الخميس 18 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مغامرات الأرشيف.. كيف حاول الصحفيون مقاومة «جمهورية الخمينى» مبكرًا؟

حرف

فى صباح يوم السبت الموافق 12 مايو 1979، غابت صحيفة «آيانديجان»، إحدى أقدم وأكبر وأكثر الصحف استقلالية فى إيران، عن العديد من أكشاك بيع الصحف فى البلاد.

وكان آية الله روح الله الخمينى، الذى تولى السلطة قبل ثلاثة أشهر، قد ندد بالصحيفة فى وقت سابق من الأسبوع ووصفها بأنها «منحرفة»، وطوال الليلة السابقة انتقدتها الإذاعة الحكومية مرارًا وتكرارًا ووصفتها بأنها «معادية للثورة».

نشرت صحيفة «آيانديجان»، فى عددها الصادر ذلك اليوم، خبرًا واحدًا، نداء للحكومة الجديدة لتبنى حرية الصحافة التى، كما كتبت، كانت ركيزة أساسية للثورة الإيرانية.

وأعلنت الصحيفة: «من المستحيل الاستمرار حتى تتخذ الحكومة موقفًا واضحًا يدعم حرية الصحافة والتعبير». أما بقية صفحاتها فكانت بيضاء.

تظاهر المئات فى شوارع وسط طهران احتجاجًا على تحدى الصحيفة لآية الله. وفى شيراز، جنوب إيران، احتل مسلحون مكاتبها.

وفى مدينة دزفول غرب إيران، سُجلت أسماء مشترى الصحيفة. ومع ذلك، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أنصار الصحيفة وزعوا أكوامًا منها فى الشوارع، مما رفع توزيعها المعتاد من ٣٠٠ ألف إلى ٤٥٠ ألف نسخة.

مع معرفة النصف قرن التالى من تاريخ إيران، قد يكون من المفاجئ إدراك أنه وسط هذه الاضطرابات الاجتماعية كانت الأشهر الأولى التى أعقبت الإطاحة بالشاه فترة تفاؤل فى البلاد.

ازدهرت وسائل الإعلام فيما يشبه «ربيع الحرية»، وأتيحت للمستهلكين فرصة الاطلاع على طيف واسع من الأصوات من مختلف الأطياف السياسية والدينية.

وحسب إحدى الإحصاءات، كان فى البلاد ١٠٠ صحيفة وقت الثورة، وأكثر من ٧٠٠ صحيفة فى العام الذى تلاها. هذه اللحظة المنسية موثقة فى «نشرية»، وهى مجموعة ضخمة من الصحف الإيرانية الرقمية أنشأتها جامعة مانشستر وتشارك عبر منصة «جستور».

فى أرشيفات نشرية يمكن للمرء أن يرى ثورة ١٩٧٩- التى لا تزال أصولها موضوع نقاش أكاديمى- وتداعياتها تتكشف فى الوقت الحقيقى على الصفحات الأولى من صحيفتى «عينديجان» و«كيهان»، وهى صحيفة أخرى ذات أهمية تاريخية فى البلاد.

وفى القصص المثيرة فى صحف اتحاد جوان «وحدة الشباب» وجوانان إمروز «شباب اليوم»، وفى رسوم الكاريكاتير فى منشورات ساخرة مثل صحيفة «آهانجار» اليسارية، وفى إعلانات طهران مصورة، التى تتحدث عن الرغبات اليومية وسط الاضطرابات- عالم من أجهزة التليفزيون الملونة والساعات الأنيقة ومثبتات الشعر طويلة الأمد والمشروبات الغازية الأمريكية.

ويحتوى الأرشيف الرقمى أيضًا على مقتنيات غنية من أوائل الخمسينيات، فى الفترة التى سبقت انقلاب ١٩ أغسطس ١٩٥٣ الذى رسّخ سيطرة الشاه، ولدى جامعة مانشستر خطط لتوسيع عروضها عبر الإنترنت لتشمل منشورات من أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، وهى فترة قصيرة من الإصلاح فى إيران.

إن وجود هذه المنشورات حتى اليوم دليل على الدافع الإنسانى القوى لتوثيق تجارب المرء للتاريخ. لم تستمر صحيفة «آيانديجان» سوى ثلاثة أشهر أخرى بعد ذلك اليوم المضطرب من شهر مايو، لكن ورقها الهش حُفظ.

فى السابع من أغسطس عام ١٩٧٩، أعلنت الحكومة الإيرانية قانونًا جديدًا يجيز تعليق نشر الصحف التى تنتقد القيادة. وعلى الفور تقريبًا، احتل الحرس الثورى الإسلامى مكتب صحيفة «آيانديجان» فى طهران، ومنع الصحفيين من الوصول إلى غرفة الأخبار ومطابعهم. وصودرت صحيفة ذلك اليوم. وفى اليوم نفسه، صدرت أوامر لصحيفة «آهانجار» بالتوقف عن النشر.

وعندما نُشر القانون فى الأسبوع التالى، والذى فرض عقوبات قاسية على الصحفيين الذين ينتقدون الإسلام أو القادة الإيرانيين، واشترط على الصحف الحصول على تراخيص حكومية للطباعة، واجه أنصار الصحافة متشددين إسلاميين فى شوارع طهران، مما أدى إلى أسوأ أعمال عنف تشهدها المدينة منذ نهاية الثورة.

بحلول نهاية أغسطس من ذلك العام، لم تكن صحيفتا «آيانديجان» و«آهانجار» وحدهما مستهدفتين، بل نحو أربعين مطبوعة أخرى.

فقد أغلقت صحف «اتحاد جوان» و«جوانان إمروز» و«طهران مصور»، بالإضافة إلى صحيفة «بيجام إمروز» اليسارية، وصحيفة «فردوسى» الشعبية، وصحيفة «سيبد وسياه» التى كانت محظورة أيضًا من قبل النظام السابق.

إن القدرة على قراءة كل هذه المطبوعات اليوم أمر بالغ الأهمية لفهم تاريخ الشعب الإيرانى، وهو بمثابة تمرد بسيط ضد كل من يحاول إسكات الصحافة الحرة فى أى مكان.