

لا تزال الترجمات تلعب دورًا بالغ الأهمية فى أسواق الكتب الأوروبية، خاصة تلك التى يقل عدد متحدثيها عن ١٠ ملايين، حيث تمثل عادة ما بين ٢٠٪ و٤٠٪ من الإنتاج السنوى للكتب. 

فى الأسواق الأكبر حجمًا، كألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تهيمن الكتب المترجمة إلى اللغات المحلية، وتمثل الترجمات ما يقارب ١٢٪ إلى ١٥٪ من الكتب الجديدة. 

أما الترجمات المباشرة بين اللغات الأوروبية الأقل انتشارًا، كالسلوفينية والبلغارية، فتبقى شبه معدومة، وغالبًا ما تستمد من ترجمة إنجليزية أولًا، حيث تستخدم الإنجليزية كلغة وسيطة.

ومن أبرز التحولات فى سوق الترجمة، تزايد شعبية المانجا اليابانية «القصص والروايات المصورة فى اليابان». 

ففى فرنسا، أصبحت اليابانية ثانى أكثر اللغات ترجمة، إذ مثلت ١٩.٩٪ من إجمالى العناوين المترجمة عام ٢٠٢٤. وفى ألمانيا، تجاوزت المانجا الفرنسية عام ٢٠٢١، وبلغت ١٢.٨٪ من العناوين المترجمة الجديدة عام ٢٠٢٣. وسجلت بولندا ١١٪ من الترجمات من اليابانية، متجاوزة الفرنسية أيضًا.

كل هذا يحدث فى ظل بيئة نشر تزداد صعوبة. ويشير التقرير إلى انخفاض مبيعات الوحدات السنوية فى معظم الأسواق على مدى العقدين الماضيين، باستثناء البرتغال وإسبانيا. 

ووفقًا لاتحاد الناشرين الأوروبيين، فقد خسرت صناعة النشر الأوروبية ٢٤.١٪ من قيمتها السوقية الحقيقية خلال العقدين الماضيين، بعد تعديل الإيرادات وفقًا للتضخم.

أما على صعيد السياسات، فيظهر التقرير أن تمويل منح الترجمة من الاتحاد الأوروبى، من خلال برنامج تداول الأعمال الأدبية الأوروبية، قد ارتفع من حوالى ٣.٤ مليون يورو سنويًا فى الفترة ٢٠١٦/ ٢٠١٧ إلى ٥ ملايين يورو سنويًا فى الفترة من ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٤. 

كما يشير إلى أن الترجمات من أوكرانيا كانت الأسرع نموًا، حيث دعم الاتحاد الأوروبى نشر ١٣٠ كتابًا، ما يمثل ٦٪ من إجمالى الأعمال الممولة بين عامى ٢٠٢١ و٢٠٢٤. وجاءت هذه الطفرة ردًا على الغزو الروسى لأوكرانيا عام ٢٠٢٢.

كما يسلط التقرير الضوء على اختلالات حادة بين البرامج الوطنية. ويستشهد بسلوفينيا «عدد سكانها ٢.١ مليون نسمة»، التى تنشر ٣٨٠٠ عمل أصلى سنويًا، ودعمت ترجمة ١٦٥ عنوانًا خلال الفترة من ٢٠٢٠ إلى ٢٠٢٤. 

فى المقابل، دعمت بلغاريا «عدد سكانها ٦.٣ مليون نسمة»، التى تنتج ما يقرب من ضعف هذا العدد من الكتب سنو يًا، ١٨ عنوانًا فقط من خلال برنامجها الوطنى لتمويل الترجمة.

يتناول التقرير أيضًا تأثير الذكاء الاصطناعى على سوق الترجمة، محددًا حدثين محوريين. 

أولًا، فى نوفمبر ٢٠٢٥، أطلقت أمازون خدمة Kindle Translate، وهى أداة ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعى، متاحة حصريًا للمؤلفين الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم عبر منصة Kindle Direct Publishing، وتغطى الترجمة من الإنجليزية إلى الإسبانية، ومن الإسبانية إلى الإنجليزية، ومن الألمانية إلى الإنجليزية. 

ويشير التقرير إلى أن اقتصار الأداة حاليًا على أزواج لغوية أوسع- نظرًا لمحدودية بيانات التدريب- من المرجح أن يوسع الفجوة بين اللغات السائدة واللغات الأقل انتشارًا.

ثانيًا، أشار التقرير إلى تطور حدث فى فبراير، عندما تعاونت دار نشر HarperCollins France مع Fluent Planet لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى ترجمة سلسلة روايات Harlequin Azur الرومانسية. 

وبررت هاربر كولينز هذه الخطوة بالقول إنه فى ضوء انخفاض المبيعات، كان من الضرورى الحفاظ على سعر ٤.٩٩ يورو. وكما كان متوقعًا، لاقى هذا القرار معارضة من هيئات الترجمة الفرنسية المتخصصة، وأعاد إشعال النقاش حول دور الذكاء الاصطناعى فى الإنتاج الأدبى.

لاختبار الحدود العملية للترجمة الآلية، أجرى معدو التقرير تجربة مصغرة، حيث ترجموا نصًا سلوفينيًا إلى لغة الزولو «اللغة الأم الأكثر انتشارًا فى جنوب إفريقيا» باستخدام برنامج ChatGPT-٤ فى ليوبليانا، ثم أعادوا ترجمته إلى السلوفينية والإنجليزية عبر حساب ChatGPT فى بريتوريا. 

وقد اختيرت هذه المواقع لعدم وجود ترجمات بشرية مباشرة بين السلوفينية والزولو، أو قواميس، أو أى توثيق للتواصل الثقافى بين اللغتين. 

أظهر الذكاء الاصطناعى أداء جيدًا نسبيًا فى ترجمة الجمل القصيرة والتقنية، لكنه واجه صعوبة فى ترجمة المقاطع الأدبية المعقدة، حيث أغفل بعض التفاصيل وغير المعنى.

وفى اختبار لاحق على قصيدة سلوفينية، تبين أنه بينما كانت الترجمة المباشرة من السلوفينية إلى الإنجليزية كافية، فإن الترجمة من السلوفينية إلى الزولو ثم إلى الإنجليزية أنتجت ما وصفه المعدون بـ«قصيدة جديدة»- قصيدة محولة تمامًا ومجردة من دلالاتها الثقافية والسياسية. 

وخلص المعدون إلى أن الترجمة الآلية من المرجح أن تحل محل عدد من المترجمين، لكنها ستظل بحاجة إلى محررين بشريين ذوى مهارات عالية لاكتشاف الأخطاء، خاصة فى الأدب وفى الترجمات التى تتضمن لغات ذات بيانات تدريب محدودة.

يبدى معدو التقرير صراحة بشأن دلالات هذا التحول على مهنة النشر. يكتبون: «فى عصر الذكاء الاصطناعى، لن يكون بمقدور سوى المؤلفين والمترجمين ذوى المهارات المتميزة إنتاج محتوى جديد؛ أما ذوو المهارات المتوسطة فسيتم استبدالهم بالآلات». 

ولا يقدمون هذا كتحذير، بل كنتيجة حتمية تتطلب تدريبًا أكثر دقة، ومعايير تحريرية أعلى، وقطاع نشر أكثر وعيًا. ويضيفون: «وهذا ليس بالأمر السيئ على الإطلاق».

معدو التقرير هم: ميها كوفاتش، أستاذ فى قسم علوم المكتبات والمعلومات ودراسات الكتب بجامعة ليوبليانا؛ روديجر فيشنبارت، مستشار النشر النمساوى؛ يانا جينوفا، مؤسسة «مؤسسة الصفحة التالية»؛ وأنجا كاميناريتش، باحثة فى جامعة ليوبليانا.